سعدت بالتصريح الذي أعلنه مسئول بالقيادة العسكرية قبل أيام أنه سيتم- عقب إقرار التعديلات الدستورية- إشهار الأحزاب السياسية الجديدة، في مرحلة ما بعد "ثورة التحرير" بمجرد تقديم الإخطار؛ أي أنه لن تكون هناك لجنة حكومية أمنية لترفض أو تقبل ما تشاء، وهذه عودة حميدة إلى الأصل الذي كان معمولاً به قبل 23 يوليو 52، ثم مرَّ علينا أكثر من نصف قرن من دولة التنظيم الواحد والحزب الواحد، حتى انسحب المجتمع المصري كله من الحياة السياسية، وتركها لحفنة من المنتفعين والفاسدين واللصوص وعملاء الأجهزة الأمنية.
وعلى مدى سنوات طويلة عشنا حياةً سياسيةً وحزبيةً فاسدةً بكل المقاييس، أدارتها الأجهزة الأمنية ومباحث أمن الدولة بغباء شديد، ورأينا كيف نجحت في تدمير العديد من الأحزاب السياسية، التي قادها وطنيون مخلصون وسياسيون شرفاء، عن طريق زرع عملاء أو متعاونين لتفجير الحزب من الداخل، أو إشعال الصراعات والانقسامات والفتن بداخله؛ حتى ينهار تمامًا، وما أحزاب: العمل والأحرار والغد والأمة وغيرها منا ببعيد!! بل أنشأت الأجهزة الأمنية أحزابًا هلاميةً هزليةً لا يسمع عنها أحد، كجزء من الديكور الديمقراطي.
وبلغت قمة الهزل والسخرية في الواقع السياسي المصري أن حركة مثل "الإخوان المسلمين"- وهي القوة الأكبر سياسيًّا وشعبيًّا- يتم الحديث عنها بوصفها "محظورةً"، رغم أنها تملك 20% من مقاعد البرلمان، بينما هذه الأحزاب الهزلية تلقى الاعتراف والدعم السياسي الرسمي، رغم أنها- مجتمعةً- تملك حوالي 2% فقط من مقاعد مجلس الشعب، وكان وجود الأمين العام للحزب الحاكم على رأس اللجنة التي تعطي الترخيص أو تمنعه عن الحزب المعارض، أحد تجليات هذا الهزل.
انتهت إذن إلى غير رجعة هذه المرحلة السياسية الأليمة من تاريخ الوطن، وبدأت مرحلة أخرى أكثر شفافيةً وحريةً وتنافسيةً، وأتوقع أن تتقدم فيها عشرات الأحزاب بالإخطار والإعلان عن نفسها في الأشهر القليلة المقبلة، وربما يتجاوز عددها المائة، فلا يجب أن نضيق بهذه الزيادة الكبيرة؛ لأنها ستعود إلى المعدل الطبيعي بعد فترة قصيرة، ربما كانت عامًا أو عامين، والشعب هو وحده الذي يقرر دعم هذا الحزب أو الابتعاد عن ذاك، وسريعًا سوف تسفر التعددية الحزبية عن بروز خمسة أو ستة أحزاب فقط، لها حضور جماهيري أكبر بدرجات متفاوتة، بينما تذبل الأخرى وتختفي تمامًا.
وأتوقع أيضًا غياب معظم هذه الأحزاب الموجودة الآن على الساحة، التي نشأت وتعايشت وانسجمت مع الاستبداد والفساد وسيطرة الأجهزة الأمنية، وأيضًا معظم رموزها وقادتها؛ لأن الحرية والديمقراطية سوف تكشف من هو مؤهَّل للمشاركة في العمل السياسي ومن هو مفروض عليه، ولذلك لا أستغرب من ارتفاع صوتهم وصراخهم في هذه الأيام؛ للمطالبة بتأجيل الانتخابات البرلمانية حتى يستعدوا أكثر؛ لأني أعتقد أنهم يعيشون في الرمق الأخير من العمل السياسي، وأولى بهم أن يتركوا الساحة للوطنيين الشرفاء.
إشهار الأحزاب السياسية بمجرد الإخطار- بالطبع مع الشروط المعروفة مثل ألا تكون فئوية أو طائفية أو عسكرية- هو فرصة حقيقية لتأسيس عمل سياسي وحزبي ناضج، وإقامة أحزاب جماهيرية فاعلة، تنشط في ضوء الشمس وفي رابعة النهار، ولها برامجها السياسية وكوادرها ورموزها، ولها خطابها الجماهيري الذي يقدم رؤى وحلولاً واضحةً لقضايا ومشكلات الوطن، فيتجاوب معها المجتمع أو ينصرف عنها.
هي أيضًا فرصة لكي يتدرَّب الشباب عمليًّا على تحمُّل المسئولية، واكتساب خبرة العمل السياسي الحقيقي، وأن يُسهم بجدية وإيجابية في إثراء الحياة السياسية، وعندها سوف تظهر الكفاءات والقيادات والرموز الوطنية الحقيقية، وساعتها سوف تشرق شمس مصر الحرية.
---------