شهدت مصر في تاريخها الحديث عددًا من الثورات قام بها أبناؤها من الشباب استطاعوا من خلالها أن يغيِّروا من الواقع الأليم الذي كانت تعيشه مصر في فترات من تاريخها المعاصر، ونحاول في الصفحات القادمة أن نستعرض بعضًا من كفاح أبنائها لنيل حريتها وكرامتها.
أولاً: مصطفى كامل:
وقائع كفاح الحركة الوطنية في ظلِّ زعامة مصطفى كامل ليست كثيرة بحكم قصر مدة حياة مصطفى كامل، الذي يسميه المؤرخون المعاصرون (زعيم الوطنية المصرية) المعاصرة،
وقد جاء مصطفى كامل في عصر كان يشهد ذبول الدولة العثمانية، واستفحال سلبياتها على إيجابياتها, ورأينا كيف قدَّمت مصر على طبق من ذهب للاحتلال البريطاني، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كان الأمر قد استقر بالاحتلال البريطاني لمصر بعد انكسار الثورة العرابية.
لذلك ظهر مصطفى كامل في أحلك الظروف, وكان الإعلاء من الوطنية المصرية هو الرد المناسب الصحيح على تداعي الإمبراطورية العثمانية، وتزايد فقدان الأمل في إصلاحها (ورأينا محاولات الأفغاني في ذلك)، وكان الإعلاء من الوطنية المصرية هو الرد المناسب والصحيح على الاحتلال البريطاني، ذلك أن إنقاذ مصر من براثن هذا الاحتلال، لن يكون بدون إشعال نيران الوطنية, فمصطفى كامل كان مقتنعًا أن الوطنية المصرية هنا هي العاصم من الاحتلال، وأيضًا العاصم من الالتحاق بدولة فاشلة منهارة!! (الدولة العثمانية).
عاد مصطفى كامل من باريس في ديسمبر 1894م, وكان قد قطع عهدًا على نفسه ألا يعمل بالحكومة واعتزل المحاماة والمرافعة أمام المحاكم قبل أن يبدأ! وتفرَّغ للقضية الوطنية.
وكان لديه الإرادة على تحويل مجرى التاريخ! رغم أنه كان فردًا وحيدًا, وهذا الاعتقاد مهم جدًّا أن يكون عند الزعيم حتى يحول هذه الطاقة (الفكرة) إلى قوة محركة على أرض الوقع, وخلال عودته من باريس تصادف أن كان شقيق اللورد (كرومر هو المندوب السامي للاحتلال البريطاني) وأجرى معه حديثًا أو حوارًا ونشره بـ(الأهرام)، وجاء فيه أن شقيق كرومر سأله مَن ينصركم في أوروبا لإنهاء الاحتلال! فقال مصطفى كامل: (لنا أوروبا بأسرها التي تناديها صوالحها العديدة بأن تنصرنا بنصرة هذه الصوالح التي سعيتم من يوم احتلالكم البلاد في تقويض أركانها، على أنها إن لم تنصرنا فإن لنا من حقنا واتحادنا بوصف أننا أمة عظيمة ذات حضارة قائمة مأثورة ما نبلغ بهما إلى ما نصبو من حرية واستقلال) هذا الموقف هو بذرة جهاد مصطفى كامل التي ستنمو وتترعرع خلال 13 سنة هي ما تبقى من حياته (1895-1908)، ويمكن تلخيص ذلك في نقاط:
1- إن سلاح مصطفى كامل الأساسي هو الكلمة من خلال الحوار أو الأحاديث التي يدلي بها أو المقالات الصحفية أو الخطب الجماهيرية البليغة، وقد كان إيقاظ مصر وإعادتها إلى طريق القضية الوطنية يحتاج لذلك التنشيط والإيقاظ، بعد الركود واليأس اللذين أصابا البلاد بعد انكسار الثورة العرابية واحتلال مصر، وخلال هذه السنوات لم يدعو مصطفى لإضراب واحد، أو مظاهرة واحدة، أو اعتصام، أو وقفة، أو عصيان (إلا في مسألة عدم التشجيع على التوظيف في الحكومة، وبدون تركيز كبير على ذلك) ولم يدعو- من باب أولى- لأي مقاومة عسكرية.
ونرى أن ذلك كان هو الموقف الصحيح- بشكل عام- في هذه المرحلة, فأنت في مرحلة إيقاظ للنائم, وهذا يحتاج لبعض الوقت، مرحلة تشجيع الخائف، وهذا يحتاج لقدوة, وأيضًا يحتاج بعض الوقت، مرحلة الانتقال من اليأس إلى الأمل.
وقد نجح مصطفى كامل في مهمته التاريخية، فلم تعد مصر بعد وفاته هي مصر قبل وفاته، وكانت جنازته الرهيبة هي المظاهرة الكبرى الوحيدة التي نظَّمها ولكنه نظمها بجثمانه، وكانت علامة فارقة بين مرحلتين، فبعد رحيله انطلقت الحركة الوطنية من عقالها إلى أوسع مدى ممكن حتى ثورة 1919م وما بعدها.
2- إن مصطفى كامل كان محميًا بمظلة إعلامية وطنية تنشر كل سكناته وحركاته خاصة (المؤيد، والأهرام)، حتى أنشأ هو صحيفة (اللواء).
3- زياراته المتعددة لأوروبا ففي مايو 1895م عاد لأوروبا من جديد في أول زيارة له غير متعلقة بالدراسة، ولكن للدعاية للقضية الوطنية، في هذا العام راسل الأديبة الفرنسية الشهيرة جولييت آدم برسالة كانت هي بداية العلاقة معها. (سيدتي.. إني ما أزال صغيرًا، ولكن لي آمالاً كبارًا، فإني أريد أن أوقظ في مصر الهرمة مصر الفتاة، هم يقولون إن وطني لا وجود له، وأنا أقول يا سيدتي إنه موجود وأشعر بوجوده بما آنس له في نفسي من الحب الشديد الذي سوف يتغلب على كلِّ حبٍ سواه، وسأجود في سبيله بجميع قواي، وأفديه بشبابي، وأجعل حياتي وقفًا عليه.. وقد قيل لي أكثر من مرة إني أحاول محالاً، وحقيقة تصبو نفسي إلى هذا المحال!).
الوطنية المصرية شعور فطري إنساني طبيعي موجود ومطلوب في كلِّ الأزمان، ولكن عندما تتمزق الأمة المصرية تحت أقدام الطغاة والمفسدين والمرتشين، فالمهمة الأولى لكلِّ فردٍ أن يحرر نفسه.
*********
ثانيًا: الإمام حسن البنا:
بدأ "حسن البنا" اهتمامه بالعمل الإسلامي في سن مبكرة، واشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وكان محبوبًا بين زملائه في المدرسة، فأنشأ معهم (جمعية الأخلاق الدينية)، وبعدها (جمعية منع المحرمات)، كما شارك في ثورة 1919م، وهو في الثانية عشرة من عمره.
- كان "حسن البنَّا" منذ نعومة أظفاره محبًّا للناس، يريد أن يأخذ بأيديهم إلى الخير، ويرشدهم إلى طوق النجاة، فاشترك منذ صغره في تأسيس جمعيات دينية وأدبية وأخلاقية؛ لمطاردة المنكر، ومحاربة كلِّ محرَّم، ودعوة الناس للاستقامة، وكان لا يسكت عن منكر، فكان يسعى إلى تغييره بالحسنى والموعظة الحسنة.
يَحكي لنا الإمام "البنَّا" في مذكراته: "مررت ذات يومٍ على شاطئ النيل وأنا تلميذ، فلاحظت أن أحد أصحاب السفن وضع في مقدمتها تمثالاً عاريًا على صورة تتنافى مع الآداب، وبخاصة أن هذا الشاطئ تتردد عليه السيدات والفتيات يستقين منه الماء، فذهبت إليه ونصحته بإنزال هذا التمثال، فلم يستمع لنصيحتي، فذهبت فورًا إلى ضابط النقطة، وذكرت له ما رأيت- وأنا غاضب- فقام الرجل على الفور، وهدد صاحب السفينة، وأمره بإنزال التمثال حالاً، ولم يكتفِ الضابط بذلك؛ بل ذهب في صباح اليوم التالي إلى المدرسة، وأخبر الناظر الخبر في إعجابٍ وسرورٍ، فسُرَّ الناظرُ وأذاع الخبرَ على التلاميذ في طابور الصباح".
- يتحدث عن فترة طفولته، فيقول:
"رغم انشغالي بالتصوُّف والتعبد، أعتقد أن الخدمة الوطنية جهادٌ مفروضٌ لا مناص منه، فكنت- بحسب هذه العقيدة، وبحسب وضعي بين الطلاب؛ إذ كنت الأول عليهم- مُلتزمًا بأن أقوم بدورٍ بارزٍ في هذه الحركة الوطنية، فأذكر يوم أن مات "محمد فريد" دخل علينا أستاذنا الفصل، وقد أغرورقت عيناه، وأخذ يحدثنا عن سيرته، وكفاحه وجهاده في سبيل الوطن، حتى أبكى التلاميذ جميعًا، وانفعلتُ بهذا الجهاد، فقلتُ أبياتًا، كان أولها:
أفَرِيدُ نَمْ بِالأمْنِ وَالإِيمَانِ
أفَرِيدُ لاَ تَجْزَعْ عَلَى الأوْطَانِ
ودفعه شعوره الوطني المتأجج إلى كتابة قصائدَ وطنيةٍ عديدةٍ، وهو لم يزل في الثالثة عشرة من عمره، من بينها:
يَا مِلْنَرُ ارْجِعْ ثُمَّ سَلْ
وَفْدًا بِبَارِيسَ أقَامْ
وَارْجِعْ لِقَوْمِكَ قُلْ لَهُمْ
لاَ تَخْدَعُوهُمْ يَا لِئَامْ
- هذا هو الإمام "البنَّا": تدينٌ صادقٌ، حُسْنُ خُلق، وحُسن عِشْرة مع الزملاء، تفوقٌ دراسيٌ، إيجابية، وطنية، وجرأةٌ في الحق.
لقد كان شابًّا مسلمًا عقيدةً وخُلقًا، وعِلمًا وقولاً؛ وهو ما جعله معلمًا ومرشدًا لآلاف الآلاف ممَّن يرجون رضا الله ونصرةَ الإسلام وعِزَّ المسلمين، فرحمه الله، وتقبله في الصالحين.
كان الرجل يسعى لاستيعاب الجميع ومشاركتهم مشاركة حقيقية؛ توظيفًا للطاقات لا سعيًا للاحتواء والتذويب، كان من مزايا هذا الرجل إيجابيته في التعاطي مع الأحداث والأشخاص، وقدرته على الجمع بين دوائر الأمة كلِّها، ابتداءً من الدفاع عن قضايا مجتمعه المحلي وقضاياه الوطنية وصولاً إلى عالمية الإسلام، فلم تمنعه عالميته من الوفاء لمصريته، فقدَّم روحه تقربًا لله، وفداءً لدعوته.
قبل سبعة وخمسين عامًا عاش ظروفًا تشبه في معطياتها ظروف الأمة في هذه الأيام، في كثير من وجوهها ووضع للخلاص من هذه الظروف منهجًا نعتقد أنه ما زال صالحًا لإقالة الأمة من عثرتها في زمانها هذا، ولعل استشهاد الإمام البنا على يد زبانية قصر فاروق وعملاء الاستعمار البريطاني يؤشِّر على أن بعض المحسوبين على الأمة يكونون خطرًا عليها، وعلى أبنائها وطموحاتها أكبر من خطر أعدائها أنفسهم، بل إن هؤلاء المحسوبين على الأمة يكونون أجرأ عليها وعلى أبنائها من أعدائها فإن العملاء أشد فتكًا بالأمة من أعدائها.
ومن صور جهاد البنا:
- أنه تصدَّى لمحاولات نهب ثروات الأمة، سواء من المتسلطين على مقدراتها من المحسوبين عليها، عبر الرشوة والعمولات وغيرها من صور الفساد، أو من خلال مقاومته لتسلط الأجنبي على ثروات هذه الأمة.
- عدم التفات الرجل إلى مقولة توازن القوى، فقد انصرف الرجل إلى الأخذ بالأسباب، وترك النتائج لله، وهي قاعدة إسلامية لم تأخذ بها الأمة إلا وأفلحت، فهذا الشاب لم تثنه معسكرات جيش الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس عن التصدي لمقاومتها، وقد استطاع خلال أقل من عشرين سنة على تأسيس جماعته وقيامه بدعوته أن يستقطب من حوله مئات الآلاف من شباب الأمة ورجالها ونسائها، وهي حالة تؤكد تعطش هذه الأمة الدائم للقيادة الصادقة المنحازة إلى دينها وعقيدتها، ففي كلِّ الأحوال التي ظهرت فيها مثل هذه القيادة التي يمثل البنا نموذجًا من نماذجها انحازت إليها الأمة وناصرتها وانتصرت بها.
وإذا كان انحياز الإمام البنا لدين الأمة وعقيدتها هو السبب الرئيسي لانحياز جماهير الأمة لدعوته، فإن العناصر الأخرى التي اجتمعت في شخصية الرجل شكلت أسبابًا إضافية لهذا الانحياز، ولعل من أبرز هذه العناصر قدرة الرجل على التجميع من خلال تجاوز أسباب الخلاف والانقسام، إذا لم تكن هذه الأسباب تتعلق بجوهر الدين والعقيدة، ولعلنا في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا أشد ما نكون حاجة إلى منهج الرجل في الاتفاق على الكليات، وتجميع الطاقات، فنتعاون على ما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا عليه، ولعل هذه القاعدة الذهبية من أهم أسباب نجاح الرجل في تجميع قدرات الأمة وطاقاتها، بحيث لم يترك فرصة لتوحيد الصف، وجمع الكلمة إلا واهتبلها، فقد كان الرجل يؤمن بأن وحدة الأمة هي طوق النجاة لها، مثلما كان يؤمن بأن وحدة الوطن هي أساس منعته؛ لذلك لم يترك شريحة اجتماعية أو عمرية إلا طرق بابها.
إن قدرة الإمام الشهيد حسن البنا على تجميع الطاقات، ورصِّ الصفوف وتوحيد الكلمة، نابعة أولاً وقبل كلِّ شيء من فهمه للإسلام ودعوته، باعتباره دين وحدة وتوحيد أولاً ودينًا للناس كافة، لا يجوز أن تنحصر دعوته في مفهوم حزبي ضيق، ولذلك فإن أخطر ما تتعرض له دعوة الإسلام والجماعات والجمعيات التي تقوم على أساس الإسلام أن تتحول إلى أطُر تحكمها التعليمات الحزبية الضيقة أو أن يسعى البعض إلى حصرها في إطار الملكية الخاصة لهذه المجموعة أو تلك، تحقيقًا لمكاسب شخصية ضيقة، ففي ذلك خروج على منهج الإسلام الصحيح، وعلى فهم الإمام البنا لهذا المنهج الذي يشكل حجر الأساس في تجميع الأمة، وحشد طاقاتها، وهو ما نجح فيه الإمام البنا الذي اتصف بقدرته على الحشد، وهي إحدى نتائج قدرة الرجل على الصفح والتجاوز عن الإساءة في سبيل الهدف العظيم الذي تجرَّد له ونذر حياته في سبيله، فالتجرد من أهم مزايا الشهيد حسن البنا.
وإذا كان البنا ذا قدرة فذَّة على الحشد، فقد كان ذا قدرة كبيرة أيضًا على تحريض الأمة، لانتزاع حقها وتحريرها من القيود التي تعيقها، مستعينًا في ذلك بقدرته على تصوير واقع الأمة والتأشير على مواطن الخلل بصورة مباشرة لا تثنيه عن ذلك التكاليف الباهظة التي يتطلبها تغيير واقع الأمة، فتغيير الواقع السيئ هو الهدف الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين؛ لأنه في الأساس هدف الإسلام الأول الذي يرفض المصالحة مع الواقع الفاسد، والبنا في سعيه لتغيير الواقع إنما يعتمد الأسلوب الرباني الذي يقوم على التربية وتغيير ما في النفوس.
- وإذا كان البنا- رحمه الله- لم يخف من تكاليف مواجهة الواقع الداخلي للأمة، فإنه لم يخف كذلك من تكاليف مواجهة أعدائنا الخارجيين؛ لذلك لم يتردد في مواجهات اليهود والإنجليز في الخارج، وفي مواجهة الفساد السياسي والاجتماعي في الداخل، وقد أخذ في سبيل ذلك بكلِّ الأسباب فتعددت أساليب دعوته وأماكنها، فلم يحصر نفسه في المساجد ودروسها، ولا في القاعات ومحاضراتها وخطبها؛ بل انطلق إلى المقابر والمقاهي يخاطب روادها بلغتهم فيصلح من أحوالهم، ويحول الكثير من رواد هذه المقاهي إلى جنود لدعوة الله، وقد تمكن عبر ارتياده هذه الأماكن من إصلاح الكثير من الآفات الاجتماعية.
وهو في تنويعه لأساليب دعوته ولأدواتها كان لا يتوقف عند حدود الكلام، بل كان يحول كلماته إلى واقع يعيشه الناس؛ فلم يتحدث طويلاً عن أهمية الإعلام فحسب، بل بادر إلى تأسيس الصحف وإصدارها، ولم يتحدث طويلاً عن الإصلاح الاقتصادي بل أسس وأقام المؤسسات الاقتصادية التي من شأنها أن تكون المثل والنموذج للراغبين في حلِّ المشكلة الاقتصادية على أساس الإسلام، ولم يتحدث عن تربية الشباب نظريًّا فحسب، ولكنه أقام لهم فرق الجوالة وغيرها من الأنشطة التي توظف طاقاتهم لما يفيد الأمة، وتحميهم من الانحراف، ولم يكتف بالحديث عن الجهاد بل أسس كتائب المجاهدين التي اتعبت اليهود والإنجليز في فلسطين ومصر، قبل أن يتآمر عليها بعض المحسوبين على الأمة، وهذا كله فوق أنه دليل وبرهان على عدم إيمان الرجل بمقولة توازن القوى التي تثبط الهمم، فإنه أيضًا دليل على ما يمكن أن تفعله الإرادة الصادقة والتخطيط السليم وفهم روح العصر، والأخذ بأسبابه وأدواته، وهو قبل ذلك وبعده مؤشر على التزام الرجل بتحويل كلماته إلى واقع ملموس؛ فقد خاطب إخوانه من أبناء جماعة الإخوان المسلمين قائلاً: "أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم على أرضكم".
وهذه المقولة للإمام حسن البنا تلخص منهجه في الدعوة على أساس فهمه الصحيح للإسلام؛ ففي فكر الإخوان لا تأتي الدولة أولاً، ذلك أن الدولة الإسلامية لا يمكن أن تقوم قبل قيام المجتمع المسلم، والمجتمع المسلم لا يمكن أن يقوم قبل أن تقوم الأسرة المسلمة، والأسرة المسلمة لا يمكن أن تقوم قبل قيام الفرد المسلم، إذن فالفرد هو الأساس وهو أولاً، فالإخوان المسلمون كما رآهم البنا لا يريدون أن يحكموا بالإسلام ولكنهم يريدون أن يُحكَموا بالإسلام، وهم- كما رآهم البنا- لا يرون في أنفسهم جماعة المسلمين ولكنهم جماعة من المسلمين، والإخوان المسلمون- كما أرادهم مرشدهم الأول- لا يريدون فرض الأمر على الناس بالقوة والعنف، ولكنهم أصحاب كلمة طيبة يرون في أنفسهم دعاة لا قضاة، والمتتبع لأحوال البلاد الإسلامية سيلمس أنه حينما ترك الإخوان يعملون بحرية لدعوة الله ساد الهدوء والسلام، وحيثما ضيق الخناق عليهم اضطرب المجتمع وفقد الأمن والسكينة؛ حيث تحل محل الإخوان وأسلوبهم السلمي جماعات تميل إلى العنف والتطرف، ويقودها عنف الشباب لا حكمة الشيوخ، وروحانية الدعاة التي اتصفت بها جماعة الإخوان المسلمين.
إن الأمة أشد ما تكون حاجة في زماننا هذا إلى استلهام سير قادتها ودعاتها من أمثال الشهيد حسن البنا الذي جاء من رحم الأمة وفهم واقعها، وانحاز إلى دينها وعقيدتها، وسعى إلى حشد طاقاتها وتحريضها لنيل استقلالها عبر منهج كامل متكامل يستند إلى شمولية الإسلام، وفهم روح العصر، والأخذ بأسباب النصر.
ثالثًا: أحمد حسين:
دخل أحمد حسين تاريخ الكفاح المصري المعاصر، بل والعربي والإسلامي المعاصر كحلقةٍ من حلقات سلسلة طويلة من الكفاح الوطني الإسلامي المعاصر في مواجهة الاستعمار والاستبداد والطغيان والجبروت، بدءًا من محمد كُريم وعمر مكرم، ومرورًا بالأفغاني ثم مصطفى كامل ومحمد فريد ثم حسن البنا وأحمد حسين.
وبدأ نشاطه السياسي وهو طالب عن طريق الكتابة والصحافة والخطابة، ثم دعا مع مجموعةٍ من الشباب إلى مشروعٍ وطني يستهدف تجميع المدخرات الوطنية لإقامة صناعة وطنية مصرية (هو مشروع القرش) سنة 1931م، وقد نجح هذا المشروع نجاحًا عظيمًا، وبعد تخرُّجه في كلية الحقوق أنشأ أحمد حسين مع مجموعةٍ من الشباب حديثي التخرج حركة (مصر الفتاة) سنة 1933م، مسترشدين بمقولة الزعيم الإسلامي الوطني مصطفى كامل: "أريد أن أوقظ في مصر الهرمة، مصر الفتاة"، وقد دعا هذا الحزب إلى وحدة مصر والسودان وإلى الوحدة العربية والإسلامية، وإلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة، وتقييد الشركات الأجنبية، وأن تكون اللغة العربية هي اللغة المستخدمة في الحياة الرسمية وغير الرسمية، واعتبار يوم الجمعة يوم عطلة رسمية، وإصلاح أحوال الفلاح المصري، وبناء قاعدة صناعية وطنية، وفرض حماية جمركية على الصناعة الوطنية، والتعليم المجاني، والعلاج المجاني.
ثم أنشأ أحمد حسين الحزب الوطني الإسلامي عام 1940م، وطرح فكرة توحيد القوة الإسلامية في مصر والعالم العربي، ثم الحزب الاشتراكي سنة 1949م، الذي اعتمد على مبادئ العدالة الاجتماعية في الإسلام، وقد اهتمت برامج هذه الأحزاب السياسية التي أنشأها وترأسها أحمد حسين بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية، وإلغاء كلِّ ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية، وإنصاف الفلاحين والعمال والفقراء، وحق العمل والإضراب والتأمين الاجتماعي، وتشكيل النقابات والاتحادات للفلاحين والعمال، وحق التعليم والعلاج المجاني.
كما دعا أحمد حسين إلى إنشاء مصانع للحديد والصلب، وإنشاء هيئة للطاقة الذرية، وتأميم قناة السويس.
- في سنة 1933م وفي اليوم الثاني عشر من أكتوبر حرص أحمد حسين على أن يطلق بعض مبادئه، قائلاً:
"يا شعب مصر، أيها الشعب الذي صاحب الزمن، يا أمجد شعب في الوجود وأعظمه، لقد حانت ساعة اليقظة، لقد حانت ساعة العمل بل قد حانت ساعة الجهاد، وهذه هي مصر الفتاة تتقدم إليك لتجاهد عنك ولتذود عن حياضك، ولترفع صوتك ولتطعم جائعك، ولتعلم جاهلك ولترد عنك كرامتك ولتعيد إليك سابق مجدك".
يا شعب مصر، لقد طال ما رقدنا وها نحن أولاء قد صحونا، لقد طال ما أهملنا وها نحن قد حرصنا، لقد طال صمتنا وها نحن أولاء قد تكلمنا، وإذن فليكن صمتنا مدويًّا، لتكن صرختنا من الأعماق وليكن إيماننا جبارًا يدك الجبال، وليكن شعارنا مصر فوق الجميع.
إن الأجانب يغزوننا ويسدون علينا طريق الحياة، والاحتلال قطع أوصالنا وحرمنا السودان، والأمية والجهل يخيمان على سوادنا، ويملآن القلوب حيرةً وظلامًا، والأزمة فتَّاكه تهلك الحرث والنسل وتسلبنا القوت والماء، ونحن في كلِّ ذلك نلهو ونتخاصم، ونحارب بعضنا حتى لقد سقطنا صرعى، ووقف العدو يشاهد كلَّ هذا باسمًا ظافرًا فخورًا، إنه تغلَّب على النسر المصري بأهون سبيل، واختتم الزعيم الشاب نداءه بالآتي: "ننتصر لأننا سنحتمل كلَّ شيء من أجلك يا مصر، ولأننا سنضحي في سبيلك يا مصر".
- دخلت حركة (مصر الفتاة) التاريخ المعاصر، كأحد روافد الحركة الإسلامية المعاصرة، باعتبار أن الحركة الإسلامية حركة تحرر وطني، وباعتبار أن حركة التحرر الوطني المصري والعربي هي إسلامية بالضرورة؛ لأن الإسلام كان جذرًا ثقافيًّا لها؛ ولأن الإسلام هو وجدان الجماهير، والجماهير هي وحدها السلاح في مواجهة التحديات المعاصرة من استعمار وصهيونية وتبعية؛ ولأن هذه التحديات ذاتها هي جزء من الصراع الطويل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
وقد لعب أحمد حسين دورًا كبيرًا في التحريض على الثورات الفلاحية ضدَّ الإقطاع في الريف المصري مثل: انتفاضات الفلاحين في قرى كفور نجم وبهوت وميت نضالة.
وقد كان لأحمد حسين أكبر الأثر في هدم النظام الملكي في مصر، فقد ظلَّ طوال حياته يهاجم الملك والحاشية والفساد بلا هوادة، كما نظَّم أحمد حسين كتائب التحرير للتدريب على السلاح وإعداد المجاهدين للقتال ضدَّ الإنجليز في القناة، أو ضدَّ الغزوة الصهيونية في معارك عام 1948م.
وقد دخل أحمد حسين السجن عدة مرات، وعاش فترات طويلة مطاردًا هاربًا بسبب ذلك النشاط، وقد اتهم عدة مرات بالعيب في الذات الملكية، وفي عام 1952م دبَّر الإنجليز والملك حريقًا كبيرًا في القاهرة، وتمَّ اتهام أحمد حسين بتدبيره، واعتُقل على ذمة التحقيق في هذه القضية تمهيدًا لصدور الحكم بإعدامه، إلا أن انقلاب الجيش في يوليو 1952م أفسد تلك المحاولة.
استطاع أحمد حسين أن يقدم نموذجًا فذًّا لبرنامج اجتماعي منحاز إلى الفقراء؛ استنادًا إلى الشريعة الإسلامية والمنهج الإسلامي، كما جمع بشكلٍ فذٍّ بين الوطنية والإسلامية في نسيج متسق منسجم، وفي الحقيقة فإن الإسلامية تقود بالضرورة إلى الوطنية؛ لأننا نعمل في أمة إسلامية، وشعوب إسلامية تعاني من غزو حضاري غربي يريد اجتثاث الإسلام والحضارة الإسلامية، وكذا فإن الوطنية تعود بالضرورة إلى الإسلامية؛ لأن طبيعة الصراع تحتم ذلك، وكذا طبيعة الأعداء والحلفاء، ولا شكَّ أنه لا تناقض في منطقتنا العربية بين الوطنية والإسلامية، بل الإسلام والجذر الثقافي الإسلامي شرط ضروري لنجاح أي حركة تحرر وطني؛ لأنه لا يمكن مواجهة التحدي الاستعماري الصهيوني بأدوات ومناهج مستوردة منه، ونابعة من نفس أرضيته الحضارية، بل لا بدَّ أن تكون مستمدةً من أرضية حضارية مغايرة، ولا بدَّ أكثر أن تكون نابعةً من نفس تربيتنا ومن جذورنا الثقافية والحضارية حتى تكون قادرةً على المواجهة والصمود وتحريك الجماهير.
ولعل أحمد حسين كان دقيقًا مع نفسه، فاتسم بالمراجعة المستمرة لها ليؤكد هذه النقطة، ومنعًا للالتباس فإنه أكد دائمًا أن خير ما انتهى إليه التطبيق الاشتراكي من توفير ضمانات اجتماعية، وهو أول تعاليم الإسلام وجوهرها وروحها، وأنه حين دعا إلى الاشتراكية كان حريصًا على أن يحدد اشتراكيته بأنها بعيدة كل البعد عن اشتراكية ماركس وغيره من الفلاسفة والسياسيين الغربيين، بل هي ضدها على خط مستقيم، وأن مضمون هذه الاشتراكية لم يكن إلا تعاليم الإسلام ولا زيادة، وأنه أعلنها مدوية إسلامًا وعدالة اجتماعية وليس اشتراكية منعًا للبس وللتدقيق في وصف القصد.
رابعًا: صحوة الشباب:
شباب مصر على اختلاف توجهاتهم من يسار وإخوان وحركة كفاية و6 أبريل وغيرها، كلها نجحت في تغيير الوضع الذي ظلَّ الشعب يرزح تحته منذ ستين عامًا.
------------------
*موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية- أسوان.