حسب ما ورد في صحيفة (الأهرام) القاهرية بتاريخ (7/3/2011) في أول سابقة من نوعها‏,‏ كسر الدكتور عصام شرف، المكلَّف بتشكيل الحكومة الجديدة، التقاليد المعمول بها في مقر مجلس الوزراء على مدى السنوات الماضية؛‏ حيث التقى مجموعة تمثل المتظاهرين أمام مقر مجلس الوزراء من ذوي الاحتياجات الخاصة والموظفين بعقود مؤقتة وأصحاب المظالم‏,‏ وذلك داخل المجلس‏,‏ ووعدهم بالعمل على حل مشكلاتهم والالتقاء بهم مرةً أخرى بحضور الوزراء المعنيين.

 

وبعد أن استمع الدكتور عصام شرف إلى العديد من الشكاوى والمظالم طالب الجميع بالصبر عليه وعلى حكومته، مؤكدًا أنه قَبِل المنصب من أجل الغلابة والمظلومين‏,‏ وقال لو لم أستطع أن أوفي بما تعهدت به سأرحل وأترك منصبي‏..‏ واستطرد: نحن هنا لخدمتكم.

 

هذه هي البداية الصحيحة يا معالي رئيس الوزراء؛ الاهتمام بالمظالم؛ لسبب بسيط أنها كثيرة ومتنوعة، وطالت معظم الشعب المصري؛ نتيجةً لممارسات النظام السابق، وانتشار الفساد والمحسوبية، فمن الأهمية يا دكتور شرف إنشاء ديوان للمظالم يتبع رئاسة الوزراء مباشرةً، على أن تُشكِل كل محافظة ديوانًا خاصًّا بها، والمشكلة التي تستعصي على الحل تُحال إلى ديوان المظالم برئاسة الوزاراء، على أن يكون هناك تهيئة إعلامية وثقافية لتعريف الشعب المصري بطبيعة هذا الديوان وكيف نتعامل معه، على أن يُسهم جميع الشعب المصري بكل أطيافه في إنجاح هذا المشروع.

 

وأتفق مع ما طالب به المستشار محمود العطار، نائب رئيس مجلس الدولة، بضرورة تشكيل "ديوان المظالم"، ليتولَّى بحث المظالم التي وقعت على الكثير من الفئات في مصر قبل 25 يناير، خاصةً من الموظفين والعمال والطلاب وغيرهم.

 

والتاريخ يرصد لنا مواقف مشرِّفة في هذا الشأن؛ حيث بدأ قضاء المظالم يأخذ في التدرُّج منذ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فقد كان يجمع ولاته وأمراءه كل عام في موسم الحج، ويستمع إلى شكاوى الناس، ويقتصُّ من المسيء من هؤلاء الولاة والأمراء، بل أقر عمر مبدأً مهمًّا في محاسبة الولاة والعمال، هذا المبدأ هو ما نسميه اليوم "إساءة استعمال النفوذ"، وقد ظهر جليًّا مع والي مصر عمرو بن العاص- رضي الله عنه- وأحد أبنائه، الذي لطم مصريًّا سبقه في عدْوٍ كان بينهما؛ حيث أخذ الحق للمصري، وقال له: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!

 

وتوسَّعت ولاية المظالم في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛ فقد اغتصب عدي بن أرطاة (ت 102هـ)، والي البصرة، أرضًا لرجل، فقرَّر الرجل أن يتجه إلى الخليفة رأسًا في دمشق، فسأل عن عُمَر، فقيل له: قد خرج علينا وهو راجع الآن، فأقبل عُمَر، فقام إليه الرجل فشكا إليه عدي بن أرطاة، فقال عُمَر: أما والله ما غرَّنا منه إلا بعمامته السوداء! أما إني قد كتبتُ إليه، فضلَّ عن وصيتي: إنه من أتاك ببيِّنَة على حق هو له فَسَلِّمْه إليه، ثم قد عَنَّاك إليَّ.

 

فأمر عُمَر بِرَدِّ أرضه إليه، ثم قال له: كم أنفقت في مجيئك إليَّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، تسألني عن نفقتي، وأنت قد رددت عليَّ أرضي، وهي خير من مئة ألف؟ فقال عُمَر: إنما رددت عليك حقك، فأخبرني كم أنفقت؟ قال: ما أدري. قال: احزره. قال: ستين درهمًا. فأمر له بها من بيت المال".

 

إن المتأمل في هذا الموقف ليندهش من فعل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، إنه رئيس أكبر دولة في العالم- وقتئذٍ- لها كيانها الثقافي والعسكري والحضاري، ومع هذه العظمة، لا يتوانى أمير المؤمنين في القصاص من والي البصرة، واسترداد الحق لصاحبه، بل أعظم من ذلك يُحمِّل بيت المال (خزينة الدولة) نفقات انتقال المدعي مهما كانت ضئيلة أو كبيرة، وهذا من أعظم مظاهر رقي الحضارة الإسلامية، وتكافلها مع أفرادها.

---------

* مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية

nassareg2000@gmail.com