- بلال: رئيس مباحث بولاق قتل والدتي حتى لا تشهد عليه
- أم عمرو: قتلوا ابني الوحيد برصاصة في رأسه على كوبري بولاق
تحقيق: يارا نجاتي
لم تنجح ثورة 25 يناير إلا بعد أن دفع الشعب المصري ضريبتها وثمنها أرواحًا ودماءً وأشلاء، ولم تنبت بذرتها إلا بعد أن روتها دماء طاهرة سالت على أرض الكنانة؛ لتنزل ويلاتها ولعناتها من السماء على رأس النظام المخلوع، فتقتلعه من جذوره وتجعله عبرةً أمام العالم كله.
ونال الكثير من شهداء الثورة تكريمات عديدة إن لم تكن مادية فهي معنوية، وعقدت لهم الندوات والمؤتمرات، وعرضت صورهم في معارض، سواء في مليونيات التحرير أو غيرها من فعاليات الاحتفال بالثورة.
ولكن كان بين هذه الأرواح المتزاحمة إلى السماء أرواحٌ تجاهلها أهل الأرض؛ لا لشيء سوى أنهم بسطاء وفقراء، لا يعرفهم أحد، وليس لهم من يعلن عنهم في أمسيات التحرير أو يطبع صورهم على "بنرات" تعلق في ميدان التحرير بين معارض صور الشهداء، أو يتحدث عنهم في برامج التوك شو.
(إخوان أون لاين) بحث عن أسر شهداء ثورة 25 يناير المغمورين الذين تجاهلهم الإعلام؛ لأنهم من قاطني العشوائيات، وأجرى معهم الحوار التالي؛ فإلى التفاصيل:
بين عشوائيات القاهرة وسط الحواري الضيقة وانعدام مقومات الحياة في منطقة (أبوقتادة)، يقع منزل الشهيدة مهير خليل زكي، التي استشهدت يوم جمعة الغضب 28 يناير.
![]() |
|
أهالي الشارع أطلقوا اسم الشهيد عمرو عليه |
عبير طفلة لم تتعدَّ الـ15 من عمرها، تروي قصة استشهاد والدتها (38 سنة) فتقول: "فجأة وسط الزحام والدربكة التي عشناها يوم جمعة الغضب (28 يناير)، سمعنا أصوات إطلاق نار من جهة القسم الموجود أمام المنزل مباشرةً، حوالي الساعة 8 مساءً، فنزلنا للبحث عن والدي لإبعاده عن إطلاق النار، واصطحبناه إلى المنزل، ثم فوجئنا بدخول عدد من القنابل المسيلة للدموع إلى الصالة فأصيبت أختي فرح باختناق، وخرجنا جميعًا إلى السطح هربًا من دخانها".
وتضيف: يطل سطح البيت على قسم شرطة بولاق مباشرةً، وبينما نحن في السطح شاهدنا الضباط والعساكر بالقسم يقفون على سطح القسم أمامنا، ويطلقون النار على كل من يمر أمام القسم، وحتى أعلى كوبري بولاق الدكرور، حتى صرخت أمي عندما رأتهم يقتلون جارنا (عمرو)، وقالت: "حرام عليكم.. موَّتوه ليه؟!"، وكان واقفًا يشاهد ما يحدث على الكوبري، وحاولت الاستغاثة بمن في الشارع لنقله إلى المستشفى، وردَّ عليها الضابط بوابل من الشتائم والسباب.
وتكمل عبير: وكانت تلك آخر كلمات تنطق بها، فقبل أن تستدير لتجلس على كرسي خلفها، اخترقت رصاصة ذراعها وسقطت على الأرض، لكن لم نرَ نقطة دم واحدة تنزل منها، فأعطينا لها بعض الماء، فرأينا الدماء تخرج من فمها، فنقلناها فورًا إلى مستشفى بولاق الذي لم نجد به طبيبًا واحدًا، وظلت أمي هناك يومين كاملين، لم يخرج أحد الرصاص من جسدها، ثم فارقت الحياة في اليوم الثالث".
مساومة
وقاطعها أخوها الصغير بلال قائلاً: "الطبيب ذكر أن سبب الوفاة في شهادة الوفاة هو هبوط حاد في الدورة الدموية"، وبعدما رفعنا قضية واتهمنا فيها رئيس مباحث قسم بولاق "هاني الشعراوي" بالقتل العمد، أمر النائب العام باستخراج الجثة وإعادة تشريحها، بعد 21 يومًا، وكانت الجثة سليمة ولم تتغير، فأكد تقرير الطبيب الشرعي أن الوفاة سببها الإصابة برصاصة (9 مللي) من مسدس، دخلت من الذراع ثم اخترقت الرئة والقلب واستقرت في البطن، وبذلك تعتبر الرصاصة إحدى الأدلة ضد رئيس المباحث نفسه؛ لأنه الوحيد يومها الذي كان يستخدم مسدسه، وبقية من حوله من ضباط وعساكر كانوا يقتلون المتظاهرين بالبنادق والرشاشات.
![]() |
|
الشهيدة مهير خليل |
ويقول: "الكثيرون حضروا إلى منزلنا في محاولة للتفاوض مع والدي وإجباره على التنازل عن القضية المرفوعة ضد رئيس المباحث، مقابل مبالغ مالية بدأت من 20 ألف جنيه، ووصلت إلى نصف مليون، سواء من طرف رئيس المباحث- أقاربه وأصدقائه- أو عضو مجلس الشعب السابق عن الحزب الوطني المنحل (العدوي)؛ الذي ساعده رئيس المباحث على النجاح في الدورة البرلمانية الماضية بالتزوير والضغط على الأهالي، وثبتنا على موقفنا، بالرغم من تنازل عدد من المشتكين معنا في نفس القضية، وكان نتيجة ذلك التهديدات بالإيذاء التي توالت على والدي، وآخرها قبل الجلسة بيومين، وقال أحدهم له بشكل مباشر: "توقع مني أي حاجة"!.
ويضيف: "سنحضر جميعًا جلسة المحاكمة القادمة بصفتنا شهودًا على واقعة قتل أمنا، ولن نشعر بالراحة إلا بعد رؤية قاتل والدتي في حبل المشنقة، خاصةً أنه ما زال يمارس عمله طليقًا بعد نقله إلى منصب آخر بمديرية أمن الجيزة".
القنابل في المنزل
وحول التعويضات التي أعلنت عنها الحكومة لأهالي الشهداء يؤكد أنهم لم يحصلوا سوى على المعاش الذي أقرته وزارة التضامن الاجتماعي (1500 جنيه)، كما حصلنا على هدية 3 آلاف جنيه من جماعة الإخوان في حفل تكريم شهداء "أبوقتادة".
وأخرج بلال بعض القنابل المسيلة للدموع التي أُلقيت داخل منزلهم يوم 28 يناير، موضحًا أنهم يحتفظون بها حتى تكون قرينة في المحكمة.
عريس المستقبل
وفي منزلها الذي يبعد عدة شوارع عن بيت بلال قابلتنا "منى حسن" والدة الشهيد عمرو محمد حامد، في ملابسها السوداء ونظرتها الحزينة، تروي قصة استشهاد ولدها قائلةً: "عمرو ابني الصغير لم يكمل الـ23 سنة، يعمل في شركة بترول، بعد عصر يوم 28 يناير ذهب إلى منزل خطيبته للاتفاق على بعض ترتيبات فرحه الذي كان سيتم قريبًا، وأثناء عودته بعد المغرب وقف على كوبري بولاق ليسجل من خلال "موبايله" مشاهد اعتداء الشرطة على المتظاهرين، وأثناء وقوفه أصابته رصاصة في رأسه فسقط على الأرض ولم يشعر به أحد ممن حوله؛ حيث اعتقدوا أنه مختبئٌ من الرصاص، حتى شاهده أحد أصدقائه ملقى على ظهره ينزف، فنقلوه سريعًا إلى مستشفى 6 أكتوبر ببولاق، فأجرى الطبيب عملية له في رأسه، ولكن لأن الرصاصة نفذت من الأمام إلى الخلف، فلم تفلح الغرز في مقدمة الرأس وخلفها في إنقاذه؛ لأن الرصاصة كانت قد اخترقت الشريان المغذي للمخ، فقاموا بنقله في سيارة الاسعاف إلى القصر العيني".
وتستطرد: "جاء مجموعة من أصدقائه، وأبلغوا عمه الذي يسكن في الطابق الأول من المنزل، فذهب إلى المستشفى دون أن يخبرنا بما حدث لـ"عمرو"، وفي القصر العيني أجروا له أشعة على المخ، وعندما وصل عمه أمسك بيده بشدة ليؤكد أنه ما زال حيًّا، ولكن بعدها فارق الحياة، وحينها أراد أن يضعه في المشرحة، ورفض إخراجه في البداية، حتى ينتظر دوره في التشريح والكشف الطبي لبيان سبب الوفاة في الشهادة، لكن "عمه" ألحَّ عليه كثيرًا ليوافق على خروج الجثة ودفنها؛ بسبب مشهد مئات الجثث الذي رآها متراصةً فوق بعضها في مشرحة القصر العيني؛ ليعود به إلى المنزل، وتم دفنه في صباح اليوم التالي".
وتضيف: ومع إصرارنا على دفنه في أسرع وقت، وافقنا على استخراج شهادة الوفاة تحت سبب آخر غير الإصابة "بطلق ناري في الرأس"، وهو "سقوط على الرأس من أثر التدافع في المظاهرات، أدي إلى نزيف في المخ".
![]() |
|
أم عمرو تروي قصة استشهاده |
وتقول- ودموعها تنهمر من عينيها-: "عمرو هو ابني الوحيد وليس له سوى أخت واحدة، حتى إنه كان مدللاً لدينا كثيرًا، ليس لأنه الوحيد فقط، بل لخلقه الطيب المهذب، ولكن ما أسعدني قليلاً قول أصدقائه إنه ردد الشهادة 3 مرات قبل وفاته مباشرة، ولم أكن أتخيل يومًا انعكاس الوضع، وأن أمشي في جنازته بدلاً من أن يدفنني هو".
وتكمل: "من حوالي شهر فقط قررنا رفع قضية به ضد الضابط الذي قتله والعاملين بالقسم، وحبيب العادلي، خاصةً أن هناك عددًا من شهود العيان على مقتله، فعدنا لاستخراج أوراق سليمة من "القصر العيني" بأن السبب هو طلق ناري في المخ.
وتدافع عبراتها وتقول: "لن نتنازل أبدًا عن حقنا في القصاص له ممن قتلوه"، مستنكرة موقف من تنازلوا عن القصاص لأبنائهم مقابل حفنة من المال، قائلةً: "كيف لإنسان أن يغمس لقمته بدماء ولده".


