لا شك أن الثورة المصرية الحديثة في 25 يناير أحدثت نقلةً نوعيةً كبيرةً في تغيير صورة مصر على المستوى المحلي والإقليمي والدولي؛ فقد أنقذت هذه الثورة البلاد من نظام فاسد مستبدٍّ، لكنَّ الأهم أنها أنقذتها من السيناريو الأسوأ الذي طالما حذرْنا منه على مدى سنوات.. سيناريو الفوضى الاجتماعية الشاملة التي تحصد في طريقها الأخضر واليابس.

 

وهذه الثورة قامت دفاعًا عن الدولة التي تآكلت أركانها، وتهاوت دعائمها، بفعل نظام فاسد مترهِّل، وهي بما رفعته من مطالب، إنما استهدفت استعادة الدولة المصرية من خاطفيها، وبناء دولة عصرية قوامها الحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.

 

وهذا التحول من منظومة الفساد والاستبداد إلى عالم رحب نتنسَّم فيه نسيم الحرية، ونتعقَّب فيه المفسدين؛ لأمرٌ حتميٌّ في هذه المرحلة لبناء دولة مصرية حديثة، تحتاج منا جميعًا أن نتقارب ونتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه؛ من أجل هذا الهدف النبيل، ولأن مطالب هذه الثورة كانت صادقةً ومُعبِّرةً عن أشواق حقيقية وآمال وطموح جموع المصريين، التفَّ حولها الجميع، وتدافعت إلى نصرتها مختلف الشرائح الاجتماعية والأعمار السِّنِّية والقوى السياسية، مسلمين ومسيحيين، وتجاوب معها الملايين في جميع أنحاء مصر، من الصعيد إلى السلوم، واستفادت ثورة الشباب من هذا الزخم المُبهر، فرفعت سقف مطالبها يومًا بعد آخر، وتحدَّت سطوة النظام وغشامته، وقابلت عناده بعناد أشد، حتى حقَّقت مطلبها الأول برحيل رأس النظام الفاسد المستبد، وما زالت مُصرةً على تحقيق كامل مطالبها بالطرق السلمية المشروعة.

 

أقول هذا لننتقل بعد ذلك إلى مرحلة البناء الفعَّال المُثمر، وهذا يحتاج إلى جهد جهيد وعمل متواصل، وكما يقول الشيخ الشعراوي: "إن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد"، فالمرحلة ما بين قيام الثورة، وبناء الدولة الحديثة مرحلة مهمة وخطيرة، ولا بد أن نُسهم جميعًا- مسلمين ومسيحيين، ليبراليين و"إخوان مسلمين"، وكل أطياف المجتمع المدني، حتى رجل الشارع العادي- في تخطِّي هذه المرحلة الانتقالية بسهولة ويُسر؛ لأن لكل ثورة أعداءً، يحاولون خطف ثمارها، وتحويلها إلى ركام باستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فعلينا أن نعي ذلك جيدًا، ولا نترك فرصةً للمفسدين ولا لأنصار المفسدين أن يحوِّلوا الثورة إلى نقمة.

 

----------

* مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية- nassareg2000@gmail.com