- الوزارة: لسنا مسئولين وأصحاب المدارس وراء الفساد!
- أولياء الأمور: نكتوي بزيادة المصاريف ونضطر للقبول
- خبير: الفساد الإداري والمالي وراء تعطيل القوانين المنظمة لها
تحقيق: فدوى العجوز
مع انحدار مستوى التعليم في المدارس الحكومية يحاول أغلب أولياء الأمور ذوو الدخل المتوسط والمحدود البحث جاهدين عن مدارس مناسبة لأبنائهم، تجتمع فيها صفات عدم تكدس الفصول والسعر الزهيد والتعليم المناسب- وبخاصة إجادة اللغة الإنجليزية- وهي غالبًا ما تتوافر في المدارس الخاصة لا الحكومية ذات الأوضاع المتدهورة المعروفة للجميع، ولا المدارس الدولية التي تتكلف آلاف الجنيهات.
ويبدأ الوالدان في رحلة البحث عن المناسب منها والزهيدة في سعرها، وما إن يجدوها ويلحقوا أبناءهم بها يدخلوا في دوامة أخرى متمثلة في زيادة المصروفات سنة تلو الأخرى ودون سابق إنذار؛ حيث تتراوح الزيادة السنوية من 20 إلى 25%، والتي تفوق القدرة المالية للطبقة الوسطى التي ينتشر أبناؤها في أكثر من 90% من هذه المدارس والجامعات الخاصة، وزاد من وطأة الأمر صدور القانون رقم (114) لسنة 2008م، الخاص بإلغاء الإعفاءات الضريبية المقررة للمدارس والجامعات الخاصة.
(إخوان أون لاين) طرح الكثير من التساؤلات حول طبيعة المدارس الخاصة، والقوانين التي تحكمها، وردود فعل أولياء الأمور تجاهها؛ فإلى التحقيق:
كانت بداية جولتنا مع أولياء الأمور الذين قابلونا بسخط وغضب عارمين؛ من جرَّاء ارتفاع مصاريف المدارس الخاصة بمعدلات عالية سنة تلو الآخرى، مشيرين إلى أنهم يقتطعون من قوتهم لتوفير المصروفات لتعليم أبنائهم بتلك المدارس رغم محدودية دخلهم.
استغاثات.. أولياء الأمور
رباب سيد (ربة منزل بحدائق الأهرام) تقول: "للأسف أصحاب المدارس الخاصة معظمهم أصحاب مشاريع تجارية إلا القليل منهم المهتمين حقيقةً بالعملية التعليمية, ولهذا يستغل التجاريون رغبة الأهالي في تعليم أولادهم بشكلٍ جيد، ويرفعون المصاريف سنويًّا بدعوى تجديد المدرسة، أو تطوير التعليم، والذي لا نراه أصلاً، فالفصول دون مراوح، والكثافة تزداد كل سنة أكثر من العام السابق, وأوشكت المدارس الخاصة أن تشبه المدارس الحكومية".
وتضيف أم سهيلة (موظفة تسكن في الجيزة): "أنا عندي طفلان في المدارس الخاصة، وعندي طفل ثالث على وشك الالتحاق بمرحلة رياض الأطفال، ولا أعرف من أين أوفر لهم مع بداية الدراسة 9 آلاف جنيه لهم جميعًا، مع العلم أنهم في أقل المدارس الخاصة في المنطقة؛ من حيث المصروفات والخدمات, ولم تكن الأسعار كذلك في أول سنة ألحقنا أبناءنا بهذه المدارس.
وتطالب وزير التربية والتعليم، والحكومة الانتقالية الحالية، بأن يتم تحديد مصروفات المدارس الخاصة مع وجود قوانين تحكمها؛ حتى لا تتحكم فينا المدارس الخاصة بهذا الشكل ويكون هناك قاعدة ثابتة يتم التحرك بناءً عليها.
ويقول محمد عز الدين "مدرس لغة عربية": إن له طفلين أحدهما في مدرسة خاصة، والآخر في مدرسة حكومية؛ وذلك رغم مرتبه المحدود جدًّا كأي مدرسٍ لا يعطي دروسًا خصوصية؛ ولكنه يؤكد أنه برغم ذلك لا يمكن إلحاقهم بمدارس حكومية، فهو يعمل في مدرسة حكومية الفصل فيه 120 طالبًا، فمن المستحيل أن يتعلم هؤلاء الطلاب أي شيء؛ لأنه كمدرس فيها يعاني من توصيل المعلومة لكل هذا العدد، وهو ما لا يرضاه لأبنائه!.
ويضيف: إن كل ما يطلبه في مدرسة أولاده، أن يتم التعامل مع أولاده باحترامٍ في ظلِّ إطارٍ أخلاقي، بالإضافة إلى توفير مكان نظيف ومناخ مناسب لتعلم الطفل، وكثافة مناسبة، موضحًا أنه رغم المصاريف المرتفعة للمدارس الخاصة؛ إلا أنها أموال بلا خدمات.
وتقول خلود علوي (مهندسة وأم لطفلين بإحدى مدارس اللغات): "إنها تعاني كل سنة من مصاريف المدارس، وتكتوي بنارها؛ ولكنها لا تجد بديلاً آخر؛ نظرًا لاضطرارها لذلك؛ ولكنها تُبدي تعجبها من انعدام الإشراف من جانب وزارة التربية والتعليم، والجهات الرقابية على ذلك النوع من المدارس.
وتتساءل مستهجنةً: "ألا يوجد قوانين تحكم هذه المدارس؟، وألا يوجد أية سلطة رقابية عليها؟".
وترى أن الأهم من ذلك هو مسألة زيادة المصروفات، وتحصيل الأموال اللازمة من أولياء الأمور دون وجه حقٍّ ولا سند قانوني، والزيادة مُبالغ فيها وعندما يتحدثون مع المدرسة يأتي الرد عليهم: "اسحبوا أولادكم من المدرسة لو مش عجابكوا"!.
وتقول هبة عبدالفتاح "أم": "ذهبت لإحدى المدارس لأُقدم لابنتي بالمرحلة الثانية في الروضة، فقيل لي: لا بدَّ أن تأخذ "كورس" في الصيف حتى نقبلها في المدرسة، و"الكورس الصيفي" بمبلغ630 جنيهًا، وفي بعض المدارس يصل إلى950 جنيهًا، أي كأني أقدم لها سنة جديدة, فأخبرته أن مستوى ابنتي يؤهلها للصف الأول الابتدائي، ويمكن عمل اختبار لها؛ لقياس مستواها، فرفضَّ وأصرَّ على دفع المبلغ كاملاً لقبولها في المدرسة، والكارثة أني عندما حصلتُ على وصل بدفع سعر "الكورس"، وجدتُ مكتوبًا فيه أن هذا المبلغ خاص بنادٍ صيفي، وأنشطة وحاسب آلي، ولم يذكر فيه أنه "كورس" للقبول في المدرسة!!.
وتشير إلى أن بعض المدارس الخاصة تحتال على الوزارة وعلى أولياء الأمور؛ لتأخذ أموالاً بغير وجه حقٍّ وبأسباب وهمية لجمع الأموال، فأين الرقابة على هذه المدارس؟
في قفص الاتهام
![]() |
وتشير إلى أن تحديد المصروفات المدرسية والنواحي المالية تتم من خلال المديريات والإدارات التعليمية في ضوء القرارات الوزارية، والنشرات التي تصدر في هذا الشأن، مؤكدةً أن أي شكاوى من أولياء الأمور يتم النظر فيها بعدها.
وتؤكد أن الرقابة على تلك المدارس سواءً من الناحية المالية أو الفنية، تتم من خلال المديريات والإدارات التعليمية التابع لها تلك المدرسة، في ضوء أحكام القرار الوزاري رقم(306) لسنة 93 - بشأن التعليم الخاص- وفي حالة مخالفة القرار الوزاري يتم تطبيق أحكام القرار في هذا الشأن.
وتضيف أن المصروفات يتم تحديدها من خلال الإدارات والمديريات التعليمية، ومن خلال عمل تقييم للمدرسة عن طريق الميزانية التي تعدها المدرسة، مدعمًا بالمستندات الدالة على الإيرادات والمصروفات الواردة بتلك الميزانية، نافيةً زيادة المصروفات كل سنة كما يزعم أولياء الأمور!
وتوضح أن زيادة المصروفات سنويًّا طبقًا للكتاب الدوري الخاص بنظام الشرائح- حسب شريحة المدرسة ومستواها- الصادر من إدارة التعليم الخاص بناءً على موافقة الوزير المبني على توصيات اللجنة المركزية، والتي تقسم المدارس مجموعات حسب المصروفات المقررة لها، وهذه النسب لم تتغير منذ 5 سنوات!!
وتشير إلى أنه في حالة وجود شكوى من مدرسة خاصة فعلى أولياء الأمور التوجه إلى الإدارة العامة لخدمة المواطنين، أو من خلال البريد الإلكتروني للوزارة، ويتم فحص نوعية الشكوى، ثم يتم تحويلها للمديريات والإدارات لفحصها، وما إن تنتهِ نتيجة بحث الشكاوى حتى يتم فحصها ميدانيًّا، وإعداد تقرير بنتائج الفحص وإخطار الإدارة العامة لخدمة المواطنين بما انتهى إليه بحث الشكاوى لإخطار مقدم الشكوى بذلك.
فساد مالي وإداري
الخبراء من جانبهم كانت لهم وجهة نظر أخرى؛ حيث يُعلِّق الدكتور مصطفى رجب سالم أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة قناة السويس قائلاً: إنه لا ينكر أحد دور التعليم الخاص في تقديم الخدمة التعليمية ذات الجودة، ومن ثَمَّ فلا بد أن تكون هناك قواعد مشتركة ومعايير تحكم الجميع من أجل تحسين العملية التعليمية وبما ينهض بدور الدولة.
ويلفت النظر إلى أن التعليم الخاص ساهم في رفع الكثير من الأعباء عن التعليم الحكومي منذ سنوات طويلة، سواءً في مستويات التعليم قبل الجامعي أو التعليم الجامعي.
ويؤكد أن القانون يمنع أي مدرسة أن تضع قيمة المصروفات التي ترغبها إلا بعد موافقة وزارة التربية والتعليم، فالمادة (64) من القانون تنص على أن المحافظ المختص هو الذي يحدد مصروفات المدرسة ورسوم النشاط المدرسي وثمن الكتب واشتراك السيارة ومقابل التغذية والإيواء وكل ما يتعلق بنشاط المدرسة، وذلك في ضوء مشروع موازنة المدرسة، وهو ما يؤكد وجود فساد ضخم داخل المدارس الخاصة الحالية، مع انعدام الرقابة من جانب الوزارة!.
ويوضح أن القانون ينص أيضًا على أن أي مدرسة خاصة لا يجوز لها أن ترفع قيمة أي رسوم لها إلا بعد موافقة وزارة التربية والتعليم، كما أن المادة (66 ) من القانون تنص علي أن المديرية التعليمية المختصة التي تتولى الإشراف على المدارس الخاصة من كل النواحي، تخضع لإشراف الوزارة ماليًّا، وإداريًّا، وشأنها شأن المدارس الحكومية، كما تشرف على امتحانات القبول والنقل - بمعنى أنها تعين موجهًا ماليًّا وإداريًّا مقيمًا في المدرسة.
يشير إلى أن عدم تفعيل مثل هذه القوانين بسبب الفساد الإداري والمالي لبعض المؤسسات التعليمية المختصة، والتي ما زالت على حالها وفسادها، حتى بعد الثورة ولم تطهرها الثورة من رموز الحزب الفاسد حتى الآن, هو الذي أدَّى بالعملية التعليمية إلى ما وصلت إليه الآن سواء في المدارس الحكومية أو في المدارس الخاصة.
تطهير الوزارة!
ويرى الدكتور مصطفى أن الحل يتمثل في شقين أحدهما خاص بالتعليم الحكومي بحيث يبدأ بالتطهير الكامل لكل المؤسسات التعليمية من كل مظاهر الفساد والرشاوى والمحسوبية, مع تحسين وتطوير حالة المدرس ماديًّا وتربويًّا؛ لأنه هو أساس العملية التربوية, بالإضافة إلى زيادة ميزانية الدولة المخصصة للتعليم؛ لأنه أولى خطوات التقدم والتغيير؛ حتى تصل المدارس الحكومية للمنافسة مع المدارس الخاصة.
ثانيًا تنظيف التعليم الخاص، من خلال تشكيل ورشة عمل للجمع بين ممثلين لأصحاب المدارس الخاصة، وشريحة من أولياء الأمور من كل الطبقات، وممثلين من وزارة التربية والتعليم للوصول إلى صياغة قانونية عادلة لكل الأطراف؛ حتى يتم رفع الكفاءة التعليمية وحتى يكون التعليم الجيد متاح للجميع ولا يكون التعليم استثماري من الدرجة الأولى.
ويضيف: لا بد من إخضاع التعليم الخاص تحت الإشراف الكامل لوزارة التربية والتعليم؛ لأن خروج المدارس الخاصة عن إشراف وتبعية وزارة التعليم هو ما يعني "ذبح" ولي الأمر والتلميذ بعد إطلاق يد المدارس الخاصة في رفع المصروفات والرسوم.
