لقد عاشت مصر في الفترة الأخيرة حياة الذل والمهانة داخليًّا ودوليًّا، فمنذ عقود حكم البلاد العسكري وقد تخلينا عن دورنا الحيوي في ريادة البلاد، حتى تجرَّأ الجميع علينا بالشر والسوء أو منع حقوق متفق عليها باتفاقات دولية مثل اتفاقيات المياه في حوض النيل، فقد تخلَّى النظام عن قضايا البلاد وإستراتيجيتها سواء بانعدام العلاقة بينه وبين دول حوض النيل، وقطع الصلة بين مصر ودول إفريقيا، أو بالتنازل عن حقوقنا من تهديدات صهيونية على الناحية الشرقية، فقد تعرَّض إخواننا في غزة لمذابح بشعة يندى لها الجبين في ظل صمتٍ دولي، وكان أطفال غزة قبل رجالها وشيوخها ينتظرون نصرة الشعب المصري وحكومته، والشعب انتفض في مظاهراتٍ حرَّكت المشاعر، لكن النظام قمع هذه المظاهرات ووقف متفرجًا على ما يجري في غزة سواء مذبحة عام 2008 أو عام 2009م، والتي راح ضحيتها أكثر من ألف شهيد وجريح وهدم المنازل والمصانع والبنية التحتية لمليون ونصف المليون من سكان غزة.
ولم يكتفِ بذلك بل ساعد العدو الصهيوني في قطع شريان الحياة على أطفال وأهل غزة العُزَّل، بغلق المنفذ والشريان الوحيد لهم وهو معبر رفح، بل كان يزيد في قتلهم بتصريحاته وتصريحات وزير خارجيته أحمد أبو الغيط، ولم يكن يستطيع أحد من نظامنا الميمون سابقًا أن يجرأ أن يحزن العم سام وصحبته في إسرائيل، أو يخالف رأيهم.
حتى جاءت ساعات العزة والكرامة مرةً أخرى بعد نجاح ثورة 25 يناير، والتي أطاحت بهذا النظام الفاسد الذي أذلَّ العباد والأوطان خدمةً للصهاينة وتمهيدًا لملف التوريث الذي أراد أن يبتلي به البلاد بعد أن ينقضي حكمه، وساعده على ذلك رجالاً لم تعرف للوطن اعتبارًا إلا اعتباراتهم الشخصية.
لقد كان تصريح السيد نبيل العزبي وزير خارجية مصر في حكومة الدكتور عصام شرف له أعظم الأثر على نفوس المصريين وأهل غزة خاصة والمسلمين عامة، خاصةً بعد عمليات غدر من قِبل الصهاينة على أطفال غزة؛ حيث صرَّح وزير الخارجية بأن إسرائيل ينبغي ألا تندفع إلى تنفيذ أي عمليات عسكرية في غزة، ولقد دعا العربي إسرائيل إلى ضبط النفس وحذرها من الاندفاع إلى عملية عسكرية في غزة"، محذرًا "من إعطاء إسرائيل أي ذريعة لاستخدام العنف"، ومشيرًا إلى أن مصر ترفض وتدين العنف ضد المدنيين.
ما هذه العزة التي استرجعتها مصر بعد هذه الثورة المباركة التي أطاحت برموز الذل والهوان، لقد أصبحت إسرائيل تخشى الكثير من تصريحاتها المستفزة، وتحركاتها الغاشمة ضد أهل غزة الكرام منذ أن فاقت الشعوب الإسلامية عامة والعربية خاصة، وأخذ تطيح برموز الذل والخنوع واحد تلو الآخر فهاهو زين العابدين بن على يفتتح قائمة المطرودين ثم يلحق به مبارك الحليف والصديق الإستراتيجي للصهاينة وهاهو على الدرب علي بن صالح والقذافي الذي يريد أن يترك بلاده خرابًا، ويقدمها للغرب على طبق من ذهب لينهبوا خيراتها ويذلوا شعبها، لكن هذه الشعوب التي انتفضت لتزيح غبار الذل لن ترضى به مرةً أخرى.
حينما سمعت تصريحات السيد وزير الخارجية المصري بذلك، استشعرتُ رحمة الله بشعوبنا، كما استشعرت نصرته لهذه الشعوب التي لا ترضى بالذل والهوان، وصدق الله العظيم إذْ قال في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور).
نعم لا بد أن نستشعر معاني العزة والقوة، وأن النصر من عند الله، فلا يخرج من يقول لماذا تقحمون القرآن والدين في مثل هذه الأمور؟ فأقول له لأن الكون بيد الله وما يجري فيه يجري بقدره ولا بد أن نتجرد من حولنا وقوتنا، ونلجأ إلى حول الله وقوته، فإن استشعرنا هذه المعاني القوية وأخذنا بأسباب القوة من إعداد وتخطيط وتجهيز كان النصر لنا، فالله يخبرنا بضعف هؤلاء اليهود وأنهم لا يستطيعون المواجهة فيقول تعالى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)﴾ (الحشر).
لا بد أن نفيق ونسير على خطى القادة العظام الذين فهموا إسلامهم بشموله فلم يفرقوا بين عابد في المحراب وبين فارس في الميدان، فالقائد الحق الذي يخشاه الجميع هو من يجمع بين هذه الصفات ولا يفرق بينها بين عبوديته لله ومهارته وفروسيته في الحرب أو على أرض الواقع.
إن البلد اليوم تحتاج لمثل هذه العزة والكرامة لكي تسترجع حقوقها ومكانتها الطبيعية وسط البلاد المجاورة والمنظومة العالمية، ولن يتم ذلك إلا بالوقوف على معاني العزة والرجولة الحقة، وعدم النخوع لعدو غاشم أو خشية من قطع معونة، لقد أقسم الله عز وجل على هذه الأمور فقال تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)﴾.
أفي بعد هذا نخشى معونةً أو نخشى قوة غاشمة لا تعرف للمعاهدات ولا القيم حق، لا بد أن نعمل لكي يتحقق فينا قول عمر بن الخطاب حينما قال: "نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".
كما غيَّرت فينا ثورة 25 يناير كثيرًا من المعاني والمفاهيم الخاطئة، وكما خرجنا نحن وأبناؤنا وأطفالنا ليشاهدوا صنع الحرية بأنفسهم في هذه الثورة، وليسطروا معاني العزة والكرامة منذ صغرهم، ولنغرس فيهم كيف يحافظوا على هذه العزة والكرامة، في سبيل صنع جيل ينهض بالبلاد على أسس صحيحة، وبنيان قوي.
لقد كان الهجوم على معقل الذل في وطني متمثلاً في مكاتب أمن الدولة يوم عزة شارك فيه كل مصري شعر بمصدر الذل والمهانة في هذا الوطن من خلال هذا الجهاز الآثم.
لقد شاهدتُ أعدادًا غفيرةً تنساب كالمياه نحو هذه المكاتب وتحاصر هذه المباني التي تحولت إلى ركامٍ من النار بسبب حرق هؤلاء الضباط وثائق تدين جرائمهم، ويظهر فساد حكمه من الزمن، والتحفت هذه المباني بالدخان السود من جرَّاء الحرق حتى وصلنا وحاصرنا هذه الأماكن وتدفقت سيارات ومدرعات الجيش لتقبض على مَن أذاقوا البلاد سوء العذاب والذل، ووجدت الكثيرين يتدافعون ضربًا لهؤلاء الذين نشروا الرعب وسط المجتمع وفرقوا بين أبنائه وروعوا الآمنين في وسط الظلام.
لقد زال الذل ورجاله وينبغي على الشعب أن يحافظ بكل قطرةٍ من دمه على العزة والكرامة التي اكتسبها بعد الثورة، وشارك في صنعها شباب قدموا أرواحهم لله وللوطن.
-----------
* مشرف موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان)-