"من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك؛ ليقلَّ ما تفرح به، ويقل ما تحزن عليه.. إن أردت ألا تعزل، فلا تتول ولاية لا تدوم لك.. إن رغّبتك البدايات، زهدّتك النهايات.. إن دعاك إليها ظاهر؛ نهاك عنها باطن".

 

نويت عدة مرات شرح الحكم العطائية وفق ترتيبها؛ لأني مقتنع أنها مترتبة بعضها على البعض، وهذا ما قمت به أثناء سجني المتكرر، وعقب صلاة الفجر في الزاوية الصغيرة التي أصلى بها، إلا أن الله صرفني عن كتابة هذا الشرح لأني لا أرقى إلى مستوى من شرح الحكم قبلي.

 

إلا أنني عدلت عن ذلك الآن، ولذلك آثرت أن أختار ما أراه مناسبًا لحالي الآن وأعيشه باستمرار في حال تأمل بيني وبين نفسي، وكنت وما أزال أكتب انفعالاً وليس وظيفةً أو أداءً.

 

الحكمة التي أقصدها الآن هي: "إن أردت ألا تعزل، فلا تتول ولاية لا تدوم لك"، إلا أنني رأيت أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما قبلها وهو مقدمات لها، وبما بعدها وهو حكمتها البالغة (بمثابة شرح لها).

 

(ليلة كتابة هذه الكلمات علمت أن حمزة سناء (5 سنوات)، وهو بمثابة حفيد لي بعد وفاة جده سناء أبو زيد أجرى فحوصًا على كبده لوجود ورم به، وأصبحنا جميعًا مشغولين بحالته، وأمسينا في حالة حزن وغم؛ بسبب إصابته نبتهل إلى الله تعالى أن يرزقنا وأسرته الصبر الجميل، وأن يلطف به وبنا).

 

وقد دفعني إلى تنفيذ عزمي على شرح تلك الحكم العطائية، خصوصًا مع جو الانفتاح والحرية وما واكبه من تطلعات وأشواق مشروعة؛ إلى القفز سريعًا إلى مواقع تشريعية أو تنفيذية، طلبًا لرضوان الله بإعلان كلمته وتطبيق شريعته.

 

تصلنى على هاتفي وعلى بريدى الإلكتروني رسائل تطالبنا بأن نعدل عن قرارنا بعدم الترشح لمواقع محددة أو الحصول على أغلبية ما، وإلا هؤلاء جميعًا أقول ما قاله ابن عطاء الله:
"إن أردت ألا تعزل، فلا تتول ولاية لا تدوم لك، وإن رغّبتك البدايات زهّدتك النهايات، إن دعاك إليها ظاهر، نهاك عنه باطن".

 

الأهم الآن هو إرساء معالم نظام حر ديمقراطي، وبناء دولة مدنية برلمانية يتعود فيها الشعب على ممارسة حقوقه، والعمل من أجل المصالح العليا للبلاد، وتغليب الهموم الوطنية والقومية على المصالح الحزبية والشخصية.

 

وأقول لهم ما قاله الإمام الشهيد حسن البنا عام 1938م عشية اندلاع الحرب الأوروبية (العالمية) الثانية في المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين:

"أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم، اسمعوها مني عاليةً مدويةً:

إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده.. أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها.. فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخيرٌ له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف؛ فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين، إما النصر والسيادة أو الشهادة والسعادة".

 

وقد نال الشهادة- نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- وخرج من الدنيا دون ولاية لا تدوم، وبقي له الذكر الحسن والثناء الجميل والأجر الذي يتضاعف مع مرور الزمن وتكرار الليل والنهار".

 

وأكمل البنا قوله في عبارة بليغة يحفظها معظم الإخوان؛ ولكنهم قليلاً ما يتدبرون فيها، (ونادرًا ما يطبقونها، إلا أن تدبير الله للإخوان أفضل من تدبيرهم لأنفسهم..).

 

يقول البنا:

"ألجموا نزوات العواطب بنظرات العقول، وأنيروا أشعّة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلاّبة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد.

 

أيها الإخوان المسلمون.. إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه، وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين، ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال، ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد، ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين.

 

على أن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم، ولا إنتاج إلا مع خطتكم، ولا صواب إلا فيما تعملون، فلا تغامروا بجهودكم ولا تقامروا بشعار نجاحكم، واعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم والفوز للعاملين (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٤٣)) (البقرة)". (رسالة المؤتمر الخامس).

 

أيها الأخ المسلم.. أيتها الأخت المسلمة.. المرحلة اليوم هي مرحلة العمل والإنتاج وليست مرحلة الحصاد، اليوم نقدم للمصريين جميعًا دعوتنا دون حواجز ولا قيود، ورؤيتنا لنهضة الأمة كلها، وممارستنا الإسلامية الراقية بأخلاق المؤمنين.

 

وإذا عدنا إلى ابن عطاء فإنه يرشدك إلى ما فيه نفعك؛ فإن رزقك الكفاية فإنه لا يشوشك بالفقد فأنت في ستر وبحبوحةٍ من رزقه، ويمنعك الزيادة فلا يشغلك بما يفرضه عليك وجودها من استثمار وعمل وإنتاج قد تصرف فيه غالب أوقاتك وينشغل به بالك.

 

وكما يقول الشيخ رزوق: "في الكفاف كرامات ثلاث:

- الراحة من التعب جلبًا ودفعًا.

- التفرغ للخدمة قالبًا وقلبًا.

- تحصيل الشكر والصبر في حالة واحدة".

فمن مصائب اتساع الدنيا كثرة الأحزان لذلك نبهك ابن عطاء الله بقوله:

"ليقلَّ ما تفرح به يقلَّ ما تحزن عليه".. يعني: قللّ ما تفرح به ليكون ما تحزن عليه قليلاً.
والعكس صحيح، يكثر ما تفرح به يكثر ما تحزن عليه؛ لأن الحزن بالفقدان على قدر الفرح بالوجدان.

 

لذلك كان أعظم ما يتم به فرح الإنسان السلطة والولاية والوزارة، وكما قال نقيب النقباء الصحفيين المرحوم "كامل زهيري" عن حواره مع أحد أصدقائه الشيوعيين السودانيين بعد توليه الوزارة في عهد نميري عن أكبر متعة في الحياة، هل هي النساء؟ أم المال؟ أم الخمر؟ أم المخدرات؟

 

كان جواب الشيوعي السابق (الوزير آنذاك): "إنها السلطة؛ لأنها تجدد الحياة، وتأتيك بكل ما تقول، ونسي أنها أيضًا أكبر مصيبة عندما يُعزل منها أو عنها الإنسان"، وفي الحديث (.. فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة).

 

وهنا ينبهك ابن عطاء الله السكندري: "إن أردت أن لا تُعزل، فلا تتول ولاية لا تدوم لك".

 

حدثني الشيخ عبد الرشيد صقر- رحمه الله- أنه أثناء وظيفته في مسجد صلاح الدين بالمنيل كإمام وخطيب، حضرت إليه إحدى السيدات لتطلب منه أن يأتي ليتحدث مع زوجها؛ لأنه في حالة نفسية سيئة وفي غاية الاضطراب، وكان وزيرًا عُزِل عن وزارته، وأُقيل من منصبه.

 

يقول الشيخ: "ذهبت إلى المنزل فوجدت الرجل في حجرة الطعام، يدور حول مائدة السفرة، ويحدث نفسه بصوت عالٍ: "ماذا فعلت حتى يعزلوني، لقد كنت خاتمًا في أصبعهم، ولم أخالف لهم أمرًا، ولم أعارض لهم مشيئة".

 

وحاول الشيخ أن يهدِّئ من روعه بلا فائدة، فقد كاد الرجل يفقد عقله بعد أن فقد اتزانه، والشيخ عندي موثوق الرواية.

 

والعزل عن ولايات الدنيا يكون بإحدى ثلاث كما يقول الشيخ زروق:

- إما أن تُعزل عنها بالحياة.. وهي أكبر المصائب.

- أو تذهب عنها بالموت.. وهي أمر لا بد منه.

- أو تكون لك جارية على غير مرادك.. وهي مصيبة حاضرة.

فوجب عليك أن تعزل نفسك قبل أن تُعزل.

 

نصيحة عجيبة ومطلب غريب وسؤال صعب يجيبك عليه الشيخ زروق، وبخاصة عندما تحدثك نفسك أن يوسف الصديق عليه السلام طلب الولاية لنفسه عندما قال: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)) (يوسف).

 

فهل من دلائل وعلامات تسترشد بها في سيرك إلى الله، نعم يقول لك الشيخ رزوق:

وعلامة ذلك ثلاث:

1) ألا تقبلها إلا لأمر تخشاه دينًا أو دنيا بعد الفرار الصادق.

2) أن تلازم فيها الحذر والإشفاق.

3) أن يكون الخروج منها أشهى إليك من الإقامة فيها.

وهذه كلها بينك وبين ربك، أو بينك وبين نفسك.

واستمع إلى ما يقوله لك الشهيد سيد قطب- رحمه الله- عند تناوله لطلب يوسف الصديق الولاية:

"ولم يكن يوسف يطلب لشخصه، وهو يرى إقبال الملك عليه، فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض.. إنما كان حصيفًا في اختيار اللحظة التي يُستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعية الضخمة في أشدّ أوقات الأزمة".

 

أمّا الشبهة (التي لم يردّ عليها الشهيد سيد قطب)، فقد ردّ عليها الإمام شمس الدين أبو عبد الله القرطبي (ت671هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن بقوله: "قال بعض أهل العلم، في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر أو السلطان الكافر، بشرط أن يعلم أن مفوّض اليد في فعلٍ لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما يشاء".

 

"ودلت على جواز أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً، فإن قيل؛ قد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها".

 

وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري عندما جاءه ومعه رجلان من الأشعريين سألاه العمل (أي الولاية) "لن- أو- لا تستعمل على عملنا من أراده" وقد أخرجه مسلم.
فالجواب:

أولاً: أن يوسف طلب الولاية؛ لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم.

 

ثانياً: أنه لم يقل إني حسيب كريم، ولا قال إني جميل مليح.. إنما قال: إني حفيظ عليم. فسألها بالحفظ والعلم.

 

الثالث: إنما قال ذلك عند مَن لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) (النجم: من الآية 32).

 

الرابع: أنه رأى ذلك فرضًا متعينًا عليه؛ لأنه لم يكن هناك غيره، وهو الأظهر، ودلت الآية أيضًا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل. انتهى صـ3549، طبعة دار الغد العربي، المجلد الخامس.

 

بالمقارنة بين ما ذكره الشهيد سيد قطب الذي تشبع بفكرة ظلت تلح عليه في مراجعته الأخيرة للظلال، وبين ما كتبه العلامة الفقيه المفسر القرطبي تجد الأمور واضحة، ولا تحتاج إلى أمر إلا أن ترجع إلى ما قاله لك ابن عطاء الله في حكمته التالية، والتي شرح فيها لماذا لا تتشوف للولايات الدنيوية بقوله:

"إن رغّبتك البدايات زهدتك النهايات، وإن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن".

 

(فدرء المفاسد عند العقلاء أهم من جلب المصالح، فمن زوى الله عنه فضول الدنيا فرضي بذلك وقنع منها باليسير ولم يتطلع إلى زيادة من مالٍ أو جاه، فهو كامل العقل حسن النظر لنفسه؛ لأنه دفع عن نفسه وجود الحزن بتركه لما يفيد حصول الفرح الذي يزول عن قرب، واعتاض من ذلك الراحة الدائمة كما قيل:

ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه                     فلا يتخذ شيئًا يخاف له نقدا

فإن صلاح المرء يرجع كله                         فسادًا إذ الإنسان جاز له الحدّا

 

وكما قيل لبعضهم: لم لا تغتم؟ فقال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده، فالمفروح به هو المحزون عليه، إن قليلاً فقليل، وإن كثيرًا فكثير). قاله أبو عبد الله بن عبّاد النفري الرندي في شرحه للحكم (732 0 712هـ).

 

ومع ذلك كما يقول الشيخ البوطي حفظه الله في شرحه للحكم:

"فليس منا مَن لا يطمع بأن يكرمه الله بالمزيد من نعمه وعطائه، مقرونًا بدوام التوجه إليه وصدق العبودية إليه، والتعالي عن مطارح العتو والطغيان، ولكن اقتران الأمرين شيء عسير، ولن يكون للناس جميعًا كسيدنا سليمان بن داود، ولا كعبد الرحمن بن عوف، ولا كعبد الله بن المبارك.

 

وجلّ ربنا القائل: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)) (يونس).

 

فاللهم أغننا برحمتك، وأشغلنا بنعيمها عن لذةِ ما يتسابق الناس إليه ويتنافسون في سبيله من الدنيا التي يجمعونها، واجعل ما تمتعنا به من الدنيا ثمرة لرحمتك، ولا تجعلها حجابًا يصدنا عن بلوغ رحمتك ويحرمنا من التعرض لها".

 

الحكم العطائية: شرح وتحليل (المجلد الرابع، صـ187).. والله الموفق والمستعان.

----------

عضو مكتب الإرشاد