كان خطابي قبل الاستفتاء لكل من يسألني عن رأيي في التصويت بـ(نعم) أم (لا) أجيبه قائلاً: الأهم أن يذهب الجميع ويدلوا برأيهم, ففي الذهاب انتصار حقيقي للثورة؛ حيث ستصل الرسالة للجميع أن الشعب المصري مصرٌّ على انتزاع حقه في حياة حرة وكريمة، وأن يكون لصوته قيمة ولجهده أثر.
إنها الرسالة التي نجح فيها كل من قال (نعم) وكل من قال (لا)، وإنه الفوز الحقيقي الذي غنمه الجميع، فكلا الفريقين قد فاز وكلا الصوتين مسموع، ولم يخسر أحد، فالكل فرح بمشهد الحرية، والكل نجح في حشد الجميع، وكانت اللجان الانتخابية أماكن عرس الديمقراطية، وكانت الطوابير الطويلة ليست محل تذمر، بل هي منتديات سياسية تعرض فيها الآراء المتباينة في جو مليء بالود والحب، فلا يزداد الوقوف إلا ألفة وحبًّا وودًّا.. لقد عاد الشعب المصري إلى طبيعته في التسامح والفكاهة، وظهر الوعي الكامن في عقول الشعب، وأسفر الشباب عن همته، وأيضًا عن عزيمته في بناء مصر الحرة المستقلة.
لم يكن يوم استفتاء بل كان يوم عرس شهده وشهد به الجميع، فهذا الرجل العجوز، وتلك المرأة المسنة، وهذا المحمول على كرسي متحرك، وهؤلاء الرجال والنساء وجموع الشباب هم شهود عقد جديد، تعود فيه الحرية للشعب المصري بعد طلاق بائن دام لمدة ستين عامًا.
ولكن هذه الفرحة شابها ما ينقصها ويحول دون كمالها.
لقد تحوَّل الاستفتاء إلى حالة من الاستقطاب الديني والذي لم يكن يتمناه أحد.
كنا نتمنى من بعض الإسلاميين ألا يدخلون الأمر في دائرة الحلال والحرام، وكنا نتمنى ألا تلزم الكنيسة أبناءها بالذهاب والتصويت بـ(لا) لاعتبارات طائفية.
وكنا نريد أن من يختار (نعم) أو(لا) من منطلق رؤيته لمصلحة البلاد.
إن في الإسلام بابًا واسعًا اسمه المصالح المرسلة، يسع جميع الآراء، فأينما كانت المصلحة فثم شرع الله.
وأقول للأقباط.. أنتم جزء من نسيج الوطن، ولستم كيانًا منفصلاً فيه، وما أعظمها كلمات الأستاذ مكرم عبيد حين قال (أنا مسيحي ديانة ومسلم حضارة), وأنتم جزء من بناء هذه الحضارة.
نريد أن تنتهي مظاهر الطائفية، ويعود المظهر الرائع الذي كنا عليه أثناء الثورة
ونتعامل مع بعضنا بهدي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهدي المسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام.
وثمة شيء آخر لم يود أحد أن يراه، وهو بعض الاتهامات التي ليس لها ما يبررها فقائل: إن من قال (نعم) فقد خان دم الشهداء، ومن قال (لا) فهو تابع لأجندة خارجية، وهذا ما لا يصح في حوار وطني المقصود به الوصول إلى تحقيق مصلحة الوطن.
وإن كان الحماس دفع بأنصار رأي أن يتحاملوا ويتشاحنوا مع أصحاب الرأي الآخر له عذره؛ ولكن نتمنى جميعًا أن يختفي التعصب المذموم للرأي، ويحل محله الاختلاف المحمود للمصلحة العليا للوطن.
ما سبق بعض الظواهر التي لم تخفِ الجواهر وبعض المواقف التي نتمنى أن تختفي في ممارساتنا السياسية؛ حتى تكتمل فرحتنا بحريتنا، وحتى نستكمل بناء مصر الحديثة.
وفي الختام أقول.. ألف مبروك لمن قال (لا)، وألف مبروك لمن قال (نعم)، فقد فازت مصر في سباق الحرية.