بعض، "وليس كل" المطالبين بـ"الدستور أولاً" قبل الانتخابات، ينقسمون إلى قسمين: قسمٍ يقول: إن الدستور أولاً لا يتعارض مع نتيجة الاستفتاء، ولا يتناقض مع الديمقراطية، ولا ينقلب علي رأي الأغلبية، ولا يلتفُّ حول إرادة الشعب.
أما القسم الثاني فكان أكثرَ صراحةً، إذْ اعترفَ بأن هذا المطلب يناقِضُ تمامًا نتيجة الاستفتاء، ولكنه لَجأَ إلى تبريراتٍ متنوعة، منها أن "الأغلبية ليست دائمًا على حق"، "الدستور يجب أن تضعه لجنة ليست منتخبةً من الشعب"، "الديمقراطية هي أغلبية رأي النخبة"، "إذا جاءت الانتخابات أولاً فسوف نرى أيامًا سوداء"، "للديمقراطية جُرعاتٌ وتوقيتات"، "لو أُعيد الاستفتاء الآن فسوف تأتي النتيجة بـ لا"، "الاستفتاء شابَهُ البطلان نتيجة التغرير بالشعب".. إلى آخر هذه الابتكارات.
وبالنسبة للقسم الأول ففي نص التعديلات التي عُرضت للاستفتاء ووافق الشعب عليها في المادة 189: أن يتم إصدار دستور جديد عن طريق جمعية تأسيسية من مائة عضو، تنتخبهم أغلبية أعضاء المجلسين غير المعينين في أول مجلسي شعب وشورى تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء على هذا التعديل.. فهل يحتمل هذا النص أي تأويل بأن يكون الدستور أولاً؟!!
أما بالنسبة للقسم الثاني، فهناك سؤالٌ بسيطٌ لحضراتهم، تُجيب عليه ضمائرُهم: ماذا لو كان الأمر بالعكس.. أي قالت الأغلبية: "لا" التي يريدونها، ثم ظهر مَن يشكك في هذه الأغلبية، ويريد أن تسيرَ الأمور قسرًا في عكس اتجاه النتيجة؟
ثم سؤالٌ آخر للقسمين: ألم يكن الشعب كله فرِحًا بعرس الاستفتاء ورددنا معه حيث جاء مواكبًا لعيد الأم:
"نعمٌ " و"لا" قد شارَكا بِوَفــاءِ في عُرْسِ مصرَ بِيوْمِ الاستفتــاءِ
ف فكلاهما يبغي الدساتيرَ العُلَـــى لكنْ هناك الفرقُ في الإجــــراءِ
ومع اختلافِ الرأيِ يبقي وُدُّنـــا أصلاً يوحــــــد صفنا بإخــاء
مصرُ العظيمةُ قد عَلَتْ وتفوَّقــتْ مِن بعد ثورةِ شعبها الغــــــرَّاءِ
ما ضرَّها مَن فازَ في استفتائِهـــا "نعمٌ" و"لا" في العُـرْسِ كالشـركاءِ
الفوزُ جاء لأهل مصرَ جميعِهـــم واليوم عيدُ الأمِّ والأبنــــــــاءِ
وردَّد كلا الفريقين أننا نرضى برأي الشعب حتى لو خالف رأينا..، ثم كانت فترة من الهدوء قرابة الشهرين، ثم فجأةً وفي توقيتٍ واحدٍ سمعنا نغمةً تواصى بها الكثيرون من "النخبة" في صوت واحد: الدستور أولاً، فلماذا الرضا في البداية ثم الكمون شهرين ثم الانطلاق بهذه النغمة في توقيت واحد؟!
إنني أدعو كلَّ مُتَخَوِّفٍ من نتيجةِ الاستفتاء، غيورٍ على صالح مصر، ألا يغالب رأيَ الأغلبية، فهو الضامن لتعديل البوصلة دائمًا، حتى لو ظنها قد تجنح حينًا عن الجادة، فلا شيء أضمن لسرعة تعديلها مرةً أخرى من احترام رأي الأغلبية علي كل حال، فالأغلبية في هذا الشعب الطيب لن تستقرَّ إلا على الخير بإذن الله.
---------