يقول بيت من الشعر للشاعر والأمير نصر بن سيار الكناني:
أرى تحت الرماد وميض نار ويوشك أن يكون له ضرام
والبيت يمثل وصفًا صادقًا وربما صادمًا لجانب من الصورة العامة في مصر اليوم, فلقد ترسخت ثقافة عاتية لدى النُّخب الحاكمة في مصر مؤداها عدم التعويل على النذر البادية؛ حتى يتحقق الخطر ويصبح واقعًا, ولو سمع المخلوع حسني مبارك ربع ما قيل له على لسان المخلصين لمصر من غير ذوي الهوى ما هوى إلى حيث هوى, وأخشى ما أخشى ويخشى غيري أن هناك ملفات متفجرة يراهن البعض- فيما تشير ظواهر الحال حيالها- على أن يطويها الصمت وتنزل عليها أستار النسيان! ومن تلك الملفات ملف المظالم والعدالة التي لا تفرق بين خلق الله, انسياقًا وراء ثقافة مطاردة سارق البيضة بالعار والشنار والسجن وتكريم سارق المليارات!.
إنني أرى وجوهًا تراهن- واهمة- على طيبة المصريين، وسرعة نسيانهم ومبادرتهم للصفح, وأرى مَن لم يستوعبوا الدرس جيدًا، ومن ما زالوا يحلمون بالعودة إلى سابق عهدهم الفاسد داهسين كرامة المصريين ودم شهدائهم, شهداء الثورة وما قبل ذروة الثورة، ممن راحت زهرة عمرهم في معتقلات الحاكم العار, ومَن ماتوا تحت وطأة التعذيب لا على يد صهاينة، بل على يد جلادي صناعة مصرية خالصة لحساب سيدهم؛ ليأكلوا لقمة السحت ممزوجة بدم المظلومين وأنات الثكالى والأيتام والأرامل, أولئك الجلادون الذين رضوا لأنفسهم سبيل الدنايا للبقاء على كراسي العار لا في خدمة الناس بل في خدمة نظام حكم عادَى ثوابت الأمة وأحلام أبنائها، واستباحها وأباحها غنيمة لأفراد التشكيل العصابي من حوله, حتى صار من النوادر أن تجد لصًّا سرق ملايين وليس مليارات من دم المصريين، وعلى حساب حقهم في حياة كريمة!.
لم تبدأ ثورة مصر يوم الخامس والعشرين من يناير, وإنما كان ذاك يوم ذروتها, فلقد حمل الأحرار شعلتها ولم تخمد يومًا واحدًا, والشاهد على ذلك أنه في سنوات حكم العار تمَّ أسر نحو مائة ألف مصري في معتقلاته, وهناك صحف أغلقت، وصحفيون من خيرة الكفاءات شرع الطاغية في قصف أقلامهم ولوحقوا بالاتهامات ولم ينثن عودهم، وقوائم الشرف طويلة من كلِّ الأطياف, وهناك مَن طُوردوا من عمل إلى عمل، ومن سحلوا على يد الأغوات خدم أسيادهم ممن تفننوا في إذلال المصريين، ومع هذا لا خمدت الثورة ولا خمد صوت الأحرار، فكنًّا في كلِّ يوم نرى الاعتصامات والاحتجاجات والانتفاضات وكلمات الحق مدوية!.
واليوم هناك ملف ضخم هائل رهيب عظيم مفجع، ولولا أن المقام لا يتسع لعددت أوصافًا طويلة, هذا الملف هو ملف المظالم والمظلومين والظالمين.
ولنرتب الأمر على نحو منطقي هادئ, هناك عدوان إجرامي تمَّ على أشخاص المواطنين مما يسمى جرائم الأشخاص، وعدوان إجرامي آخر تمَّ على مالهم وهو ما يسمى جرائم الأموال, ولن أتحدث عن جرائم سياسية، كالتعاون مع الصهاينة ضدَّ أهلنا، فذلك ملف له مجال آخر, ولكني أتحدث في مجال الجرائم الجنائية الصرفة, وفيما تعلق بالعدوان على الأشخاص فإن لدينا أناسًا اعتقلوا بلا ذنب ولا جريرة إلا أنهم قالوا ربنا الله, وهناك مَن عُذّبوا في السجون على أيدي زبانية الحاكم العار, وهناك مَن استشهدوا على يد الجلادين, وهناك مَن لُفِّقت لهم ولهن قضايا بعضها مشين لإلهاء الناس وتحويل انتباههم من أمر إلى أمر، ولو كان الثمن دمغ الأبرياء والبريئات بالعار, وفيما تعلق بجرائم الأموال فإن لدينا قائمة طويلة من الرشوة والاستيلاء على مال الشعب المصري وتسهيل ذلك للآخرين، ومن ذلك إهداء الحاكم العار غاز مصر لأحبائه الصهاينة بهبة مستترة تتخفى في ستار عقود بيع وبيع المؤسسات والأراضي بإهدار مئات المليارات, ولدينا جرائم الكسب غير المشروع وغيرها, وكل ذلك مؤثم لا بقوانين استثنائية وإنما بقانون العقوبات العادي, وما أقوله ليس ضربًا من الخيال ولا أقوال مرسلة قائمة على افتراضات, فَمَن قُتِلوا ومَن عُذِّبوا ومَن اعتقلوا ومن أهدرت كرامتهم ومَن لُفِّقت لهم قضايا هم جميعًا معروفون بالاسم, وأما المال المهدر فهو أرقام حسابية وهي مسجلة وليست موضع ريبة.
ونحن اليوم في مفترق طريق, إما أن تواصل الثورة سيرها فتُطَهِّر وتنقي وتعلي ميزان العدل؛ فينال مَن ظُلِم حقه وينال من اعتدى جزاءه, بحيث نرسخ في مجال العمل العام قاعدة تكون درسًا للمستقبل، مؤداه أن المعتدي يُسأل مهما طال الزمن، وأن المجرم يدفع ثمن جريمته, وإما أن نرسخ قاعدة أخرى تكون شرَّ إغراء للمجرمين مستقبلاً، مؤداها أن مَن يغنم يمر بالغنيمة ولا يلاحق، وأن مَن يَقتل أو يهدر كرامة الناس يبقى محصنًا من المساءلة.
وإذا كانت الثورة قد قامت على تضحيات أجيال ونجحت بدم خيرة أبناء الوطن, فكيف نترك لليوم أكابر المجرمين أو أصاغرهم بلا مساءلة؟ هل الذين قَتلوا أو نَهبوا مجهولون أم أنهم ما زالوا فوق القانون؟ لن أعدد الأسماء فالقوائم معلومة للكلِّ, وعلى رأسها يأتي المخلوع محمد حسني مبارك وعائلته ممن نسبت إليهم اتهامات جنائية أيًّا كانت.
ولقد قلت من قبل وقال غيري ولكن لا أحد يريد أن يسمع، وإنما الرهان فيما يبدو على أن يمر الأمر دون مساءلة!، وهو رهان خائب يهين لا وعي الناس فحسب بل يهين كرامتهم ودماءهم أيضًا!.
أقول في يقين وجلاء لا أحد في هذا الوطن يملك حق إفلات أحد من جرائمه، سيما إذا كان ضحايا تلك الجرائم شعبًا بأكمله عدا أفراد العصابة الإجرامية والأغوات المتناثرين في أرجاء الوطن ممن نالوا بعض الفتات من مال أو نفوذ!.
إن إقامة العدل ليست ملتمسًا من أحد لأحد مهما كان مقامه، وإنما هي أمر جازم واضح لا لبس فيه يصدر من الشعب- مصدر كل سلطة- إلى كلِّ مَن يعنيهم الأمر, فإن ظلَّ مسلسل التغاضي قائمًا فإنني أطالب بوقفة ملايينية في كلِّ بقاع مصر تطالب بالعدالة وترفع مطالب المصريين عاليًا وتفرضها فرضًا, لا بدَّ من محاكمة كلِّ مَن عذب، وكلِّ مَن قتل، وكلِّ مَن سحل، وكلِّ مَن سرق مالنا، وكل مَن اعتدى على كرامة المصريين, ولا بدَّ أن يعلم كلُّ مَن يعنيهم الأمر أن زمن التغاضي عن إهدار مال الناس ودمهم وكرامتهم قد ولَّى إلى غير رجعه, وأنه لا وصاية لأحد على الناس، ولا عصمة لمخلوق تعلو فوق كرامة الناس ومالهم ودمائهم!.
إنني أطالب بتشكيل هيئة قضائية للتحقيق في المظالم كلها صغيرها وكبيرها تحت رئاسة قاضٍ بدرجة نائب رئيس وزراء تكون مهمتها رد الحقوق لكلِّ مَن ظلموا، وإنزال سيف العدل على الظالمين كلٌّ حسب ما جنت يداه, لا بدَّ من القصاص العادل عقابًا للمجرمين وجبرًا لخاطر المجروحين وردعًا لاحقًا لكلِّ مَن تسول له نفسه أن يفكر في العدوان على خلق الله!.