كان من أسوأ صور الفساد في مصر وجود هذا الجهاز الذي طغى على كل شيء، وأصبح المتصرف في مقدرات الشعب المصري دونما محاسب أو رقيب.
إن هذا الجهاز من أحطِّ معالم الاستبداد والقهر، فكلمته هي العليا وأمره لا يُرد، وهو الذي يأمر فيُستجاب له، وينهي فلا يستطيع أحدٌ أن يراجعه.
وتغوَّل هذا الجهاز حتى أصبح المتحكم في كل شئون الحياة في مصر السياسية والاجتماعية والحياتية والعلمية والاقتصادية بل والعبادية، وأصبح مخبر أمن الدولة الجاهل يمنع أستاذ الجامعة من الاستجابة لدعوة المؤتمرات العلمية العالمية (وهذا الذي حدث معي).
لقد عذب هذا الجهاز شرفاء مصر في مقراته التي لم يكن لأي سلطة في البلد أن تعلم عنها شيء؛ لقد قتل هذا الجهاز الكثير من كرام المجتمع (مسعد قطب- طارق غنام وغيرهما) دونما حساب، بل ذهب به الأمر أن يخوف أهل الشهداء ويهددهم بالقتل والاعتقال إذا طالبوا بأدنى حقوقهم، لكم عانت الأسر الكريمة من زيارتهم التي لم تكن تتم إلا بليلٍ يعيثون في البيوت فسادًا وتخريبًا.
وتنفسنا الصعداء عندما تمَّ حل الجهاز، ولو تركوا الشعب يُعبِّر عن مشاعره لانتقموا من كل ضابطٍ في هذا الجهاز؛ ردًّا على ما فعلوه من آثام لا تعد ولا تحصى، ولكن أبى الشعب الكريم وعلى رأسهم الإخوان المسلمون (وهم أكثر الناس الذين أصابهم أذى تلك العصابة الإجرامية) إلا أن يحموهم ويسلمونهم للجيش، وانتظرنا جميعًا أن يتم الإعلان عن محاكمة هؤلاء الأوغاد الذين كانوا أكبر عاملٍ في تخريب المجتمع المصري.. ولكن..؟!!
فوجئنا جميعًا بما لم يكن متوقعًا، الإفراج عن هؤلاء القتلة السفاحين الذين عاثوا في الأرض فسادًا، واختيار البعض منهم خبراء للجهاز الأمني الجديد.
با للهول.. كيف هذا؟؟ لن يكون الشعب أبدًا مسرحًا لعبث هؤلاء المجرمين ثانيةً.
بالأمس كان البوليس السياسي، وتغيَّر اسمه إلى المباحث العامة، ولم يتغير جوهره بل ازداد قهرًا وتقتيلاً وتعذيبًا، ثم تغير اسمه إلى مباحث أمن الدولة (واتسعت سلطاته) حتى طغت على كل السلطات (التشريعية- القانونية- التنفيذية)، وأصبح الحاكم بأمره.
كنا نأمل من السلطة الجديدة أن تراعي مشاعر الشعب، وأن تدرك أن ما يدور في هذا المجال لا يطمئن على الإطلاق ولن يلقى قبولاً من أحد.
ولكن في غفلةٍ من الأحداث يتم تكوين جهاز الأمن القومي لمحاربة الإرهاب والتجسس؟؟
والمعلوم في كل الدنيا أن المخابرات العامة (وهو جهاز كبير في مصر) هو المنوط به هذا الأمر، ولقد كان للمخابرات العامة المصرية أدوارًا عظيمةً سجَّلها لهم التاريخ.
أما الإرهاب.. هذا المسمى الهيولي والذي لم يتم تعريفه إلى الآن، فقد حُوكم به كل الشرفاء من قبل ووجهت لهم تهم الإرهاب.. فهل سيتواصل هذا المسلسل البغيض؟ وهل ستبقى تلك الشرذمة التي شوَّهت تاريخ مصر (خبراء لهذا الجهاز الجديد).
يؤسفني أن أرى البعض منهم على شاشات (التلفاز) مثل المدعو فؤاد علام (الذي كان يعذبني شخصيًّا أنا وإخواني ليل نهار في معتقل أبو زعبل) يُقدِّم خبراته وآراءه وتعليقاته على الأحداث (ونحن نرتب الآن لمقاضاته وأمثاله).
نهيب بالسلطات ألا نسمح بتكرار مأساة هذه الأجهزة المشبوهة، والتي تناست أمن المجتمع؛ حتى سمحت للبلطجية أن تسود البلاد وتتحكم في مقدراتها، بل ومن المؤسف أن في هذا الجهاز السابق كان هناك تنظيم خاص بالبلطجية وأصحاب السوابق والمجرمين يفضون به المظاهرات، ويزورون به الانتخابات حتى أصبح هؤلاء المجرمون في حماية أكبر جهاز أمني في الدولة.
أما آن للأمة أن تتحرر من تلك الممارسات التي عصفت بكل مقدراتها ونسفت كل مقوماتها؟!
هل سنعود لنعاني من التجسس على التليفونات والتجسس على البيوت وعلى الأشراف والحرائر؟!
هل سنظل نتحسب من هؤلاء الأوغاد حتى في حجرات النوم وفي أخص خصوصياتنا؟!
هل سنسمح لهؤلاء أن يتدخلوا في حياتنا وجامعاتنا ومرافقنا دون ضابط أو قانون؟!
هل سيظل القانون مكانه سلال المهملات وقانون المباحث هو الساري والمعمول به؟!
هل سنظل نعاني من الأكاذيب وتلفيق التهم والقضايا للشرفاء وأصحاب الرأي؟!
هل سيتم تزوير الانتخابات وطمس الحقائق ونشر الفضائح؟!
على الشعب أن يحافظ على ما تحقق له من حرية، ودفع ثمنها مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وألا يُفرِّط في مكتسباته فلا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين.
-----------
* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين.