قام نظام مبارك على أعمدة رئيسية، وهي الإعلام والأمن والخارجية، ولا يقصد بها وزارة الخارجية وحدها، وإنما كل الأجهزة التي تدافع عن جرائم النظام في مواجهة الخارج، ليستوي في ذلك وزارة الخارجية، ومدير المخابرات العامة، والمكاتب الإعلامية، والناطق باسم الحكومة المصرية، ووزير الدولة للشئون القانونية، والناطقون باسم وزارة الخارجية، ومجلس الوزراء، والمجلس القومي لحقوق الإنسان.

 

هذه المنظومة الثلاثية، ويُضاف إليها المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، اشتركوا جميعًا في تضليل الشعب المصري والتدليس عليه، والتآمر على مصر، وتغييب وعي الشعب، ودفعه للاعتقاد بأن النظام يدافع عن مصالح الوطن، بينما النظام منهمكٌ في التآمر على هذا الوطن بكلِّ معنى الكلمة.

 

وقد تجسَّد هذا المعنى في القضايا التي طالت الخارج فيها، ويتدخل كلما ارتكب النظام جريمةً تدخل في نطاق قضايا حقوق الإنسان، فأسرف النظام إسرافًا واضحًا في تحصين تصرفاته بمختلف الأعذار القانونية، وأهمها أن نقد الخارج للنظام يعتبر تدخلاً مرفوضًا في الشئون الداخلية، وكذلك التذرع أمام القضاء المصري بأن سوءات النظام، خاصةً كلما تعلَّق الأمن بخدمات النظام للكيان الصهيوني، بأنها من أعمال السيادة التي يمنع القضاء المصري أن يبسط رقابته عليها.

 

في هذه المقالة نودُّ أن نُركِّز على مخاطر كتبة الحكومة الذين اقتلعوا من مراكز القيادة الإعلامية، ولكن ظلالهم لا تزال تعرقل خطوة الإصلاح في مصر، كما أن أقلامهم التي تبث السموم وتزرع اليأس وتنتقد الثورة بشكلٍ غير مباشر، وتستخف بإنجازاتها، والتي انتزعت الملك والسلطان من أيديهم ومن كبير كهنتهم يجب أن يتقرر بشكلٍ حاسمٍ كسر هذه الأقلام، فلا يجوز لهؤلاء الكتبة أن يطالبوا لأنفسهم بحرية التعبير؛ لأن حرية التعبير حقٌّ للمواطن حسن النية الذي يعبر دون أن يختفي وراء تعبيره مخطط إجرامي لتسميم حياة المجتمع وتضليله.

 

ولولا بقية من حياء تجاه هؤلاء الذين لم يعرف الحياء يومًا طريقه إليهم لذكرت أسماءهم، وقد هددت بذلك في مقالةٍ سابقةٍ، ولكن لن أملَّ من طرق هذا الملف بإلحاحٍ حتى يدرك هؤلاء أنهم مذنبون، وأننا نقرأ لهم لنتعرف على نماذج من الحرباء البشرية التي تتخذ لنفسها ألوانًا متعددةً تتماشى فيها مع البيئة المحيطة، ولكنها تحمل حقدَ الثعابين، وقوة إرادة الحرباء للإضرار بالمجتمع المصري الذي تحمَّل مؤامراتهم، وأثروا من أموال الشعب وهم يحاربون قضاياه ويتآمرون مع جلاديه؛ ولذلك أريد من كلِّ مواطنٍ مصري أن يعرف هؤلاء، وسوف أشير إلى بعض الصحف التي يكتبون فيها دون ذكر أسمائهم، وسوف أفعل ذلك إذا لم يتوقفوا لأي سببٍ لأن قرار منعهم من الكتابة له ما يبرره من الناحية القانونية، كما أنه قرار سياسي يهدف إلى حماية المجتمع، وقد منعوا الشرفاء من الكتابة في صحف النظام حتى لا تكشف عوراتهم أمام القراء، وظنًّا منهم أنهم احتكروا صياغة الوعي المصري بعيدًا عن تدخلنا لإيقاظ المجتمع، وصوروا أقلامنا النزيهة على أنها أقلام حاقدة على نظامٍ صالح، وتفنن بعضهم في وصفنا بأننا مجموعة المطاريد الذين يأسوا من الحصول على مغانم النظام فانقلبوا عليه معارضين وناقدين.

 

وإذا كان قرارهم بمنع الأقلام الوطنية من الكتابة قرارًا سياسيًّا لحماية النظام الفاسد، وليكن قرارنا نحن بمنعهم قرارًا سياسيًّا يهدف إلى حماية المجتمع من شرورهم، وفي جريدة الأهرام يكتب (أربعة) ممن دافعوا عن النظام وضللوا الناس، وفي (الأخبار) أقلام أخرى بعد أن منَّ الله علينا بوضع القطط في مفارز الفئران الذين هبطوا بالصحافة إلى أسوء مداركها، فهرب الصحفيون الحقيقيون، وفي (المصري اليوم) هناك أربعة أقلام، وفي (الشروق) يفسحون المجال لكتابات الصهاينة تحت ستار حرية الرأي، وفي (روز اليوسف) بقايا فيلق إفساد الصحافة، وقس على ذلك في الصحف التي كانت تُسمَّى في العصر البائد بالقومية، فضلاً عن بقية الصحف.

 

والحق أنني أتمنى أن يعقد مؤتمر شامل لمراجعة أوضاع الصحافة في مصر، وإعادة الاعتبار للمدرسة الصحفية المصرية، وإعادة التأكيد على دور الصحافة في بناء مصر الديمقراطية، وتقييم دور الصحافة بكلِّ طوائفها في مرحلة مبارك.