في دورات التاريخ تمرُّ الأمم بكبوات ونكبات، فتحاول الشعوب جاهدةً أن تنهض من كبوتها ونكبتها، فنرى على الساحات دائمًا الطبقات النخبوية التي تجلس خلف مكاتبها، وتظل تنظّر وتنظّر، وهي في الغالب تمتلك من وسائل الإعلام الكثير، ولكن دون جدوى، وبخاصةٍ عندما ينظِّرون تجدهم يوهمونك بأنهم أعلم بأحوال شعوبهم- أوافقهم على هذا نظريًّا- ولكن في حقيقة الأمر نجدهم مقطوعي الصلة بهم، وحتى يصدق ذلك لا تراهم يتقدمون شعوبهم في المطالبة بحقوقهم إلا بحناجر جوفاء، وفجأةً تجدهم في مؤخرة الصفوف عندما تهب الشعوب لتخرج من كبوتها، فيرجع المنظِّرون ليجلسوا في الفضائيات وفي صحفهم ليحلِّلوا ويحلِّلوا ولا نرى بالكاد من يضحِّي بماله ونفسه من أجل وطنه ومستقبله إلا النزر اليسير منهم.
وفي غمار الأزمات يخرج من رحمها رجال، وكأنهم على موعد مع القدر، لم يجلسوا في مكاتبهم، ولكن من قلب الشارع، ومن وسط معاناة وصيحات الضعفاء.
وفي المشهد نرى ثلاثة من هؤلاء الرجال من اللافت للنظر أنهم اشتركوا جميعًا في الاسم وهو- الطيب- وهم رجب طيب أردوغان، وطارق الطيب محمد البوعزيزي، والشيخ أحمد الطيب، وأظن أن لهم حظًّا من اسمهم.
فعلى مستوى القطر الواحد يخرج الطيب أردوغان من قاع الريف لينقذ بلده تركيا بعد أن كادت تعلن إفلاسها ويجعلها في مصاف الدول المنتجة، فمثلاً كان معدل دخل الفرد سنويًّا في عام 2003م هو 2300 دولار فارتفع إلى 11500 دولار في عام 2010م، وارتفع الناتج القومي بنسبة الثلث، وانخفض معدل التضخم من 70% في عام 2001م ليصل إلى 10% في عام 2010م، وبلغت الصادرات التركية 141 مليار دولار في عام 2010م بدلاً من 37 مليار دولار في عام 2001م، فدبت الحيوية والنشاط في المجتمع التركي على كلِّ المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وننتظر المزيد.
وعلى المستوى الإقليمي يخرج طيب آخر لينفخ روح الثورة ويُشعل فتيلها في صدور الشعوب العربية فتستجيب له بعد أن أصابتها حالة مزرية من اليأس في الإصلاح والتغيير والتحرر من حكامها المستبدين، لم يتخيل الطيب البوعزيزي أنه سيكون له الفضل الأول- بعد الله تعالى- في إحياء هذه الروح في الشعوب العربية، وكانت كلمة "ارحل" التي قالتها له الشرطية التونسية المتغطرسة فادية حمدي بعد أن صفعته على وجهه أمام زملائه في سوق الخضار والفاكهة هي شعار كل الشعوب البائسة والمغلوبة على أمرها في وجه حكامهم "ارحل- ارحل- ارحل"، وبهذا الشعار رأينا تيجانًا تتهاوى وعروشًا تسقط وتذهب إلى مزبلة التاريخ.
وبعيدًا عن نظرية المؤامرة في أن الدوائر الغربية هي التي صاغت هذا الشعار، أقول: إن شعار "ارحل" نبت في أرض عربية خالصة، وحقوق الطبع محفوظة ومكتوبة بدماء الشهداء العرب البواسل، رغم محاولة البعض من الذين تربوا في أحضان الغرب أن يخطفوا هذا الشعار، ورأيناهم في احتفالية كبيرة على الفضائيات مع هيلاري كلينتون بعد أن تلقوا تدريبات في أماكن عدة برعاية من بعض المنظمات المشبوهة، وتراهم يفتخرون بذلك، فأين حمرة الخجل؟
وأما على المستوى العالمي نرى الطيب الثالث، وهو الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، ومحاولاته الجاهدة في وضع الأزهر وعلمائه في المكان الطبيعي والريادي لنشر الإسلام الوسطي في ربوع الدنيا، بعد أن تآمر عليه حكام الداخل والخارج في إقصائه عن شئون الحياة، فمنذ أن أدار محمد علي ظهره للأزهر وأنشأ التعليم المدني لتنهض الأمة، فكان من الواجب أن يعطيه الاهتمام اللازم له لأنه في الأصل يمثل هوية الأمة، وبخاصة أن الاستعمار حتى الآن يرى في الأزهر العقبة الكأداء التي تقف في وجهه، فسار حكام مصر على خطى محمد علي حتى جاء حكم عبد الناصر، فقام بمصادرة أوقاف الأزهر، وأجرى رواتب الأزهريين من خزينة الدولة، فذهبت استقلالية الأزهر، وبعد أن كان حرًّا في آرائه في مواجهة الحكام المستبدين صار خاضعًا لأهواء الحكام إلا مَن رحم ربي، فشرع الشيخ الطيب في وضع لوائح جديدة تنظم انتخاب شيخ الأزهر بعد أن كان التعيين بمعرفة رئيس الجمهورية، وأحيا دور جبهة علماء الأزهر؛ ليكونوا الملاذ للأمة عندما تنزل بها النوازل.