لا شك أن مصرنا تعيش ربيعها وأفراحها وأروع أيامها، بعد أن أزاحت الطغاة وأقصت البغاة، وفي السجون أودعت الطواويس، وإلى الجحور قبل القبور آوت أعوان إبليس.
من القلب بل من سويدائه فرحة وبشر وأمل واستشراق للمستقبل من كل أعماق المصريين كان مخاضها أيام الثورة ثم تألَّق نورها وضياؤها يوم الاستفتاء وبعد أن ارتضى الشعب كله الديمقراطية وسيلة مشروعة وعصرية.
ولكن قبيل الاستفتاء بأيام قلائل تم حشد كل الأبواق الإعلامية من مرئي ومسموع ومقروء بشكلٍ لافتٍ للترويج لرفض التعديلات الدستورية وإشاعة (لا).
إذْ لا زالَ معظم المسيطرين على الإعلام- منذ العصر البائد والإعلام الفاسد تجمعهم رؤى معينة- حُسن الظن ينأى بنا عن أن نسميها (مصالح)- فظلت برامج التوك شو وكذلك صحفًا يوميةً واسعةَ الانتشار تروج لـ(لا)، وتنشر في الصفحة الأخيرة في أكثر من ثلاث صحف يومية إعلانات مدفوعة الأجر من لدن بعض رجال الأعمال (هؤلاء قالوا لا) بالاسم والصورة.
وفي يوم الاستفتاء أدخل أصحاب إحدى الديانات إلى الساحات والناخبين منشورات تحمل رمزها الديني مشفوعًا برأيها منسوبًا لدينها.
ثم جاءت نتيجة الاستفتاء عكس رغبتهم، بل إن أربعة أخماس الناخبين قالوها (نعم)، فيأتي أولائك بتعلات وفزاعات يستخرجونها من مخازن الماضي، كان النظام الفاسد يستخدمها تغطيةً لاستبداده في الداخل وتبريرًا لاستمراره مع الخارج.
يتحدثون عن خلط الدين بالسياسة وعن تأثير التوجه الديني وضرورة تحجيم وتقييم ووضع ضوابط وخلافه.. ذات النغمة النشاز من نفس الأسطوانة المليئة بالشروخ.
إلى هؤلاء الذين أدمنوا الحرب بالوكالة عن النظام السابق وتربوا على إذاعة ما يريد واستخدام ذات أدواته.. لهم أقول:-
إن الشعب المصري بلغ رشده وليس بحاجةٍ إلى وصاية أحد أو ادعاء أحد بقلقٍ غير مبرر أثبت ذلك في ثورته وفي استفتائه، والزعم بأن الأثر الديني بالغ عليه زعمٌ، فضلاً عن كذبه، فإن فيه انتقاصًا من قدر هذا الشعب وفهمه ووعيه.
ولكن هذا الشعب بصدق شديد أثبت أنه أزكى وألمع وأوعى وأفهم من نخبة زمان وإعلام هامان.
كما أن هذا الشعب لا يغريه مال ولا يمسح ذهنه ولا يمسخ فكره ادعاء تدين وإنما هو بفطرته يشم الصدوق والوطني ويحس بالمخلصين.. آية ذلك أن هناك ماخورًا من الفساد نخر في عظم مصر كلها حتى بلغ ما فاق كل التخيلات وليس التوقعات والشعب ببصيرته يعلم تمامًا من الفصيل الذي وقف ضد الفساد والمفسدين حتى في أزهى وأقوى فترات جبروتهم وطغيانهم من حاربهم من كشف فسادهم متحملاً الاعتقال والتعذيب والتشريد والمحاكم العسكرية والملاحقة حتى في الوظائف والأرزاق والأعمال ومصادرة الأموال وغلق الشركات والتضييق في كل كبيرةٍ وصغيرة؟
ومن ذا الذي الذي ظلَّ حتى سقوط النظام- بينما هو شكلاً محسوب على المعارضة- يكيل له المديح ويسبح بحمده وهو يتهاوى؟
من قال على الشباب العظيم إبان إرهاصات الثورة (مخه لاسع)، مَن صرَّح في الصحف في أول أيام الثورة أن (حزبه مغلق) القيادات الثيوقراطية التي كانت تؤمن برموز النظام السابق وقياداته وتأمر تابعيها بمناصرته حتى سقوطه؟
مَن الذي قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة دخل في صفقات لإقصاء صحفيين بعينهم عن صحف بعينها وغلق فضائيات معظمها ديني وبارك كل إجراءات القمع والتمهيد للتزوير، ثم جاء ببجاحةٍ يتحدث عن دم الشهداء في ميدان التحرير.
إن شعب مصر فضلاً عن فهمه فإنه صحيح معافي لا يجوز أن نتعامل معه كقاصر نقول إنه يلزم منع هذا أو حظر ذاك، كما أنه لا يجوز أن نُحدد له ما يتعاطاه من الفكر وما لا يتعاطاه؛ لأنه ليس بمريض.. فهو قادرٌ على التعاطي مع كل فكر وكل مذهب ودون روشتة من أحد، من حقه أن يقبل أو يرفض.. يؤيد أو يعارض- لكن دون وصايةٍ ودون ادعاء علم ممن هو أعلم منهم.
إن هذه الفزاعات ذهب زمانها وسقط مستخدموها وبان فحشهم وسوء قصدهم.
كما أن العالم المتقدم كله مليء بالأحزاب الدينية إسلامية ومسيحية ويهودية في شرقه وغربه.. ولم يقل أحد إن تأثيرها سيئ على أي شعبٍ من الشعوب.
إن من يقبل الديمقراطية عليه أن يقبل نتائجها، وأن يعرف الطريق الذي يكسب به أغلبيته.. لا أن يصانع أنظمة فاسدة ثم يعتقد بعد ذلك أنه يملك المؤثرات الإعلامية على الشعوب لتنس سابقة مواقفه.
فالتخوف من إجراء انتخابات قريبة يأتي من أحزاب وقوى لم تكن تتعرض لما يعيق نموها وتقدمها في السنوات السابقة اللهم إلا سياساتها ومواقفها التي كانت بمنأى عن الشعب.
انتبهوا من استعمال الفزاعات فلن تجديكم شيئًا.
وتسابقوا إلى مرضاة الشعب- بعد الله- وكسب ثقته وتأييده بالمواقف والتصرفات لا بالافتعالات والتصريحات.
إن هذه الحملة الممنهجة المدبرة التي تؤكد أن البعضَ، إما أن تأتي النتائج على هواهم وإلا استدعوا قدراتهم الإعلامية في حربها؛ ذلك هو الارتداد بعينه عن الثورة.
ما كنت أرتضي أبدًا أن أعرض لما عرضت له، لولا أن الإحساس الذي تؤيده كل الظواهر بأن أعتقاد البعض أنهم يملكون تسيير الأغلبية باستخدام الصوت العالي لفرض وجهة نظرهم على الأكثرية.. تملؤهم مزاعم أنهم قادرون ومؤهلون لخلق التبريرات لما لا يُبرر.. وذلك ما يلزم التصدى له.. فنحن آمنين على الثورة وقيمها.. واثقين في الشعب المصري.. راضين بما تقول به أكثريته حتى ولو كانت على خلاف رأينا، لكننا نشفق على ادعياء الحكمة والتنظير في زمن صار كل ما في مصر حكيمًا وبصيرًا.
هيا جميعًا يدًا واحدةً وقلبًا واحدًا نبني مصرنا، ويسكن داخلنا عظمة شعبنا وفهمه وأن نكون صرحاء واضحين، فالالتفافات والتبريرات والفزاعات سقط عهدها ولن يعود.
-----------