- د. رشاد عبده: الاقتراض لأغراض غير تنموية يزيد من فاتورة الدين

- د. عبد الله شحاتة: نرفض سياسة الدعم الخارجي والتحكم في قرارنا

- د. سامر سليمان: الثورات ستغير سياسات البنك الدولي في القروض

- عبد الحافظ الصاوي: ترشيد الإنفاق الحكومي وسيلة سريعة لسد العجز

تحقيق: الزهراء عامر

 

جاء خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بإلغاء مليار دولار من ديون مصر الخارجية وإقراضها مليارًا آخر؛ ليطرح التساؤل من جديد عن خطورة الديون الخارجية والداخلية على الاقتصاد المصري الذي تركه نظام مبارك في حالة لا يرثى لها، وقد استبق خطاب أوباما تأكيدات لعدد من الخبراء أن مصر دخلت خطواتٍ متقدمةً للاستدانة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ بما يمثل من 5 إلى 6 من حجم الناتج القومي.

 

وهو ما دفعنا إلى الخبراء الذين حذروا من العودة للاستدانة مرةً أخري، خاصةً أن ذلك من شأنه أن يرفع مديونية مصر إلى أكثر من ثلث الدخل تقريبًا، وهو ما يعني أن الحكومة الحالية ستسلم الخزانة خاوية إلى الحكومة التي ستأتي بعدها.

 

وأكدوا أنه رغم خطورة الوضع الاقتصادي لمصر حاليًّا فإن هناك بارقة أمل من الممكن أن تتحقق إذا ما عادت عجلة الإنتاج والأمن، وساد المجتمع الاستقرار، وانتهت المظاهرات الفئوية.

 

وكانت مصر قد تقدمت رسميًّا بطلب للحصول على قروض تبلغ قيمتها من 3 إلى 4 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي وحوالي 2.2 مليار دولار مع البنك الدولي، وكان صندوق النقد قد ذكر قبل 10 أيام أن مصر تحتاج إلى تمويل قيمته من 10 إلى 12 مليار دولار للفترة التي تصل حتى يونيو 2012م؛ لدعم انتقالها الديمقراطي وإنعاش اقتصادها.

 

وخلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، تراجعت احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي من 36 إلى 28 مليار دولار؛ الأمر الذي يعني أنه خرج من مصر خلال تلك الفترة ما يزيد على 8 مليارات دولار، تمثل 22٪ من احتياطي البنك المركزي في شهر ديسمبر الماضي.

 

وتشير التقارير إلى أن السحب الأكبر من الاحتياطي تم بعد انتصار ثورة 25 يناير، وأن أعلى نسبة كانت في شهر مارس الذي تم فيه سحب أكثر من 3.4 مليارات دولار في شهر مارس، والمرجَّح أن يكون كل ذلك الانكماش له صلة بتهريب الأموال التي استولى عليها رموز النظام السابق.

 

 الصورة غير متاحة

د. رشاد عبده

بدايةً يرفض رشاد عبده، أستاذ التمويل الدولي بجامعة القاهرة، اللجوء إلى الاقتراض من الخارج لسد عجز الموازنة؛ لأن اللجوء إلى الاستدانة من الخارج يكون آخر الحلول في حال عجز الدولة عن توفير الموارد لتلبية الاحتياجات؛ إلا إذا كانت الحكومة ستقترضها لعمل مشروعات تنموية، لها إنتاج تقوم بتصديره ليدرَّ العملة الصعبة لسداد قيمة الدين، مضيفًا أنه إذا كانت عملية الاقتراض لأغراض غير تنموية، فهي بالتالي تزيد من قيمة المديونية، وفاتورة الدين التي ستعاني الأجيال القادمة في سدادها.

 

وينبه إلى أن سياسة الاقتراض التي يتبعها وزير المالية الحالي، رغم عدم وجود بدائل لديه، يجب أن يقابلها خطط لسداد ما تبغي الدولة اقتراضه؛ حتى لا تتفاقم الأزمة ونسير على درب النظام السابق.

 

ويطالب بضرورة تحسين البيئة التشريعية للاستثمار، وعدم الاعتماد على سياسات مالية فاسدة أرساها النظام السابق وضرورة الاستعانة بخبرات معروف عنها الكفاءة والنزاهة للمساهمة في وضع خطط تأخذ بيد الاقتصاد المصري من كبوته.

 

ويبين أنه نظرًا لأن الاقتصاد المصري يشهد حالةً من التراجع في إيرادات العملة الأجنبية؛ بسبب عدم الاستقرار والانفلات الأمني؛ الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض مورد السياحة الذي كان يدر على مصر نحو 12.8 مليار دولار سنويًّا، وأصبحت طاقة عمل السياحة حاليًّا لا تتجاوز 22% من ناحية، وانخفاض قيمة التصدير من 19 مليار دولار إلى 9 مليارات بعد توقف عجلة الإنتاج؛ نظرًا للإضرابات الفئوية، وعدم رغبة الناس في العمل من جهة أخرى، فضلاً عن قلة الاستثمارات، وعودة 650 ألف شخص من العمالة المصرية بالخارج؛ فإنه في ظل هذه الأوضاع يصبح الاقتراض الحل السهل حتى يتم تحسين الأوضاع الأمنية وتعود السياحة مرةً أخرى.

 

ويشير إلى أنه لا فرق بين أن تقترض الدولة من البنك الدولي أو بنك أخرى، بل على العكس البنك الدولي أفضل؛ لأن البنك الدولي يعطي ميزات لا توجد في بنك آخر، مثل أن الفائدة التي لا تتعدَّى 1% وفترة سماح من سنتين إلى 5 سنين، وفترة السداد من 13 سنة إلى 18 سنة وهذه الميزة لا توجد في أي بنك آخر.

 

ويلفت النظر إلى أنه يجب أن يكون هناك إصلاح اقتصادي شامل من قوانين وتشريعات ولوائح أجور وحد أدنى وأعلى للأجور، مبنيٌّ على العدالة الاجتماعية، كما يجب التركيز على استعادة مكانة مصر السياحية ووجود خطط لمواجهة العمالة المصرية العائدة من بعض الدول، مثل ليبيا والتي ستشكِّل عبئًا على البطالة مستقبلاً.

 

وينصح بضرورة السعي جديًّا لجذب استثمارات جديدة وبعثت تطمينات للاستثمارات الموجودة فعليًّا والعمل أيضًا على إقامة مشروعات عملاقة كثيفة الإنتاج والعمالة، ملتمسًا العذر للمجلس العسكري والحكومة المصرية في اتخاذ بعض القرارات لإرضاء الرأي العام والشباب.

 

الخزينة خاوية

ويوضح سامر سليمان، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية، أنه نظرًا لعمليات النهب المتتالية التي شهدتها الخزينة العامة للدولة وتهريب رءوس الأموال إلي خارج مصر؛ أصبحت الخزينة العامة خاوية، وبالتالي فالحكومة الحالية تحتاج لمثل هذه القروض على المدى القصير لسد احتياجات الدولة؛ لان تركة الفساد والنهب التي تركها النظام السابق ثقيلة جدًّا على الحكومة الحالية.

 

ويوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الحكومة الانتقالية حكومة ضعيفة وقدراتها محدودة، ولم تستطع أن تتعامل مع التطورات بشيء من الحسم والقوة، موضحًا أنه على الرغم من أن رئيس الوزراء د. عصام أقسم يمين الوزارة في ميدان التحرير وسط الثوار، فإن السلطة الانتقالية جزء من النظام القديم.

 

ويضيف أنه لكي تتطهر مؤسسات الدولة ويتم مواجهة الفساد، لا بد أن تكون هناك حكومة جديدة للبلاد منتخبة وليست انتقالية، مطالبًا الحكومة القادمة بمصارحة الشعب بوضع الاقتصاد ولا تعده بشيء لا تستطيع الموازنة تلبيته حتى يعيش الشعب حال البلد لحظة بلحظة ولا يطالبها بما لا تطيق.

 

ويشير إلى أن الفكر التنموي للبنك الدولي وسياسة الصندوق القائمة على الإملاءات والأجندات التي يمليها على الدولة المقرضة، ستتغير بعد عهد الثورات في التعامل مع الشعوب الأكثر تحررًا ومن الصعب أن تفرض على هذه الشعوب أمرًا لا تريدها كما كان يفعل من قبل مع الأنظمة الديكتاتورية التي تفعل أي شيء من أجل بقائها.

 

ويشدد على ضرورة أن يتم إعادة صياغة اقتصاديات الدولة، بجانب أن تقوم الحكومة الحالية بتأمين إيرادات الدولة الغير متعرضة لتقلبات مثل الضرائب، فضلاً عن ضبط الإنفاق الحكومي.

 

الاكتتاب العام

ويتفق د. عبد الله شحاتة، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس وعضو المجالس القومية المتخصصة، مع سابقيه، رافضًا سياسة الدعم الخارجي؛ لأن المصريين بعد نجاح الثورة المصرية سيعتمدون على أنفسهم، ولسنا في حاجة لأي دعم خارجي قائم على الإملاءات؛ لأنه لا أحد سيتحكم فينا مرة أخرى.

 

ويوضح أنه نظرًا لانخفاض عوائد العمل وحاجة الدولة إلى رصيد من المال، من الممكن أن يتم استغلال الأموال التي نهبت من مصر بواسطة رئيس الدولة السابق وبطانته وتم تهريبها للخارج للإفادة منها في سد عجز الموازنة، بجانب الدعوة للاكتتاب العام من أجل سد ديون مصر وعجز الموازنة.

 

ويضيف أن الممكن المتاح حاليًّا هو الاقتراض لأجل غير مسمى، متوقعًا أن يتم تسديد هذه الديون قريبًا، من خلال نتائج جهاز الكسب غير المشروع، ومن خلال زيادة الاستثمارات وإقبال المواطنين على العمل، مؤكدًا أن القروض الآن غير القروض قبل الثورة التي كان يتم استثمارها لمصلحة بعض الأشخاص وبيع هذه الديون لمصلحة أشخاص.

 

ويشير إلى أن موافقة البنك الدولي إعطاء مصر أموال لسد العجز شهادة بأن مصر قادرة على تسديد هذه الديون، وهو في نفس الوقت تقدير للثورة المصرية وما حققته لمصر من استقرار وأمان وديمقراطية.

 

ويعتبر رفض اختراق مصر من الخارج دعوةً صريحةً للضرب على أيدي الثورة المضادة، ودعوة لأن يكون شعار مصر الآن زيادة طاقة ساعات العمل لمزيد من الإنتاج، وإغلاق باب إهدار المال العام ومحاسبة أصحاب الثورة المضادة على الأموال التي حصلوا عليها، موضحًا أن الدعوة للتقشف تطبق عندما يكون هناك عصر رخاء وإسراف، أمام مرحلة أزمة تحتاج إلى ترشيد الإنفاق وزيادة الإنتاج.

 

تقليص العجز

 الصورة غير متاحة

عبد الحافظ الصاوي

من جانبه يوضح عبد الحافظ الصاوي، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد الحكومي يعاني من فجوة تمويلية منذ أكثر من عامين، وأخذ مؤشر عجز الموازنة في الصعود منذ ذلك الوقت، لم تنتجها الثورة كما يقول البعض؛ حيث يبلغ الدين العام نحو 900 مليار جنيه مصري؛ أي يفوق النسبة العالمية والدين الخارجي نحو 32 مليار دولار أمريكي، وهناك فوائد وأقساط الديون وتسمى بـ"خدمة الدين" نحو 173 مليار جنيه.

 

ويرى أن هناك حلولاً كثيرةً أمام حكومة تيسير الأموال من الممكن أن تلجأ إليها بدلاً من الاقتراض من الخارج، ومنها الاستفادة من الأموال الموجودة في الجهاز المصرفي التي تبحث عن استثمارات وتصل قيمتها لنحو 500 مليار جنيه، فضلاً عن توظيف إمكانيات القطاع الخاص، مطالبًا بضرورة  تفعيل دور القطاع الخاص في النهوض بالاقتصاد، من خلال الدعم الحكومي من خلال توفير البيئة والتشريعات اللازمة لذلك.

 

ويضيف أن على الحكومة أن تعمل على تقليص العجز وإعادة ترتيب أولوليات الإنفاق الحكومي وترشيد الاستهلاك والعمل على زيادة الإيرادات وتقليص الدعوم الاستهلاكية والتركيز على الدعوم الإنتاجية، منتقدًا أن تكون هناك صناديق خاصة حتى الآن خارج سيطرة الحكومة، وأن يكون هناك موظفون ومسئولون ما زالت رواتبهم تصل إلى مليون وأكثر، على الرغم من المرحلة الحرجة التي يمر بها الاقتصاد، وحاجته لكل هذه الأموال، مطالبًا الحكومة بأن تتخلى عن سياسة اليد الرخوة، وأن تتعامل بحسم في فساد المحليات وغيرها.

 

ويوضح أنه لا يمكن التنبؤ بسياسات البنك الدولي، طالما أن الحكومة تقول إن برنامج الاقتراض بدون اشتراطات.