الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعـــد،،
فكثير هم العلماء والدعاة.. ولكن قليل منهم العالم العامل والداعية المربي أو المصلح الربّاني.
قد تعجب بخطبة منمقة من أحدهم أو محاضرة مدبجة أو درس أجيد تحضيره، ثم تصطدم بواقع مرَّ إذا ما تعاملت مع واحد من هؤلاء، فترى الانفصام الشديد بين القول والعمل، وعلى الأخص إذا كنت مرءوسًا لأحدهم.
وإني إذ أكتب هذه الكلمات لأشعر بكثير من الحياء والضآلة أمام عالم عامل، وشيخ مربي، وأستاذ معلم، ونموذج قل أن تجد له مثالاً في عالم الرجال.
أكتب عن شيخي وأستاذي ومعلمي فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور أحمد العسّال الذي عايشته وعاصرته وتعاملت معه عن قرب على مدى عشر سنين تقريبًا؛ حيث تفضل عليّ القدر أن أعمل معه بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد – باكستان من سنة 1987م إلى سنة 1997م.
ومما زادني شرفًا أن كنت مساعده الشخصي زيادة على عملي كمحاضر بالجامعة، فاطلعت منه على كثير مما لم يطلع عليه غيري، فكانت لمساته الدعوية تلمس قلبي وتبني في كياني الرقة والذوق الرفيع، وقد أفدت منه في هذه الحقبة ما لم أستفده على مدار عمري.
فهي إذن ذكريات أحاول أن أجمعها من ثنايا الأحداث وحنايا الأيام والليالي، فليعذرني شيخي وأستاذي في علام البرزخ إن قصرت في الحديث عنه أو ضعفت عبارتي عن وصف الحقيقة، وها هي بعض لمساته التربوية:
1) إحساس مرهف بمن حوله وشفقة عليهم:
فرغم مهامه الجسام وهمومه العظام- رحمه الله- ما كان ليغفل أحد العاملين معه إن رآه مهمومًا أو متعبًا أو تبدو عليه آثار المرض كان يترك ما في يده ليسأل عن الخطب، فإن كان مريضًا أذن له بالانصراف إلى بيته، وإن كان متعبًا خفف عنه الأعباء، وإن كان مهمومًا لا يتركه حتى يعطيه جرعة تربوية يُسلّي بها عنه همه، فكم من مرة لاحظ عليّ الإرهاق فكان يأمرني بأن أترك ما في يدي وأذهب لأستريح قائلاً: (لا تصادموا سنن الله فإنها غلابة)، وإن وجد مني حاجة للطعام أجلسني بمكتبه وفتح حقيبته ليخرج منها فاكهة أو شيئًا آكله وطلب لي الشاي، جزاه الله خير الجزاء، لذلك كان مكتبه ملاذًا لجميع العاملين بالجامعة هذا يستشيره وهذا يستنصحه وهذا يستفتيه والكل يخرج من عنده مستريح البال.
2) من رآه هابه ومن عايشه أحبه:
كان الشيخ رحمه الله ذا مهابة ووقار تحتم على من حوله احترامه وتقديره وأحسبها هيبة مُنحها من الله تعالى لعظيم صلته به سبحانه، ولما يحمل من علم وخلق كريم، فالذي يراه لأول مرة يحسب أن الحجب بينه وبينه كثيفة والسدود منيعة، فإذا اقترب منه وجد ترحابًا وعطفًا ولطفًا وابتسامةً رائقة لا تكاد تفارقه، فلا يسعه بعدها إلا أن يمتلئ حبًا واحترامًا للشيخ، وهذا ما شاهدناه- ونشهد عليه- أن الجامعة بطلابها وأساتذتها وعمالها وكل من فيها كان يحب الشيخ حتى من كان يختلف معه في الرأي والوجهة لا يسعه إلا أن يكنّ له كل الحب والتقدير.
3) الأناقة في أبهى صورها:
لقد رسم لنا الشيخ صورة للمسلم الحق في اهتمامه بإصلاح باطنه وعدم الغفلة عن ظاهره؛ حيث إنها من أخلاقيات الإسلام يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" الحديث، فلا نكاد نرى الشيخ إلا في أبهى صورة وأجمل حلة و"أشيك" مظهر– إن صح التعبير- أيًا كان زيه بدلة أو جلبابًا أو حتى "شلوار قميص" "الزي الباكستاني" الذي كان يلبسه أحيانًا، بل يتعد هذا الجمال وتلك الأناقة إلى سيارته وبيته ومكتبه، ولا أبالغ إذا قلت حتى في سائق سيارته.
4) لا تفارقه هموم أمته:
لقد كان رحمه الله معنيًا بشئون الأمة من داخلها وخارجها، متتبعًا للأحداث، محيطًا بالمكائد، محللاً للمواقف، يؤلمه تخاذل الأنظمة وغفلة الحكومات، مطلعًا على كل جديد في العالم من خلال قراءته اليومية للأخبار بالعربية والإنجليزية.
تلمس هذا الاهتمام وذلك الهم في سماعك لخطبته أو محاضرته العامة أو في زيارتك له في بيته أو مكتبه، له رؤيته الخاصة للخروج من المأزق الذي تعيشه الأمة من إصلاح للتعليم، وتربية الكوادر الشبابية، واهتمام بالمرأة، ودعوة المجتمع إلى هذا الإسلام، وكثيرًا ما كان يذكر برقعة الإسلام التي انحسرت، وبالممالك الإسلامية التي أبيدت، وبالمد الإسلامي الذي توقف.
5) إنزال الناس منازلهم:
فقد تعلمتُ منه كيف يكون التعامل مع الناس وإكرام كريمهم واحترام كبيرهم والتلطف مع صغيرهم، فكان لجميع من يتعامل مع الشيخ حظه من التقدير والاحترام بصرف النظر عن مؤهله أو مكانته ومنزلته، ومع ذلك إذا تعامل مع ذوي الهيئات لا يهضمهم حقهم، فكنت إذا راسلت أحد هؤلاء في المملكة أو الكويت– باسم الشيخ طبعًا- كنت أرجع إليه لأقرأ عليه ما كتبت فيشير عليّ بتعديل صفة المكتوب إليه، ولا يقبل أن أضع وصفًا مكان آخر كسعادة مكان معالي، أو معالي مكان دولة، فلكلِّ شخص نخاطبه له صفة خاصة أخاطبه بها، وهذا من ذوقيات الشيخ.
6) رقة متناهية ومحبة عالية للأطفال:
لقد تعلمت من الشيخ كيف تكون معاملة الأطفال، وضرورة التلطف معهم، وإشباع عاطفتهم، وعدم التأزم منهم، فرغم عدم تجربته واحتكاكه القريب بالأطفال- حيث لم يُرزق- ومع ذلك كانت زيارته الأسرية مليئة بالتوجيه في هذا الباب.
زارني يومًا في بيتي فكنت حريصًا على عدم إزعاجه بلهو الأطفال وعبثهم، فلمس ذلك مني فنهرني وهو يقول: (دعهم ولا تحجر عليهم، فإنهم من الثلاثة الذين لا يكفون عن الحركة.. الصبيان، والجديان، والعميان).
وزرته يومًا في نهار رمضان ومعي ولدي أحمد وكان عمره لا يزيد عن سبع سنوات وكان صائمًا، فلما أحس بإرهاقه من الصوم قام مشكورًا بنفسه وأحضر له طعامًا وأمره بالفطر.
وكنت أشير عليه في الأعياد أن يأذن لسائقه– الشيخ سرفراز الأفغاني- بالذهاب إلى بيته على أن أقوم مقامه لنفس المهمة، فلما صلينا العيد وأعدته إلى بيته قال لي: (خلِّي السيارة عندك فإذا احتجتها اتصلت بك) وفعلاً حبست نفسي في هذا، اليوم، على خدمته منتظرًا مهاتفة الشيخ، فكانت المفاجأة أن اتصل بي ليأمرني بما يلي (خذ الأولاد واعمل بهم بلنص إلى آخر النهار) بمعنى اذهب بهم إلى المنتزهات وأسعدهم في هذا اليوم.. فأسقط في يدي من هذا التصريح كيف وأنا من أوقفت نفسي على خدمته، فإذا به يحولني من خادم إلى مخدوم، فلما ترددت في القبول عزم عليّ قائلاً: (حق الأولاد يا شيخ جمال.. اسمع الكلام فرّحهم النهارده) فما أعظمها من رقة وما أجملها من تربية بالسلوك والمواقف، وليس بمجرد الخطب والمواعظ.
هذا هو الشيخ كما عرفته وعايشته، ذلك فضلاً عن بشره الدائم وسؤاله عن الجميع وتفريجه لكرب أبنائه وإخوانه من حسابه الخاص، فكم تعرضت الجامعة لأزمات في جوانب مختلفة ثم تخرج من كلِّ أزمة أصلب عودًا وأرسخ وجودًا، وكان المقربون يرجعون ذلك إلى وجود أمثال الشيخ العسّال على رأس هذه الجامعة.
7) رقة قلب ودمعة عين:
كان رحمه الله شفيقًا رقيقًا يألم لألم إخوانه ويأسى لمآسيهم، وتفيض عينه بالدمع مشاركة في أتراحهم، فقد أصبت في حادث مروري بالقاهرة في 19/7/2007م ولما نقلت إلى مستشفى قصر العيني هاتفته أطلب منه الدعاء، فاهتز جدًا للخبر، وتغير صوته إلى نحيب وهو يدعو لي: "اللهم ألطف بعبدك.. اللهم ألطف بعبدك" ولم يستطع من غَلبة الدمع أن يكمل حديثه معي، فأغلق الهاتف وهو يبكي، وقد أبكاني بكاؤه وآلمني نحيبه حتى قلت: يا ليتني ما أخبرته، ثم تفضل بالاتصال بنقابة الأطباء للاهتمام بي، وفعلاً جاءني مندوب بهدية من النقابة مع توصية للمستشفى بالاهتمام بحالتي.
رضي الله عن الشيخ، ورحمه رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عني وعن الإسلام والمسلمين خير ما جازى به عباده الصالحين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.