في الواقع أن ثمة قسطًا ضخمًا من التراث الإسلامي، خاصة المتعلق بأصول الحكم وقيام الدولة وإدارة أركانها، لا يزال حبيس الجدران ولم يُقدر له التداول الحقيقي، وحتى إذا كان معروفًا في بعض الأحيان فإنه لا يزال حتى اليوم لا يخضع إلا لذلك التعامل البدائي الذي يقودنا فقط للسرد التاريخي دون السماح بالمقارنة أو الفهم الحقيقي لدلالة النص، وربط الجانب النظري الفكري بالجانب التطبيقي الميداني.

 

نحن في حاجة ملحة اليوم من علماء الأمة في ظل الهجمة الشرسة التي يقودها البعض ضد المرجعية الإسلامية للدولة المدنية التي نبتغيها لإبراز الرؤى السياسية التي حث عليها علماء الاجتماع السياسي الإسلامي، والمصادر الفقهية، وكتب الحسبة، والمصادر التاريخية، وكتب الآداب التي تمس السلوك الاجتماعي، ومصادر القضاء الإسلامي، والتي تعكس صورًا واضحة لنشاطات الحياة ومظاهرها المختلفة داخل الدولة والمجتمع في تراثنا الإسلامي، كما تضم فلسفة شاملة وكاملة لتصور العرب والمسلمين لأصول الحكم وقيام الدولة وإدارة أركانها بدءًا من الفرد وانتهاء بالحاكم، فلم تترك شاردة وواردة من أركان الدولة إلا وتطرقوا إليها حتى بناء المدن والجيوش والعمال، وهو ما يُعد مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية.

 

وهذا الإرث الكبير يحتاج إلى تضافر جهود مجموعة كاملة من الدارسين المتخصصين في كل فرع تناولته هذه المصادر، في محاولة لإبراز رؤية علماء الاجتماع السياسي للوضع الأفضل لإدارة المجتمع وفق معطيات الدين الإسلامي، ومجريات الأحداث السياسية، حرصًا منهم على النهوض بالمجتمع وتقويمًا لسياسة الحاكم برسم المنهج الصحيح الذي يجب إتباعه عند إدارته للحكم.

 

ويعد العالم شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع المتوفى سنة 272هـ/ 885م، من أوائل الذين عرضوا لذلك في كتابه "سلوك المالك في تدبير الممالك" على التمام والكمال الذي خطه للخليفة المعتصم العباسي، وكذلك كتاب "تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك" لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي المتوفى سنة 450هـ، وكتاب "السياسة" لأبن حزم، و"الشهب اللامعة في السياسة النافعة" لأبن رضوان.

 

ثم يأتي عبد الرحمن بن محمد بن جابر المقري المعروف بابن خلدون المتوفى سنة 808هـ/ 1406م، ليعرض أفكارًا متطورة لإدارة الدولة، ويظهر ذلك بوضوح في مقدمته التي فلسف فيها التاريخ ودرس فيها المجتمعات البشرية دراسة علمية واهتم بالعمران البشرى، ثم يأتي محمد بن علي الغرناطي الأندلسي المعروف بابن الأزرق المتوفى سنة 896هـ/ 1490م، في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك".

 

- مبدأ العدالة في التراث الإسلامي:

كانت أولى مطالب ثورة 25 يناير ترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية بعد أن فقدنا مبدأ العدالة بين الأفراد في الدولة، ومن هنا نقول ونؤكد ونعلن أن العدالة ركن أساسي أكده فقهاء الاجتماع السياسي في التراث الإسلامي فجعل ابن أبي الربيع- صاحب كتاب "سلوك المالك في تدبير الممالك"- العدالة الركن الثالث من أركان الدولة المتمثلة في "الملك- الرعية- العدل- التدبير".

 

وأكد العلامة ابن خلدون أن عدم ترسيخ مبدأ العدالة في المجتمع يمثل نذير خطير، فهو يرى أن تحقيق مبدأ العدالة في الحكم إسعاد للأمة والعمل على تحقيق مصالحها، فالدولة عنده لا تُحقق الرقي والحضارة إلا إذا قامت على مبدأ العدالة، بل إنه يعلن بصراحة أن الدولة عندما تجعل الظلم محورها فإن مصيرها لا يمكن أن يكون إلا الانحطاط السريع ثم الموت أو الفناء، ويقول ابن خلدون أيضًا في مقدمته إن أعظم مظاهر الظلم التسلط على أموال الناس بالباطل فيذكر "... إن الظلم مُخَرب للعمران وإن عائد الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض، فالظلم ليس أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك‏، وكل من أخذ مُلك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقًّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه‏،‏ فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة واغتصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها، ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق‏.‏

 

رحمك الله يا ابن خلدون وكأنك تشخص حال دولتنا مصر المحروسة في ظل حكم النظام الفاسد الذي كان قابعًا على سدة الحكم قبل ثورة 25 يناير، فما هو الحل في نظرك يا ابن خلدون؟، يقول العلامة ابن خلدون موجهًا النصيحة للحكام: "أيها المَلِِِِك إن المُلك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالمُلك ولا عز للمُلك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل"‏.

 

أما الفارابي فيصف السلطة الجاهلة بأنها تلك التي لا تتسم بالتعقل والحكمة والعدل، وهي لذلك لا بد أن تنتهي إلى الخراب والدمار.

 

إن العدالة والحياد وعدم التحيز في التصور الإسلامي شرط من شروط أية ممارسة للسلطة، وهي ليست قاصرة على القضاء بل تتعدى ذلك إلى الحاكم، يقول الماوردي: "... إن أهل الإمامة الشروط المعتبرة فيهم سبعة إحداها العدالة على شروطها الجامعة..."، كما أن العدالة شرط فيمن يتولى السلطة وفيمن يختار من يتولى السلطة.

 

فمبدأ العدالة مبدأ أصيل يُشَكل ويتحكم في جميع المبادئ الأخرى السياسية المرتبطة بكل ما له صلة بالتعامل مع السلطة، ومن هذا التصور نبعت جميع التقاليد الإسلامية، وظل مبدأ العدالة محورًا أصيلاً ولما لا فالقرآن الكريم دستور الأمة الرباني عامر بالنصوص للدلالة على ترسيخ مبدأ العدالة ويكفي للدلالة على ذلك الآية الكريمة الواردة في سورة النساء ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾.

 

والعدالة كما تقررها الآية الكريمة تعني عدم التحيز والحياد وإعطاء كل ذي حق حقه، فالعدالة هي وحدها التي تُمكن المواطن من الحرية، فقيمة الحرية كما يقول الدكتور حامد ربيع هي رهن بمبدأ العدالة، وليس العكس، وهذا يعني أن العدالة ترتفع إلى مرتبة القيمة العليا، ولعل خير تعبير على عمق مفهوم العدالة عند الحاكم المسلم هي الواقعة المعروفة والمنسوبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب عندما جاءه مصري يشكو من ابن عمرو بن العاص الذي كان واليًا على مصر وموضع الشكوى أن ابن عمرو بن العاص ضرب مصريًّا بالسوط عندما تنازعا على فرس كان يملكه المصري، وعندما تحقق الخليفة عمر بن الخطاب من صحة الواقعة دعا عمرو بن العاص وابنه إلى مجلسه ثم أعطى المصري سوطًا، وطلب منه أن يضرب ابن عمرو، وقال الخليفة قولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".

 

- مهام الوزراء في التراث الإسلامي:

الحاكم أو من يتولى أي سلطة كبرت، أو صغرت في النظام السياسي الإسلامي وظيفته محددة ومهمته واضحة، وهي القيام على أمر الدين والدنيا في حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ الأمن، والضرب على أيدي المفسدين والمجرمين حتى يأمن الناس على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، ويتفرغوا للعمل والإنتاج وعمارة الأرض والبلاد، فإذا اشتغل الحاكم أو من يعاونه من الوزراء أو من هم دونهم في السلطة بالتجارة، فأول ضرر يحصل من ذلك أنهم لم يعودوا متفرغين لمهمتهم الأصلية التي اختيروا من أجل القيام بها؛ لأن تلك المهمة تستغرق الوقت كله، وكل إنفاق لوقت الحاكم ومن يعاونه في غيرها سيعود بالنقص على أدائها والقيام بها حق القيام.

 

وقد تنبه إلى هذا الخطر وعالجه تراثنا الإسلامي، بوضع قواعد ترسم الإطار العام وتحدد دور الحاكم ومن يعاونه من الولاة والوزراء والقضاة وغيرهم وتبين ماهية السلطة والعلاقة بينهم وبين والمحكومين، وقد مارست هذه السياسة الدولة الإسلامية منذ إنشائها على عهد رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وخلال العصور التاريخية اللاحقة والمتعاقبة وحذَّر الفقهاء والمهتمين بالنظم السياسية في التراث الإسلامي من تفشي ظاهرة استغلال الوزراء لمناصبهم ونفوذهم، مستغلين مناصبهم السياسية، لخطورة ذلك على كيان الدولة، فنجد مثلاً أبو الحسن الماوردي صاحب كتاب الأحكام السلطانية، وابن خلدون في تاريخه، حذروا من خطورة استغلال الولاة والوزراء لمناصبهم السياسية، وأن الحاكم ومن يعاونه ليس لهم الحق في أن يستغلوا نفوذهم، لأنه في النهاية كما يذكر ابن خلدون ستكون الغلبة لصاحب السلطة؛ لأنه الأقوى جاهًا وسلطةً، وسوف يخلي الناس له الطريق إلى ما يريد، حتى ولو لم يستخدم أجهزة أمنه وجيشه وسيرجع ذلك بالضرر الكبير على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، وفي هذا ظلم على الرعية.

 

واستنتج ابن خلدون بفكره الثاقب ما يمكن أن يترتب على ذلك من الخسارة على مستوى المجتمع، فمن وجهة نظره في ذلك غلط عظيم، وتُدخل الضرر على الرعايا من وجوه متعددة، فتتعطل مصالحهم، ويذهب رأس مالهم، وتخرب أسواقهم، ويقعدون عن التفكير في أي مشروع، ويصيبهم اليأس والغم والنكد، لاعتقادهم أن تعبهم وثمرة تفكيرهم ستؤول في النهاية إلى يد الوزير، ولا يبقى عندهم الحافز للعمل لما يجدونه من العنت والمضايقة، وأعتقد أن الأضرار التي حذَّر منها ابن خلدون من جراء اشتغال الحكام والوزراء بما ليس من مهامهم ليست عنا ببعيد في ظل قضايا الفساد ونهب المال العام التي فضحتها ثورة 25 يناير.

 

- أهل السلطة ورأس المال في التراث الإسلامي:

 يُضاف إلى فساد النظام السياسي في مصر أن أصبح الولاة وكبار موظفي الدولة من الوزراء ونواب السلطنة أداة ومعول تخريب في الدولة؛ بسبب طلبهم المال، وحسبي أن أشير إلى أمر له تأثير سلبي عام على المجتمع كله تقريبًا، وهو تحول الحكام والوزراء والولاة إلى تُجار، أو جمعهم بين الحكم والتجارة، وقد فطن الفقهاء والمهتمون بالنظم السياسية في التراث الإسلامي أمثال أبو الحسن الماوردي وابن خلدون؛ إلى خطورة تفشي هذه الظاهرة؛ ولذلك أكدوا أن الحاكم ومن يعاونه ليس لهم الحق في أن يدخلوا الصفقات العامة بائعين أو مشترين، فقد رُوى أن عاملاً للخليفة عمر بن الخطاب، اسمه الحارث بن كعب بن وهب، ظهر عليه الثراء فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فتاجرت فيها فقال عمر: "أما والله ما بعثناكم لتتجروا"، وأخذ منه ما حصل عليه من ربح.

 

وفي أعقاب تولي الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، أصدر بيانًا شاملاً فيما يتعلق بهذا الموضوع، ذكر فيه ما يلي: "لا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أمورًا فيها عنت وإن حرص على ألا يفعل"، ومما نقلته كتب التاريخ عن عمر بن عبد العزيز أيضًا قولته المشهورة: "تجارة الولاة مفسدة وللرعية مهلكة".

 

ويذكر الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، أن من أشراط الساعة تجارة السلطان، أما العلامة شيخ المالكية جلال الدين أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس المصري المالكي مصنف كتاب "الجواهر الثمينة في فقه أهل المدينة"، فيرى أن الحاكم لا يشتري بنفسه ولا بوكيل معروف حتى لا يُسامح في البيع، ويذكر محمد بن عبد الحكم أنه لا فرق بين شرائه لنفسه وبين توكيله لذلك، ولا يوكل إلا من يؤمن على دينه لئلا يسترخص له بسبب الحكم، وما أشبه ذلك،

 

ويذكر ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، أنه كما حرمت التجارة حرم ما في معناها مما يجلب ربحًا للوالي؛ بسبب ولايته كالمؤاجرة والمساقاة والمزارعة، وأكد العلامة ابن خلدون أن دخول السلطان ميدان التجارة يضر بالرعية، وينافي الإسلام، فحينما يزاحم الحاكم شعبه في حيازة مصادر الرزق: تجارة وصناعة وزراعة وغيرها؛ فإن الغلبة ستكون له في النهاية؛ لأنه الأقوى جاهًا وسلطةً، وسوف يخلي الناس له الطريق إلى ما يريد حتى ولو لم يستخدم أجهزة أمنه، وسيرجع ذلك بالضرر الكبير على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، كما أن أعوان السلطان قد يشترون لحسابه الواردات الخارجية، ثم يضعون لها ما يشاءون من أسعار لضمان ربح كبير للسلطان، ثم إن تجارة السلطان لا تخضع للمكوس والضرائب التي تخضع لها تجارات الآخرين، وفي هذا ظلم على هؤلاء التجار وعلى الرعية.

 

واستنتج ابن خلدون ما يمكن أن يترتب على ذلك من الركود الاقتصادي والكساد والخسارة على مستوى المجتمع، وأشار إلى أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية، وفيها مضايقة للفلاحين والتجار في أرزاقهم، واحتكار مصادر رزقهم، وتحول ذلك إلى الحاكم بأبخس الأثمان؛ مما يقبض آمالهم عن السعي في ذلك جملة، وكان فيها إتلاف أحوالهم.

 

- رؤية الفكر الإسلامي للأجهزة الأمنية:

طالبت ثورة 25 يناير بنظام أمني يخدم الشعب ولا يرهبه، وهذا المطلب هو من صميم رؤية الفكر الإسلامي الذي يرى ضرورة وحتمية وجود الأجهزة الأمنية لأي دولة؛ شريطة أن تنبع ضرورة وجودها من ضرورة الأمن نفسه الذي لا غنى عنه في أي وقت، سواء للفرد أو المجتمع، لدوره في تحقيق العدالة وإخضاع الجميع لشرائع الإسلام وآدابه.

 

والباحث في طبيعة المتغيرات المساهمة في بناء الحضارة الإسلامية سيجد أن من أهمها الأجهزة الأمنية، ففي الغالب تسهم الأجهزة الأمنية في تطور المجتمع وتنميته نتيجة لطبيعة المهام التي تقوم بها ودورها في تحقيق الاستقرار كأرضية صالحة لا بد منها حتى تنطلق منها عملية التطور والبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة.

 

ويرجع ذلك لكون الجهاز الأمني في ظل الدولة الإسلامية جزءًا من تركيبة المجتمع، ورجال هذه الأجهزة هم مواطنون من أبناء المجتمع، يشعرون بما يشعر به أفراد المجتمع الآخرين، فهم يؤدون رسالة ويقومون بواجب، هو واجب الأمن والمحافظة عليه؛ لتحقيق الطمأنينة والتصدي للجريمة وإقرار الأمن الداخلي في البلاد ليلاً ونهارًا، وتنفيذ أحكام القضاء، وكانت الشرطة من المؤسسات التابعة للنظام القضائي في الدولة، ويعتمد عليهم الخليفة والوالي في حفظ النظام والقبض على المفسدين، ومعاقبتهم؛ ما يحقِّق سلامة الأفراد وأمنهم على أموالهم وأنفسهم، ولذلك كانت هذه الأجهزة مرافق تنموية، وهو ما نأمله في الجهاز الأمني المصري بعد ثورة 25 يناير.

 

وقد أطنب المؤرخون في وظائف صاحب الشرطة، فمثلاً يذكر ابن خلدون أنه: "ينظر في الجرائم وإقامة الحدود ويفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، ويقيم الحدود الثابتة في محالها، ويحكم في العقود والقصاص، ويقيم التعزير والتأديب في حق من لم ينته عن الجريمة"، كما يذكر القلقشندي أن على صاحب الشرطة: "قمع الجهال وردع الضلال وتتبع الأشرار وطلب الدعار، مستدلين على أماكنهم متوغلين إلى مكانهم.... منفذين أحكام الله تعالى فيهم بحسب الذي يتبين من أمرهم"، كل هذه المهام هي التي أوجدت مناخًا من الأمن، أتاح للمجتمع أن ينهض ويتطور دون عوائق.

 

ونرجو أن تدرك الأجهزة الأمنية أنهم جزء من ذلك المجتمع ليس لهم الانفصال عنه، أو العيش في عزلة عن حركته، أو ما يتم فيه من نشاطات مختلفة، وأن رسالتهم الأساسية الإسهام في تطور المجتمع وتنميته، والبعد عن السلبيات التي أشرنا لبعضها وتشكل عائقًا أمام الدور الرائد والمفترض لهم في الدولة والمجتمع، باعتبارهم جزءًا من مؤسسات المجتمع.

 

لا نريد جهازًا أمنيًّا ينحاز للسلطة الحاكمة الاستبدادية التي تُخَلف نتيجة لاستبدادها مشاكل كالبطالة وارتفاع الأسعار وتكميم الأفواه المعارضة بالاعتقالات، وانتشار الرشوة، وتلفيق التهم، مع كل هذا تقل الموارد الاقتصادية ويهرب الاستثمار فتقل معدلات التنمية، وبالتالي يحدث الضغط الجماهيري على النظام السياسي في شكل مظاهرات واحتجاجات وأعمال عنف.

 

- عدالة الأجور.. في الفكر الإسلامي:

من أسباب قيام ثورة 25 يناير عدم العدالة في توزيع الأجور، وهو ما يترتب عليه تدمير وتخريب في البنية الاجتماعية لأي شعب يُبتلى بمثل ذلك، ولذلك فطن الفكر الإسلامي إلى أن قلة راتب العامل قد تدفعه إلى الشطط، ولذلك اتجه المفكرون المسلمون إلى إعطاء العامل راتبًا فيه نوع من السخاء حتى يترفع بذلك عن الشبهات، وفي ذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه: "أن على ولي الأمر أن يفسح لواليه في البذل؛ لتزول بذلك علته، وتقل معه حاجته إلى الناس"، ويخاطب الإمام علي ولي الأمر بقوله: "أسبغ على ولاتك الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم أن خالفوا أمرك أو نقضوا الأمانة".

 

إن ما قدمه علماء الاجتماع السياسي في تراثنا الإسلامي يمكن أن نعتبره نموذجًا مثاليًّا، يمكن أن ينطلق من خلاله علماؤنا المعاصرون أصحاب الرؤية الإسلامية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ لتقديم رؤى جديدة تساهم في تحقيق الدور الحضاري لشعوبنا كما فعل أسلافهم.

 

فقد سبق الفكر الإسلامي لإدارة الدولة أصحاب النظريات الحديثة، فالأسس التي حددها علماء تاريخ الاجتماع السياسي، تدل أنهم كانوا على علم واسع بحياة المجتمع والمتغيرات التي تواكبها، وتبقى أسسهم التي وضعوها سابقة لكل ما تلاهم من أبحاث ودراسات.

 

هذه إطلالة بسيطة وأضواء نلقيها على المرجعية الإسلامية التي نؤمن بها ونبتغيها لمصر الحديثة ذات الحكم المدني، أُرسلها إلى أصحاب الهجمة المسعورة على المرجعية الإسلامية للدولة المدنية، والذين يصورون لعامة الناس أن الإسلام قابع لإقامة الحدود بقطع الأيادي ورجم العراة والزناة، وأذكرهم بأن نيلسون مانديلا عندما خرج من السجن ليحكم دولة جنوب إفريقيا، نظر في دساتير العالم، فوجد أن الشريعة الإسلامية هي الدستور الوحيد القادر على القضاء على الجريمة، ولما لا وهي منهج رب العالمين التي يبتغيها ويؤمن بها الإخوان المسلمون.

-----------

* مراجع البحث:

- ابن أبي الربيع (شهاب الدين أحمد بن محمد) ت 272هـ/ 858م، سلوك المالك في تدبير الممالك، جمعية المعارف المصرية 1286هـ، ص118.

 

- ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد وافي الطبعة الثالثة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة 1981م،

 

- عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، القاهرة 1966م، ص 690 وما بعدها.

 

- أحمد فؤاد، فضائل الأمم في نظر الفارابي، مجلة كلية الآداب، الجامعة الأردنية، المجلد الأول، العدد الأول 1969م، ص77.

 

- أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية، القاهرة 1969م.

 

- حامد عبد الله ربيع، تحقيق وترجمة كتاب سلوك المالك في تدبير الممالك لشهاب الدين أحمد بن أبي الربيع، ج1، مطابع دار الشعب، القاهرة 1980م، ص 155.

 

- ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، راجعه وعلق عليه محمد عبد الله السمان، الرياض 1951م.

 

- أحمد شلبي، سمات الحضارة الإسلامية، بحث ضمن دراسات في الحضارة الإسلامية بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري، المجلد الأول الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1985م.

 

- فتحية عبد الفتاح النبراوي، نظم الدولة الإسلامية في المشرق، بحث ضمن دراسات في الحضارة الإسلامية بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري، المجلد الثاني الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1985م.

 

- الدكتور محمد علي الصلابي، الفقه الإداري عند عمر بن عبد العزيز وأيامه الأخيرة ووفاته رحمه الله، مقال بموقع (إخوان أون لاين).

 

- ناصر الأنصاري، تاريخ أنظمة الشرطة في مصر، الطبعة الأولى، دار الشروق 1990م.

 

- نمر الحميدان، ولاية الشرطة في الإسلام، الرياض: عالم الكتب، 1414هـ.

 

- محمد الأصبيعي، الشرطة في النظم الإسلامية، مالطة 1990م.

----------

* دكتوراه في الآثار الإسلامية