يدور الحديث بين النخبة في كلِّ وسائل الإعلام عن المستقبل السياسي للوطن بمقترحات في أقصى اليمين على النقيض مما في أقصى اليسار، وكل ذلك باسم مصر!! فأين مصلحة الوطن؟ ومن يقرر ذلك؟ الإجابة عنه من كل المصريين بجميع شرائحهم وليس حكرًا على من يفهم في السياسة أو النخبة إن جاز التعبير.

 

إن القارئ لخريطة مصر السياسية يجد اتجاهات أربعة تتبلور في: الإسلامي، والليبرالي، والقومي، وأخيرًا اليساري، ومع اختلاف الأوزان النسبية لكلٍّ من هذه الاتجاهات حسب ما يلاقيه من قبول أو رفض شعبي، وكذلك عدد المؤيدين والمعارضين لكل اتجاه، نجد أنها جميعًا ترسم الخريطة السياسية المستقبلية لمصر، ومع وجود حالة استقطاب داخلي يتمثل في الشعب صاحب الثورة واستقطاب خارجي يتمثل في الدول أنصار كل اتجاه، وما تحمله من أجندة تراعي مصالحها الإستراتيجية أولاً.. أعيد السؤال مرة أخرى لأنصار كل اتجاه.. أين مصلحة الوطن؟

 

وبالنظر لخريطة مصر الاجتماعية يتبين لنا ولغيرنا في الخارج أن غالبية الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه متدينون، وأن الدين عماد قيام الحضارات المختلفة التي قامت على أرض مصر، وهذه حقيقة لا مراء فيها، على أنصار الاتجاهات الأربعة في الخريطة السياسية أن تكون مع غالبية الشعب؛ حيث إنه مع المادة الثانية من الدستور، والتي تنص صراحةً على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر التشريعي للدولة، وكذلك مع الرغبة الشعبية الجارفة لتطبيق الديمقراطية والتي تجلت في استفتاء 19 مارس، وحددت ماذا يريد في المرحلة الانتقالية.

 

ورغم ما ترسمه الخريطة الاجتماعية للمسلمين والمسيحيين معًا من نسبة الأمية والتعليم أو الفقر والمرض أو البطالة والشباب.. إلا أنها تكشف بوضوح عن أن غالبية الشعب المصري مع الاعتدال والوسطية في كل شيء، وأنه من أشد المحافظين على قيمه وعاداته، ولم يستطع أي احتلال أجنبي أو غزو ثقافي أن يغير منها شيئًا، ولم تذب ثقافته في ثقافات الآخرين، بعكس شعوب أخرى انقرضت لغتهم واستبدلت عاداتهم وقيمهم، وهذا يفرض في إجابة السؤال المطروح أن يكونوا هم الأولى بالاعتبار في المرحلة المقبلة.

 

إن حالة التراخي الأمني التي نلمسها جميعًا- ولا أتفق مع مَن يسمونها انفلاتًا- مع من تتشابه؟ مع حالة اللاقرار أو القرارات السلبية التي تقوم بها جميع قيادات السلطة التنفيذية، ويتجلى ذلك بوضوح في أي محافظ، مرورًا بقياداته التنفيذية في كلِّ مصلحة حكومية، وصولاً للوزراء ومجلس الوزراء، والتي تكشف حالة الترقب والانتظار والتسويف؛ حتى تنقضي الفترة الانتقالية التي حددها المجلس العسكري تجيب صراحة.. أين مصلحة الوطن؟.

 

وبالنظر للوضع الاقتصادي الراهن وما عبر عنه وزير المالية بضرورة اقتراض أربعة مليارات دولار نصفها من صندوق النقد الدولي والنصف الآخر من البنك الدولي كمخرج لسدِّ العجز في الميزانية المقبلة ثم رفض المجلس العسكري الاقتراض الخارجي يعطي دلالات واضحة عن الحالة الاقتصادية، وكذلك عن بعد نظر بالإصرار على استقلال القرار المصري، وعدم خضوعه للهيمنة الغربية ما يعكس رؤية وطنية تستحق التقدير، وتجيب عن السؤال المطروح.

 

أما الحديث عما يدور في الخارج سواء بأياد غربية أو عربية أو مصرية ولها من الشواهد التي تطلب تأجيل الانتخابات، أو الدستور أولاً، أو مد فترة حكم المجلس العسكري أو إقصاء أي فصيل مصري وعلى رأسهم بالطبع "الإخوان المسلمون"، وللتذكرة فقط ما قيل وتوارد في النادي المصري بباريس على لسان أحد رجال الأعمال عن تضاؤل فرصة الأقباط في حكم مصر بعد ثورة 25 يناير، وما نقله "اليوم السابع" عن خبر لأقباط المهجر يطلبون من الكونجرس الأمريكي فرض الحماية الدولية على مصر، وإن صح الخبر ولم ينفه أحد فله دلالاته الخطيرة التي تصب في إحياء الفتنة الطائفية لعرقلة مسيرة الديمقراطية المصرية، ناهيك عن التصريحات الغربية التي تلح في تأجيل الانتخابات.. ولا أنسى أبدًا مقالة د. سعد الدين إبراهيم الأخيرة التي يحرض فيها وبلا مواربة ما لم تتحقق المطالب الغربية المتسقة مع بعض المصريين مخالفة للديمقراطية التي يزعمون أنهم من أنصارها.. فأين مصلحة الوطن؟
والمشاهد للحالة المصرية عقب الاستفتاء الشعبي حتى اليوم يلحظ حالة الارتباك والهستيريا التي يعيشها البعض من أجل لي ذراع الثورة، وفرض أجندتهم الخاصة دون أي توافق شعبي، وفي سبيل ذلك هناك من استخدم شتى الحيل لتنفيذ هذا المخطط بدءًا بالتصريحات الإعلامية المضللة والمشوهة، وبرامج "التوك شو" التي تشبه (التوك توك) وحالات الحوار التي ذكرتنا بالعهد البائد ثم ما سمي بالوفاق القومي فالحوار الوطني فجمعة الغضب إلى جمع توقيعات مليونية وهلم جرًّا، وليس أدل على الحالة الارتباكية من حالة د. يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء الذي استخدم كل ما سبق ثم انتهى إلى التصريح بأن الدستور أولاً التفاف على إرادة الشعب!! وغيره ممن تراجعوا عن آرائهم، وإن كان التراجع عن الخطأ يحسب لصالح صاحبه.. لكن المهم أين مصلحة الوطن؟

 

ما سبق يدعونا جميعًا لسؤال المطالبين بالدستور أولاً.. ما الطريق لذلك؟ وما وراءه بدون لف أو دوران؟

 

فإذا اتفقنا على أن من يضع الدستور هيئة متخصصة تؤسس له أو حتى تحدد المبادئ التي يقوم عليها الدستور، فمن يختارها؟ وإذا قلنا المجلس العسكري فلا ننسى الانتقادات التي وجهت له عند اختياره لجنة تعديل الدستور التي قام عليها الاستفتاء، وكذلك أعضاء اللجنة نفسها، ما يعني رفضهم للمجلس العسكري في الاختيار، يتبقى لنا من الجهات المعنية حكومة د. عصام شرف أو القوى السياسية والائتلافات الشعبية أو مجلسا الشعب والشورى أو الشعب نفسه.

 

الحكومة الحالية إذن هي حكومة تسيير أعمال، والمطالبون بالدستور أولاً يطلبون إقالتها، كما أن نصف وزرائها ينتمون للنظام السابق بمن فيهم د.عصام شرف نفسه، عندما كان وزيرًا للنقل والمواصلات، وما حدث لنائب رئيس وزرائه د. يحيى الجمل في نادى الاتحاد السكندري يعبر عن حالة من الرفض لهذه الحكومة.

 

أما القوى السياسية فيصعب اتفاقها بينما يسهل اختلافها، إذن الشعب هو صاحب الاختيار، وهذا حقه، لكن كيف يصوت الناخب الواحد على اختيار 100 عضو؟ وهل منطقي أن يصوت 45 مليون ناخب؟! هذا عبث لا يقبله عقل.

 

لا يتبقى لنا وسط من يختارهم الشعب في انتخابات حرة نزيهة؛ لينوبوا عن الشعب في اختيار الـ100 عضو، وليس المجلس العسكري أو الحكومة أو القوى السياسية، وطبعًا سيقولون هذا إقصاء لكلِّ الأطياف في التمثيل داخل هيئة وضع الدستور لحساب فصيل واحد وهو "الإخوان المسلمون"!! وهذا عجب العجاب في ديمقراطيتهم المخصخصة إذ من يأتي بالإخوان هو الشعب الذي صوت لهم وهذه رغبته، فهل تريد القلة أن تصادر حق الشعب؟ ثم يتم الخوف من الإخوان في مشاركتهم وضع الدستور؟!.. إن ما يعنيهم هو الحفاظ على المادة الثانية من الدستور، وهي محفوظة بالفعل من غالبية الشعب المصري، أما تداول السلطة ونظام الدولة والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية فقد ضمنوها في برنامجهم السياسي لحزب الحرية والعدالة.

 

ثم إن المادة الثانية لم يضعوها بل هي موجودة بالفعل في الدساتير المصرية! لكن الحقيقة التي لا يودون ذكرها أنهم يقبلون بالمادة الثانية طالما أن العلمانيين يحكمون ويرفضونها إذا كان أصحاب المرجعية الإسلامية هم من سيحكمون!

 

كل ما سبق يجيب عن السؤال أين مصلحة الوطن؟ والشعب يريد بالفعل مصر أولاً، فهل يستجيب الجميع لصوت الشعب أم يلزم أن يرددها في ميدان التحرير وفي كل ميادين مصر، بل في كل بيت؛ حتى يفيق الواهمون؟

------------------------

* أمين عام حزب الحرية والعدالة بالبحيرة