إن سقوط أصنام الظلم والفساد التي بدأت تتهاوى واحدة تلو الأخرى لا يعني سقوط العقلية التي تدار بها مؤسسات الدولة وإعلامها وهي عقول صنعت الطاغية بنظامه البوليسي والإعلامي، وعبدت أصنامه وكثير منهم من يتحدث عن الديمقراطية وعرس الديمقراطية هذه الأيام، ولكن هيهات ما بين معنى الكلمة وبين مبناها عند البعض, وقد كان النظام البائد واضحًا مع نفسه حين أعلن صراحته رفضه الديمقراطية، مستخدمًا الإخوان المسلمين كفزاعةٍ إلى مَن يهمه الأمر من قوى غربية، أو علمانية بل ولإخافة الشعب المصري، وقد أثبت الواقع فشل ذلك، وإذا كان ذلك هو موقف الحزب الوطني باستبداده وفساده وظلمه، لكن الذي لا أفهمه ولا أستطيع تفسيره هو موقف بعض قوى العلمانية مدعي الديمقراطية واستخدامهم نفس أسلوب النظام البائد ونفس الفزاعة، وقد ظهر ذلك واضحًا عند إدارتهم حملة التصويت ضد التعديلات الدستورية في الجمع بين حزبٍ فاسدٍ وبين الإخوان المسلمين، فضلاً عن بعض التصريحات التي صدرت من أحدهم بأن صعود الإخوان للحكم سيكون على جثته، وما نسمعه من آراء تُسفِّه آراءهم وهجوم مستتر أو معلن على تبنيهم المرجعية الإسلامية.. ألا ترون معي أن هذه هي ديمقراطية بوش الشهيرة مع شعوب العالم الإسلامي: مَن ليس معي فهو ضدي.
إن ما يمارسه كبار أساطين العلمانية في مصر مع المخالفين لهم ومصادرة آرائهم يجعلنا نرى أنه ما زال بين هؤلاء وبين ما يتشدقون به من ديمقراطيةٍ مسافات طويلة، ولن يتم ذلك إلا بتنقية قلوبهم من أدران الماضي القريب وتحرير عقولهم من ثقافة الهيمنة وفرض الوصاية على الشعب المصري بفرض قناعات ورؤى هجينة وغريبة على ثقافة الشعب وقناعاته فالشعب الذي استطاع أن يقهر الاستبداد بصدور عارية في أسابيع معدودة لم يعد قاصرًا، وفي حاجةٍ إلى وصاية.
إن هذا الشعب لن يتنازل عن دينه أو هويته أو تاريخه الطويل الذي يمتد على مدار سبعة آلاف عام استوعب في رحمه حضارات رائدة من فرعونية ومسيحية وإسلامية ووعى في وجدانه حب السيد المسيح والسيدة مريم العذراء وما لهما من مكانة في القرآن الكريم وعند المسلمين عمومًا ومن قبل السيدة هاجر المصرية جدة الرسول صلى الله عليه وسلم وحب عمرو بن العاص والترحيب بالفاتحين المسلمين، وتلك حقائق يشهد بها التاريخ ولا يختلف عليها منصف.
إلى هؤلاء الأساطين الذين يهاجمون الشريعة الإسلامية ويصادرون مَن يتبنى تطبيقها هل مشكلتكم مع الإخوان أنفسهم أم مع الشريعة الإسلامية أم مع عدم القدرة على الالتزام بها أم أنها مسئولة عما عاناه المصريون من ظلمٍ واستبدادٍ واستنزافٍ للثروات؟.
أما كان من الأفضل لمَن يحمل أمانة الحكم أن يكون قويًّا أمينًا يتقي الله ولا يخشى في الله لومة لائم حتى يحقق العدل والمساواة بدلاً من أن يكون سياسيًّا بارعًا، ولكنه وصولي فاسد.
إن الإسلام ليس مجرد دين عبادات، ولكنه منهج تشريعي للحياة وللشعب حق اختيار مَن يحكمه وحق اختيار منهجه ودستوره ولا يطالب غير المسلمين الالتزام بأحكام الشريعة الخاصة وهو الضامن لحرية الاختيار، فحرية العقيدة مكفولة والحريات العامة مصونة ولا يجب في الإسلام انتهاك حرمة الحياة الخاصة لأي إنسان، وليس للحاكم أي عصمة، أو صفة مقدسة تجعله فوق المساءلة.
هذه هي بعض سمات الدولة في الإسلام، وليست هذه هي الدولة الدينية التي تمنح للحاكم أو رجل الدين سلطة العصمة المطلقة، أو التفويض الإلهي دون مساءلة أو محاسبة.
ليس بدعًا من القول أن يتضمن الدستور النص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وأن اللغة العربية هي لغة الدولة الرسمية؛ وذلك في المادة الثانية من الدستور تعبيرًا عن هوية الأمة وثقافتها، وأعتقد أن الكثير منا يعلم أن العديد من دساتيرالعالم الغربي يشترط التزام الحاكم بديانة ومذهب الدولة السائد كإنجلترا الذي لا يسمح لغير المسيحيين البروتستانت أن يكونوا أعضاءً في مجلس اللوردات؛ وذلك ينطوي على ظلمٍ كبيرٍ وكذلك الأمر بالنسبة للسويد وإسبانيا واليونان بل إن ألمانيا تحكم بحزب ديني وهو الحزب الديمقراطي المسيحي, فهل هناك ضرر حقيقي على إخواننا المسيحيين سيلحق بهم من جرَّاء الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والتي تكفل لهم حفظ الحقوق ورعاية المصالح وإتاحة الحريات وتحقيق المساواة؟.
إن استخدام فزاعة الدولة الدينية والإخوان لا مبررَ له ومصادرة لحق الرأي وحرية الاختيار وإني لا أرى فرقًا بين ما كان يمارسه النظام السابق من غسيل مخ، وتفزيع الناس من الإخوان والدولة الدينية وبين متطرفي العلمانية اليوم الذين مارسوا، وما زالوا يمارسون نفس الدور.
لقد امتلك النظام السابق عشرات المحطات الإعلامية والصحف الحكومية وكثير من الأبواق المحرضة على تزييف وتزوير صورة الإخوان، فضلاً عن ترحيب بعض العلمانيين، أو تجاهلهم لما تعرض له الإخوان من ظلمٍ فلم يفلحوا في عزلهم عن الشعب أو انصراف الشعب عنهم؛ وذلك لأنهم في وجدان هذا الشعب وجزء أصيل منه ومن نضاله.