ونحن نعيش أجواء الحرية وننعم بفضل الله علينا في تغيير الأحوال إلى أفضل مما كنا نحلم به، لا بد للنفس من وقفات وللعقول من نظرات للوصول إلى أفضل الدرجات على مستوى الفرد والمجتمع في كافة المجالات وتحت ظلال الحرية يكثر الكلام وتشتد سخونة الحوار والتي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى مفاسد أو إضاعة للوقت دون فائدة واغتيال سلامة الصدور التي هي أول مراتب الإخوة بين المسلمين، وأحب أن أذكر بالمبادئ العامة للحوار حتى يؤدي إلى الثمرة المطلوبة من تأليف للقلوب وتجميع للعقول في جميع النواحي والعمق في التفكير والسعي للأصوب قبل الصواب والانطلاق إلى ميدان العمل الفسيح بفهم ورؤية واضحة وأهداف محددة للتعاون في بناء الأمة بعد انهيارها لعقود طويلة.

 

إننا نرى في وسائل الإعلام في بعض الأحيان حتى من النخب حب الانتصار للرأي والجدل العقيم والتعصب المذموم وعدم فتح العقل لاستقبال ما هو مخالف وصحيح لذلك وجب علينا أن نمارس جميعًا آداب الحوار والاختلاف الذي تعلمناه في الإسلام بضوابطه وأسسه العظيمة ومنها:

 

1- استحضار النية:

النية هي أساس كل عمل فإن صلحت صلح العمل وإن فسدت فسد وهي التي تفرق بين العادة والعبادة وهي التي تحول كل كلمة وحركة في حياة الإنسان إلى عبادة عند صلاح النية لذلك لا بد أن يبنى الحوار على نية صحيحة صالحة بعيدة عن الأهواء وحظوظ النفس والرغبة في هزيمة الطرف الأخر بأي شكل في حلبة الحوار والنقاش.

 

2- الائتلاف قبل الخلاف:

إن اتحاد الأمة وائتلافها أهم بكثير من تحقيق أي مكاسب أخرى حتى لو وصلنا إلى ما نريد من الحوار بغير الائتلاف.

 

وينبغي أن تتوحد القلوب والنفوس بعد الحوار لنعمل على أساس سليم وتوجه جماعي قوي يحقق المطلوب تحت راية القواعد الذهبية "الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، "نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه" وليعلم الجميع أن الخلاف ظاهرة صحية إذا أدى إلى الأصوب ولكنه يتحول إلى ظاهرة مريضة إذا أدى إلى الشقاق وفساد ذات البين والتناحر والتنافر والتشاجر وكلها آفات تخرج من رصاص الكلمات لصدور الآخرين ويعبث الشيطان في ساحة الحوار، وينهزم الطرفان ويتحقق الخسران.

 

3- ترك الجدال والمراء:

حدد القرآن طبيعة الإنسان فقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)﴾ (الكهف)، والأصل في الإسلام هو النهي عن الجدال، أو بالتي هي أحسن، قال تعالى ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾ (النحل)- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ" رواه أبو داود وصححه ابن حبان- وبعض الشباب يستهويه الجدال والمراء والاستطراد في المناقشة المملة دون هوادة رغبة في الظهور والغلبة أو لأمر يعلمه الله تعالى، وفي هذه الحالة يجب إنهاء الحديث لأن فيه مضيعة للوقت والجهد كما أنه يشحن النفوس بالبغضاء ويخيم عليها غيوم وضباب يفسد مودة القلوب.

 

أما الأدب والصبر والحلم فهم العاصم الذي يحقق بعد ذلك كسب الأنصار وصحبة الأخيار ومن وصايا الإمام البنا (لا تكثر الجدل في أي شأن من الشئون أيا كان فإن المراء لا يأتي بخير).

 

4- البدء بالاتفاق:

هناك مساحة واسعة للاتفاق في أمور كثيرة بينما هناك ألغام الاختلاف في أرض الحوار لذلك نبدأ بالمتفق عليه أولاً لنعظمه ونؤكده، ونعمل عليه ثم بعد ذلك نتفق على إزالة ألغام الخلاف واحد بعد الآخر بكل حب وتأمين للجالسين حتى لا ينفجر فينا أجمعين وإن ظل الخلاف فلا أقل من أن ننزع اللغم دون أن ينفجر ويبقى الخلاف بعد ذلك ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (البقرة: من الآية 148).

 

5- حسن الظن بالآخرين:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" رواه البخاري ومسلم، وقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)﴾ (الحجرات)، وحينما يتوفر في جميع الأطراف حسن الظن ينجح الحوار وتأتي النتيجة سليمة وعلى خير، أما حينما يسود الظن في بعض المتحاورين فيجهض الحوار، ويأتي المولود في النهاية مشوهًا أو ميتًا وينفض الحضور على شر وخسران.

 

6- البسمة وخفض الصوت ولين الجانب:

من أهم عوامل نجاح الحوار البسمة في وجه الآخرين انطلاقًا من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلالِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ" رواه الترمذي وصححه ابن حبان، كذلك الالتزام بغض الصوت التزاما بقوله تعالى ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ (لقمان: من الآية 19)- وأيضًا خفض الجناح ولين الجانب ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾ (الشعراء)- حينما تتوافر هذه الأخلاق الكريمة ينجح الحوار، ويصل إلى بر الأمان محققًا الثمرة المرجوة والأمل المنشود.

 

7- البعد عن التجريح للأشخاص والهيئات:

إن أدب الإسلام قد حدد لنا خطورة الكلمة حتى لا تتحول إلى سهام تقتل الآخرين، أو تشيع الفساد في الأرض لذلك نهينا عن الغيبة والتجريح وأمرنا بضبط اللسان والتلميح لا التصريح والتعريض في بعض الأمور مثل المنهج النبوي "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا....." عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" رواه أبو داود- ويقدر معيار الأخلاق في النفوس بقدر ما يكون مستوى الحوار بينهم لذلك لا بد أن يكون في الحوار بين الناس العقلاء وأصحاب الأخلاق الرفيعة والمقامات الكريمة فهم صمام الأمان وعليهم أيضًا أن يتدخلوا في الوقت المناسب لحسم الأمور ولسد الذرائع وتقريب وجهات النظر والتذكير دائمًا بالله عز وجل والنطق بالمحاب علاوة على إقالة العثرات والبعد عن الزلات وتصيد الأخطاء وتعظيم المتفق عليه وتصغير ووأد الخلاف.

 

8- الاحتكام إلى المرجعية الإسلامية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ (النساء).

 

إن المسلم الصحيح والمؤمن القوي هو الذي يرجع إلى إسلامه ويراجع إيمانه ومرجعيته دومًا.

 

ولقد جعل الله تعالى من شروط الإيمان ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء)- فعند الخلاف في أمور الدنيا فلنبحث هل هناك أمر في القرآن أو السنة أو عمل السلف والخلف نرجع للاحتكام إليه وإن لم يكن فليحكم الصالحون من أهل الاختصاص والتمييز لحسم الأمور.

 

9- الشورى:

الشورى أصل من أصول الإسلام وقد أمر الله بها ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، وهي ملزمة في بعض الاختيارات الفقهية فيما لا يتعارض مع نص، أو أصل في الدين وينبغي على الأقلية أن تلتزم برأي الأغلبية بكل حب وتقدير وينطلق الجميع إلى العمل والتنفيذ وقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة بأعظم المثل عبر التاريخ في احترام الشورى والسيرة العطرة مليئة بذلك ومن أعظم المواقف ما حدث في غزوة أحد (حين نزل إلى رأي الشباب "بخصوص المكوث في المدينة والتحصن بها وانتظار العدو أم الخروج للعدو وكان رأي الرسول صلى الله عليه وسلم المكوث في المدينة وانتظار العدو، وكان رأي الشباب الخروج إلى ملاقاة العدو" وكان ما كان ولم يوجه إليهم اللوم بعد انتهاء الغزوة وما بها من جراح وآلام).

 

إننا في أمس الحاجة إلى حوار راقٍ تحت ظلال الإخوة وفي جو الإيمان والتسامح والتغافر وفي إطار الإسلام الحنيف وميدان الحب الفسيح نتعاون على البر والتقوى لنبني بلدنا، ونقيم حضارتنا التي لاحت في الأفق وما هي منا ببعيد.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.