رغم كل بيانات التفاؤل والتقدير التي صدرت عن العديد من القوى السياسية حول نجاح مظاهرة الثورة أولاً يوم الجمعة الماضي، إلا أنني أشك في إمكانية تنظيم مظاهرات مليونية جديدة خلال الفترة المقبلة لاستكمال تحقيق مطالب الثورة، ما لم تكن هناك أحداث جسام تدفع الشعب للخروج.
قبل جمعة "الثورة أولاً" أو "جمعة الإصرار" في رواية أخرى، كانت هناك مبررات قوية لتنظيم تلك المظاهرة، وكانت هناك آمال أقوى بأن يتجاوز عدد المشاركين فيها حاجز المليون في التحرير فقط، ناهيك عن مئات الآلاف في المحافظات الأخرى، وذلك بعد صدور أحكام البراءة بحق عدد من وزراء ورموز النظام السابق، وبعد إخلاء سبيل قتلة الشهداء في السويس، والبطء في محاكمة مبارك وابنيه ورموز عهده، والأهم من كل ذلك هو توفر فرصة النجاح الحقيقية مع عودة روح التوافق الوطني باصطفاف الجميع خلف هدف واحد لحماية الثورة بعد تشرذم وتلاسن حول أولوية الدستور أو الانتخابات.
رغم وجود كل هذه العناصر لم تصل مظاهرة يوم الجمعة 8-7-2011 في التحرير إلى نصف مليون متظاهر، وربما لا يصل العدد إلى 300 ألف جاءوا من كل حدب وصوب، بين ليبراليين ويساريين وإخوان وسلفيين إلخ، صحيح أن سخونة الطقس أثرت سلبًا على الكثيرين لكن سخونة الأحداث السياسية كان من المفترض أن تمتص حرارة الجو، لتلهب حرارة التظاهر، وهو ما لم يحدث.
نعم لقد أعادتنا مظاهرة الثورة أولاً إلى روح التحرير التي جمعت كل الفرقاء السياسيين على مدى 18 يومًا، تمكنوا خلالها من خلع أعتى نظام عربي، وصحيح أن اليوم مر بسلام بشكل عام، حيث لم تقع مصادمات بين الفرقاء الذين فرقهم الاستفتاء على التعديلات الدستورية، كما لم تقع إصابات بسبب مصادمات مع البلطجية كما كان متوقعًا بشدة، ولكن ما يدفعني للتشاؤم هو ذلك التلاسن والمناوشات التي حدثت بين شباب بعض المجموعات السياسية وشباب الإخوان والسلفيين، سواء حين حاول البعض منع شباب الإخوان من إقامة منصة الإذاعة التي اعتادوا إنشاءها في المظاهرات السابقة، أو رفع بعض الشعارات العدائية ضد الإخوان، أو حتى ترديد بعض الهتافات المناهضة للإخوان بعد انصرافهم من الميدان مساءً عقب انتهاء فعاليات اليوم، كما هو متفق عليه مع بقية الائتلافات والأحزاب المشاركة، فكل هذه الأمور رغم أنها صدرت من شباب ينتمون لمجموعات هامشية إلا أنها ستنعكس سلبًا على أي دعوة مقبلة لتنظيم مظاهرة عامة في التحرير.
لا أظن أن شباب الإخوان أو حتى شيوخهم الذين مارسوا قدرًا كبيرًا من ضبط النفس في مواجهة الاستفزازات يوم الجمعة سيقبلون بسهولة المشاركة في أي مليونية مقبلة، طالما ظلت تلك المجموعات الهامشية صاحبة الصوت العالي في الميدان، بدعم من بعض رجال الأعمال والسياسيين المنفلتين الذين يخشون على مستقبلهم السياسي في أي انتخابات نظيفة، والذين رغم أنهم لم يكن لهم ماضٍ سياسي معروف إلا أنهم كانوا يراهنون على دور سياسي من خلال الصوت العالي في ميدان التحرير، ومن أمثلة هؤلاء هذا الاستشاري الذي لم يكن معروفًا بأي مواقف سياسية في عهد مبارك أو قبل مبارك، وفجأة فرض نفسه بأمواله كزعيم رئيسي للثورة، يتبنى أكثر المواقف تطرفًا، ويدعو للاعتصام المستمر في الميدان بينما يذهب هو إلى بيته لينام في فراشه الوثير.
ولا أظن أن الادعاء بأن الإخوان شاركوا في مظاهرة الجمعة فقط لأنهم تيقنوا من نجاحها وخشوا على أنفسهم وعلى سمعتهم من التغيب عنها، يمكن أن يشجعهم مستقبلاً على المشاركة في هكذا مظاهرات إلا بقدر معلوم، وهذا ما يدعم شكوكي حول إمكانية تنظيم مظاهرات مليونية جديدة، وأتمنى أن تكون شكوكي خاطئة.