موقف الغرب من الثورة الليبية موقف مخزٍ وفاضح، فالشعب الليبي يُذبَّح ويُقتَّل ويُباد إبادةً جماعيةً، والغرب متفرج متردد، يجتمع مرةً هنا ومرةً هناك، ويرسل وفدًا إلى هنا ومبعوثًا إلى هناك، مصالحه في ليبيا أكبر من أن يسلمها للشعب الذي لا يستطيع أن يضمن ولاءه كما يضمن ولاء القذافي الآن.
يتحجَّج بحجج واهية كقوله إنه لا يعرف الثوار، أو أنه لا يريد التورط في حرب في إفريقيا، أو أنه لن يكرر ما حدث في العراق وأفغانستان، أو أنه لا يوجد غطاء دولي.. إلى آخر ما سمعناه ونسمعه من مبررات وحجج يعرف الصغير قبل الكبير أنها كذب محض، وأنها فقط أقوال للاستهلاك الإعلامي، بعيدة هي عن السياسة الحقيقية كل البعد.
ليبيا لو تحرَّرت ستلحقها الجزائر حتمًا، وهذا يعني أن شمال إفريقيا كله قد تحرَّر، وأن الطريق من المغرب وموريتانيا إلى فلسطين صار مفتوحًا، وهذا لن يُرضي الصهاينة ولا أمريكا ولا الغرب التابع لهما في هذه النقطة بالذات؛ لأن أمن الصهاينة من أمن أوروبا الإستراتيجي كما يقولون.
مجرد التفكير في أن شمال إفريقيا يمكن أن يُشكِّل وحدةً من أي نوع كان؛ هو سيناريو رعب للغرب، وخاصةً دول أوروبا المطلة على حوض البحر المتوسط، فهذا التجمع السكني الرهيب بما يملك من إمكانيات بشرية واقتصادية وبكونه بوابة إفريقيا من الشمال؛ سيصبح قوة مواجهة لأوروبا، هذه القوة لا يُعرف حتى الآن توجُّهها، ولا من سيديرها، ولا من سيُسيطر عليها، وستكون بالنسبة للغرب صندوقًا أسود، لا يعرف أحد أي مارد سيخرج منه، وهذه مخاطرة كبيرة لن يجازف الغرب بتحمل نتائجها، لذلك يفضَّل وأدها من الآن.
البترول والغاز الليبيان يشكِّلان نسبةً كبيرةً من مصادر الطاقة في أوروبا، وهناك استثمارات أوروبية وأمريكية كبيرة في ليبيا وفي طرق إمداد النفط والغاز، لا يمكن الاستغناء عنها، لذلك فإن ليبيا مقسمة متناحرة، فيها عميل غربي يمكن الضغط عليه بسهولة وبمختلف الطرق، يسيطر على طرق الإمدادات وعلى نصف النفط أو أكثر، تعتبر ضمانة للغرب من كل المفاجأت التي لا يمكن حسابها حاليًّا في حال نجاح الثورة.
كما أن القذافي وأسرته سيبقيان تهديدًا دائمًا لتونس ولأي قوة تظهر فيها ولأية محاولة للابتعاد عن السيطرة الغربية عليها، كما سيكونان حاجزين في وجه أي تكتل مغاربي يضم الجزائر والمغرب وموريتانيا في المستقبل.
الشرق الليبي المحرر حتى لو بقي محررًا سيظل مشغولاً بحرب دائمة مع الغرب الليبي، وسيشكِّلان سوقًا جديدةً للسلاح، يستفيد منه الغرب لعشرات السنين، وسيشكِّل التنافس بين الليبيتين خفضًا لأسعار النفط والغاز، وستصادر كل الأموال الليبية المخزنة في الغرب ليستفيد منها في السنوات القادمة لدعم اقتصاده وتدعيم الوحدة الأوروبية التي تعاني بعض بلدانها من مشكلات اقتصادية ومالية كبيرة في الوقت الحالي، وسيكون المال الليبي المُصادَر الحل المثالي لبلاد مثل اليونان والبرتغال وحتى إسبانيا.
------
* ألمانيا.