الخبير الاقتصادي د. حافظ منصور يضع روشتة العلاج:

- حملات إعلامية لترشيد استهلاك المواطنين

- اتصالات دولية تحل أزمة العملات الأجنبية

- ضبط السوق وتدخل حكومي لتحديد الأسعار

- وقف استيراد السلع الاستفزازية والترفيهية

 

حوار: يارا نجاتي

هواجس ومخاوف عديدة تراود غالبية المصريين، مع تنامي تحذيرات وشائعات عن نفاد مخزون البلاد الإستراتيجي من السلع الرئيسية، وفيما يرفع أفراد وأجهزة أصواتهم للإعلان عن أزمة غذائية وشيكة، تؤكد هيئة السلع التموينية أن مخزون السلع الأساسية من المواد الغذائية آمن، وأن المخازن بها نحو مليون و400 طن من محصولي الأرز والشعير ومخزون السكر، يكفي حتى سبتمبر القادم، بجانب أن الإنتاج المحلي يكفي لشهور قادمة، غير الصفقات التي تم الاتفاق عليها لتوريد الأرز والسكر من الخارج.

 

(إخوان أون لاين) طرح على الدكتور علي حافظ منصور، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، مخاوف الناس، واستمع إلى اقتراحاته وما يراه من وسائل للحل في الحوار التالي:

 

* هل ترى فعلاً أن مصر مقبلة على أزمة غذاء حقيقية؟

** أزمة الغذاء في مصر قد تحدث إذا لم ننتبه إليها، ونبدأ في تنفيذ حلول فورية لها؛ تمنع تدهور الوضع بشكل سريع، والأمر في أهميته ليس الأخطر؛ فدول متقدمة كثيرة تمرُّ بأزمات اقتصادية كبيرة في الفترات القريبة.

 

ولا يستطيع أحد الجزم أو تأكيد وقوع أزمة غذائية، والتحذيرات الراهنة قائمة على توقعات تدرس الأرقام والحسابات المتاحة لديها، من حجم المخزون المتوفر من السلع في الأسواق والمخازن، بجانب التخوف من انخفاض القدرة على استيراد مواد غذائية جديدة.

 

خطايا النظام المخلوع

* وما معطيات التخوف من أزمة؟

** المشكلة ببساطة ظهرت نتيجةً لاعتماد النظام السابق على استيراد أغلب السلع الغذائية الأساسية من الخارج؛ فتستورد مصر أكثر من 50% من احتياجاتها من الغذاء من الأسواق الخارجية، كالقمح الذي لا يكفي الإنتاج المحلي منه سوى 10% فقط، أما الزيوت النباتية فلا ننتج منها إلا 10% فقط، ونعتمد على الاستيراد لتغطية الاستهلاك المحلي، ونفس الحال في استيراد اللحوم والأسماك والدجاج.

 

وفي الفترة القليلة الماضية بعد ثورة 25 يناير حدث نقص هائل في العملات الأجنبية في الداخل؛ لذلك لم يكن الاستيراد ميسرًا لكفاية الأسواق من احتياجاتها الغذائية.

 

دعاية الترشيد

 * ما الحلول التي تراها مناسبةً للخروج من هذا المأزق؟

 ** الحل يتكون من شقين؛ حيث يلعب فيه المواطن دورًا، جنبًا إلى جنب مع الحكومة؛ فالحكومة مطالبةٌ بأمرين مهمين، والقيام بهما معًا في نفس الوقت؛ أولهما عمل حملات دعاية منظمة تدعو فيها الشعب المصري إلى ترشيد الاستهلاك في مختلف السلع الأساسية التي نستطيع الحصول عليها، من اللحوم والدجاج، والخبز والسكر، وغيرها من السلع، على أن تستخدم في تلك الحملة كل وسائل الدعاية المتوفرة، من الإعلام المرئي والمسموع، والإنترنت، والأهم من ذلك نشر التوعية عن طريق رجال الدين، في المساجد والكنائس، صاحبة التأثير الأكبر في المجتمع.

 

أما الأمر الثاني الذي يقع على عاتق الحكومة، فهو السعي الحثيث للوصول إلى موارد جديدة لتغطية حاجة الشعب المصري من الطعام.

 

* هل هناك طرق محددة أمام الحكومة لاستيراد السلع الغذائية مع نقص العملات الأجنبية؟

** أولاً يمكن تدبير استيراد سلع غذائية من الدول الأجنبية، عن طريق الاتفاق على تسهيلات ائتمانية كبيرة في السداد، أو الدفع المتأخر، على أن تضمن إحدى الدول مصر في ذلك، وهو أمرٌ سهلٌ، يمكن أن تقوم به أي من الدول الأوروبية أو حتى أمريكا نفسها، أو من خلال تقديم الدول العربية لمساعدات لمصر، ونجاح ذلك الأمر سهل؛ فهو على العلاقات والاتصالات بين مصر والدول الأخرى، ويمكن بناؤها بسهولة في هذه المرحلة بعد الثورة؛ حيث تسعى الدول إلى بناء علاقات مع الحكومة المصرية الجديدة لكسب ود الشعب المصري.

 

استنفار المواطن

* وكيف يشارك المواطن العادي غير المسئول في حل الأزمة؟

 ** لا بد من تنظيم استهلاك المصريين للسلع الغذائية المختلفة، خاصةً السلع الأساسية التي نستطيع توفيرها الآن، فنحن لدينا فاقد كبير في استهلاك رغيف الخبز المدعم، فأكثر من نصف الكمية تُستخدم كعلف وطعام للطيور والحيوانات المواشي، فيمكن استخدامها في الطعام فقط، واستبدال المصادر الرئيسية للعلف المتوافر في الأسواق بها، كما أن معدل استهلاك الفرد بمصر في القمح يصل إلى 180 كيلو من القمح سنويًّا، مقارنةً بـ90 كيلو في المعدل العالمي.

 

وأيضًا السكر، ففي الحرب العالمية الثانية تمكنت بريطانيا من الاستغناء عنه بالكامل، وتعوَّدوا على شرب الشاي بدونه، فمصر تستورد أكثر من 8 ملايين طن من السكر سنويًّا، ونفس الحال بالنسبة للحوم، فلن يموت الإنسان بتقليلها واستبدال بعض البروتينات الأخرى بها، بالإضافة إلى ضرورة تغيير المصريين كثيرًا من العادات الاستهلاكية التي ارتبطت بالشعب المصري، كشمِّ النسيم، ورمضان؛ الذي يتضاعف فيه استهلاك الطعام.

 

ياميش!!

* بالحديث عن شهر رمضان.. هل تتوقع حدوث أزمة غذاء فيه؟

 ** نحتاج لمنع ذلك، وترشيد استهلاك المصريين من ياميش رمضان، الذي يكلفنا نحو  4 مليارات جنيه، وكلها سلع غير أساسية، وقد يتضاعف حجم الأزمة إذا أهملنا الترشيد في هذا الشهر، ولذلك لا بد من التخلص من استهلاك هذا الحجم الضخم من الياميش نهائيًّا، وهي أمور لن تؤثر في حياة الإنسان؛ نظرًا لأنها سلع غير رئيسية.

 

مصارحة شعبية

 * من وجهة نظركم ما هي الوسيلة المثلى لإقناع المصريين بترشيد الاستهلاك؟

 ** في رأيي الحل الأمثل هو الصراحة المطلقة، واعتراف الحكومة بشكل واضح للشعب، وشرح ما وصلت إليه الأوضاع الحالية تفصيليًّا، والمتبقي من المخزون الغذائي على أرض الواقع، وما يمكن أن يؤول إليه الوضع في المرحلة المقبلة، بعد عدة أشهر قليلة، والصورة التي قد تتحقق إذا اتبعنا خطة محكمة لاستهلاك المخزون الحالي من الغذاء، ولذلك فإنه يجب على الحكومة عدم إخفاء الحقائق على الشعب، كما فعل النظام السابق؛ تجنبًا لثورة الشعب، واتهامها بأنها حكومة فاشلة، وحتى يساعد المجتمع كله في حل المشكلة.

 

الرسوم والرقابة

 * هل هناك إجراءات أخرى يمكن القيام بها للخروج من هذه الأزمة؟

 ** الحكومة يمكنها القيام بالكثير من الإجراءات، واتخاذ خطوات كبيرة في هذا الصدد، منها إلغاء الرسوم الجمركية على استيراد السلع الأساسية؛ تيسيرًا على الواردات الخاصة بالمستوردين، وكذلك يمكن تقديم تسهيلات بنكية لهم وتيسيرات في السداد، فيما يخص عمليات الاستيراد، وكل ما يوفر إدخال مواد غذائية جديدة إلى مصر في أقرب وقت.

 

* وهل ترى أن هذه التسهيلات كافية لحل المشكلة؟

** من المؤكد أنها غير كافية، ولكن إذا قدَّمت الحكومة تسهيلات إلى رجال الأعمال والقطاع الخاص سيكون لها دور كبير في المساعدة في حل الأزمة؛ ولكنها أيضًا لا يمكن أن تقدِّم التسهيلات، ثم تترك السوق .

 

ولذلك فإنه يجب على الدولة التدخل في هذا الموضوع بتحديد أسعار السلع الغذائية الأساسية، طبقًا لمتوسط دخول المجتمع، وتغييرها لسياستها، وإلغاء سياسات العرض والطلب، فنقص الغذاء يؤدي إلى مجاعة، ورفع الأسعار وفقًا لرغبة التجار أيضًا يؤدي إلى مجاعة.

 

وكذلك لا بد من تحجيم استيراد السلع الكمالية، وتقليل دخولها إلى مصر، التي تُسمى بالسلع الاستفزازية للشعب المصري، فإذا قل العرض منها في السوق المصري، فإننا سوف نتفادى شراءها؛ مما يجعل المواطنين يتوجهون نحو السلع الرئيسية فقط.