تخيل نفسك وأنت في حديقة مليئة بالزهور والأشجار الزاهية وتنفتح روحك فيها؛ لما تسمعه من أنغام زقزقة العصافير أو غنائها، وحفيف جداول المياه وخريرها، ونسيم هوائها العليل وحركته.
ولأن راحة الإنسان تأتي من إحساسه بقيمة وحياة ما حوله من أشياء حتى ولو لم يشعر بروحها، ويتفاعل معها بطبيعته، فيكون له من هذا الاستجمام نصيب العافية من السقم، والشفاء من الداء.
كانت هذه البداية لتوضيح أن نفس الإنسان السوية فطرت على سماع الصوت الجميل، وتأنف من كلِّ نشاز وغناء بعيد عن جمال اللحن والصوت والكلمات.
وكان لسيدنا داود السبق في هذا المجال... حاول أن تتخيل هذا الشكل الأوبرالي الكبير الذي يصفه القرآن الكريم في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا داود مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ).
الآية الكريمة بها معانٍ عديدة أهمها:
1- إن نعمة الصوت الجميل فضل من الله، فكيف تستخدمها فيما يغضب الله عز وجل؟
2- تخيل أن هذا الصوت الجميل قد جعل الكون كله منسجمًا في مقطوعة غاية في الجمال تسبِّح لخالق هذا الكون، فكان سيدنا داود يقرأ والجبال والطير كانت بمثابة الكورال لسيدنا داود.
3- كان ترديد الجبال والطيور مع سيدنا داود بمثابة صدى الصوت(echo)، وهو مصطلح يُستخدم في هندسة الصوت، الذي يضفي على الصوت جمالاً وصفاءً.
4- ويستمر إبداع هذا الصوت وجماله حتى إنه من قوة تأثيره يجعل الحديد يلين في يد صاحب هذا الصوت، وإن كانت هذه معجزة من الله عزَّ وجلَّ لسيدنا داود إلا أن هذا الأمر له دلالة قوية على أن الصوت الندي الذي يمتاز بالقوة والتأثير والصفاء يحرِّك كلَّ شيء حتى الجماد والحديد عند سماعه.
ويؤكد النبي، صلى الله عليه وسلم، على انفراد سيدنا داود بطبيعة صوت نادر قد وصفه، صلى الله عليه وسلم في حديثه لأبي موسى: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
ومن الشبهات التي نسمعها الآن مشكلة الغناء والموسيقى بين قوم حرَّموا كلَّ أنواع الموسيقى والغناء، وقوم استغلوا تأثير الغناء والموسيقى في التأثير في عقول وقلوب الناس، وفي تخريب الذوق العام للأسف الشديد.
وبين هؤلاء وهؤلاء نرجع بالتاريخ لنشأة الموسيقى، ولنفس الآية الكريمة، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث يدل الأمر على أن الأصوات ما هي إلا أصوات طبيعية في الأصل، فما من حيوان أو طير أو أي مخلوق بشري إلا وله صوت مميز، وبناء عليه تمَّ اختراع تلك الآلات الموسيقية كنموذج لصوت الحيوانات، كأمثال الكروان والهدهد والبلابل، وغيرها من الطيور والحيوانات.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لسيدنا أبي موسى الأشعري: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) ولو كانت هذه الآلة من المحرمات ما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكرها كدليل على جمال صوت الصحابي الجليل وهو يرتل القرآن.ومع الرجوع إلى هذه النشأة نرى أن من اخترع
بداية الموسيقى كعلم هم المسلمون، فمع العالم المسلم الكبير أبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي تتضح الصورة؛ حيث إنه قد كتب أكبر موسوعة تتحدث عن علم الموسيقى، وقد جمعها في كتابه الشهير (الموسيقى).
قد يقول قائل مثلاً: إن هذا الرجل لم يكن مؤمنًا ملتزمًا أو مسلمًا عارفًا بدينه إلا أنه كان مشهورًا أنه فيلسوف مسلم أتقن العلوم الحكمية، وبرع في العلوم الرياضية، زكي النفس، قوي الذكاء، متجنبًا عن الدنيا، مقتنعًا منها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكانت له قوة في صناعة الطب وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها.
فالمشكلة الكبيرة الآن هي الاستخدام الصحيح، وإلا ما كان قد قام الفارابي كعالم مسلم بكتابة الموسوعة الخاصة بعلم الموسيقى.
ويعد كتاب الموسيقى الكبير هو المرجع الأساسي لكلِّ صنَّاع الموسيقى في الغرب والشرق، ولكن لو علم الفارابي أن حال الغناء قد وصل إلى هذه الحالة السيئة ما كان قد كتب هذا الكتاب؛ حتى لا يحدث فسادًا للعقول والقلوب، التي نرى أثرها واضحًا في هذه الأيام التي نعيشها، فيعد بذلك الفارابي أول مَن عزف على مزامير آل داود.
وبعد هذا العرض يتضح لنا أن الإسلام كدين ليس ضد الموسيقى كأصوات بشرية وطبيعية، هي في الأصل فطرة الإنسان، ولكن ومع نسيان هذه الهوية، وانقياد العرب والشرق وراء حضارة الغرب التي اعتمدت على المادة، وأغفلت الفطرة الإنسانية السليمة ظهرت أشكال الموسيقى التي أفسدت وجعلت الشهوة والغرائز هي الغاية والهدف.
أخيرًا كلامي هذا ليس دعوة جديدة، ولكن ما هو إلا الرجوع إلى حضارة الإسلام التي بهرت العالم، وأضافت إليه في كلِّ جوانب الحياة، وعلى أصحاب الفن الراقي الذين يريدون فنًّا يبني ولا يهدم أن يتقدموا ويبرزوا للعالم أجمع كيف كانت حضارة الإسلام- برقيِّها وجمالها- حضارة العالم الأولى.