بين القص والواقع، تنساب من مداد قلمي هذه الأسطر، ناسجةً لوحةً تنبت من رحابتها شجرة، فروعها تفرد ظلها ثوبًا، يسع كل حلم، ويجبر كل كسر، ويقي من سهام الشر، ويطرح ثمر الحقيقة..

 

القص:

بذرة صغيرة.. كانت تحتضنها أرحام العقول؛ لترعى انكماشها، وتعينها على المقاومة.. مقاومة عوامل الشك فيما قد تثمره إن نَمَت، ومقاومة القلق من تأثيراتها تارةً ثانيةً، ومقاومة العجز عن رعايتها حتى تنمو تارةً أخرى.

 

واستطاعت البذرة أن تتحرر من كل الشكوك، وأن تنتصر على سحب القلق، وأن تجتذب إلى حوض زراعتها العديد من الأيادي التي امتدت إليها لتضعها في رحم الأرض بذرةً بكرًا ولودًا.. تغير عليها رعاة كثر، حرثوا لها أرضًا صلبة صعبة المراس، ورووا من عصير عقولهم بذرتها، وجعلوا حلمهم سمادًا يمدها بكل أسباب الحياة لتبقى..

 

لم تكن الأرض آمنةً، فبين الحين والآخر تواجه العطش، حين تقطع أيادي الغدر عليها الطريق، ودومًا يتربص بالنبتة والأرض والرعاة "أولاد الليل" غير أنهم لا يأتون بليل، وإنما طوال الوقت تهاجم نبتتنا جرذان غير مرئية، وأمراض لا يعالجها الأطباء، وتفتقر حياتها أحيانًا لسواعد الرعاة الذين يقلقهم طول الوقت.. "أولاد الليل" المتربصون بكل يد عون أو مدد.

 

العديد من الرعاة صمدوا، والعديد ساندوا بالدعوات، والعديد أخافهم "أولاد الليل"، والعديد راهنوا على قدرة النبتة على الصمود، والعديد آلمهم الخوف من التراجع، لكنهم تراجعوا، والعديد تراجعوا بغير ألم، والعديد آلمهم الرحيل عن نبتتهم، لكن "لقمة العيش" كان ألمها أشد..

 

وظهرت البادرة الأولى.. أطلَّت برأس عزيزة شامخة.. وراحت تركض بكل قوتها صوب السماء تنشر كل لحظة شراع حرية، وتورق كل ثانية ورقة حقيقة، وترمي كل ساعة ثمار حق، ويقوى ساقها بزيادة السواعد التي ترعى أو تلك التي تأتي لساحتها.

 

غير أن شجرةً واحدةً لن تطرح كل ثمار الدنيا، ولن ترضي كل الأذواق، فكانت كل حين تتعرض لموجات غضب على نوعية ثمارها أو على مذاق لا يستهوي روَّاد ظلها.

 

وعندما هبت على بستانها عواصف التغيير، وراحت تجتثُّ كل قلاع "أولاد الليل" وتدك حصونهم وتشتت شملهم؛ استخلصت نبتتنا من هذه الريح كل عوامل الحياة، لتصنع "إكسيرًا" يحيلها إلى شجرة عملاقة الشموخ، وفائضة النضرة، وغير محدودة الظل..

 

قامات أصحاب الأيادي الراعية تضاءلت أمام الشجرة الظليلة، كلما رنت أنظارهم صوب ظلها، عادت محتارة في حدة، وواصلوا جميعًا أداء نفس الطقوس في رعاية نبتتهم، وعلت أصواتهم طالبة يد العون من الجميع لشجرة عملاقة يعوزها كل جهد، ويقويها كل سند، ويدعم بقاءها كل مؤيد.

 

وهفت إليها القلوب، وتدافعت إليها الأيدي، وشق نغمة البناء الجماعية أصوات تقيِّم البذرة التي كانت، وتزدري الجهود التي بُذلت، وتحمِّل النبتة أخطاء الأرض التي كانت مأسورةً، وتتعامل معها بجريرة "أولاد الليل"، وتنتقد عقمها عن طرح كل الثمار، وتزدري نكهات ثمارها القاصرة لقصور رعاتها.

 

واختلف الرعاة تحت ظل شجرتهم فيما يصنعون:

- فقائل: لقد صارت تستطيع الاعتناء بنفسها.

- وقائل: دورنا أن نزرع في مكان آخر.

- وقائلة: هذه نبتتي ولن أتخلَّى عنها.

- ورابع: دعونا نجرب استغلال كل مواردها.

- وأخرى: أكيد انشغالنا بحمايتها من "أولاد الليل" كان يحول دون تطوير آليات رعايتها.

 

وقطع الحوار خطوات تختلط فيها عصا الكهولة التي تحمل صاحبها، بإيقاع خطوات طفل يتعلَّق بيد كهل، واقتربوا من الشجرة، وإلى ساقها استندا، وهمس الكهل للصغير (أنا لا أعرف هذه الشجرة) وبعد نفس عميق دفعته رئتا الكهل تابع: (لكني على يقين من أن شجرة كهذه يمكن أن يسع ظلها الجميع، غير أنني أخشى من فرحة رعاتها بظلها، فيأسرهم الحوار تحته عن رعاية عملاق مثلها)، وهبت نسائم الربيع على النبتة، فدفعت نضارة الأوراق الجديدة أوراقًا جافةً، وتسابقت أيدي الرعاة إلى جمع ما سقط؛ حتى لا تعوِّق الهواء عن الوصول إلى مسام أرضها.

 

الواقع:

نسيت أن أقول بأني أهدي هذه الكلمات إلى أولئك الذين رعوا نبتتنا (إخوان أون لاين)، حتى استطاع أن يخرج للنور، مقاومًا كل ما كان من ظروف استثنائية في عهد مبارك؛ فلم ترهبهم قوانين الطوارئ، ولم يعنِهم الوضع في قوائم الاستبعاد من المؤسسات الصحفية، ولم يفتَّ في عضدهم أن أسماءهم لم تكن متداولةً في السوق الصحفية لأنهم يكتبون بأسماء مستعارة، ولم تحُل دون خطواتهم انتقادات كانت تحمِّل (إخوان أون لاين) كل سلبيات القمع الأمني من وأد حرية الحوار وعدم عرض الرأي والرأي الآخر.

 

لقد كان فريق عمل واحد- غادره من غادره وبقي من بقي- لكنَّ الجميع كانوا مصرِّين على أن تنجح التجربة، وأن تنمو النبتة، وأن تصل الرسالة بكل الطرق، وأن تنجو قافلة الركب الإعلامي من سهام المتربِّصين وحقد المناوئين، وأن ترسو على برِّ الأمان دون التورُّط في حوارات داخلية حول قرارات لم يتم الاستقرار عليها بعد.

 

لقد سار فريق (إخوان أون لاين) حاملاً نبتته في مناخ استثنائي، وتحمَّل الكثير منهم في مؤسسته تهمة العمل في (إخوان أون لاين)، وأغلقت في وجوههم سماعات هواتف المصادر، وكان الحق هو ما شهدت به الأعداء؛ حين قال عبد الله كمال، رئيس تحرير "روزا اليوسف" السابق، إن العبد لله- كاتب هذه السطور- يسعى لجعل (إخوان أون لاين) أمرًا واقعًا في الوسط الصحفي.

 

نعم.. لقد استطاع فريق (إخوان أون لاين) أن يتحوَّل بموقعه خلال 3 سنوات إلى موقع ينافس بمهنية كل المواقع.

 

بقي فقط أن يتحمل زوَّاره معنا خلال الفترة القادمة أعباء تطويره؛ ليكون كل مؤمن برسالته هو مراسله في موقعه وهو ممثله في دوائره.. إنه نبتتكم.. فتعالوا إلى ساحتها؛ فرعايتها مسئولية الجميع، وساعتها سيكون النظر إلى الثغرات لسدها مختلفًا عن إحداثها أو توسيعها.

---------

* رئيس تحرير (إخوان أون لاين).