فرق بين الصقور والبوم، وبَوْنٌ شاسع بين الأُسد والنعاج، وبين القطيع وكاشفي الكروب، وبين الفرسان والجرذان، ولهذا نجد بعضًا من الناس هامته في الثرى، وبعضهم هامته في الثريا.
ومن الرجال الذين طاولوا النجوم وتجاوزوا الأفلاك، وتمضي السنون آحادها وعشراتها ومئاتها ودهورها ولا يزالون ملء سمع الدنيا وبصرها: عبد الرحمن الداخل "صقر قريش"، مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، التي بقيت زمنًا طويلاً رمزًا للحضارة الإسلامية.
قال ابن حبان: "كان الإمام عبد الرحمن الداخل كثير الحزم نافذ العزم، لم ترفع له راية على عدو قط إلا هزمه، ولا بلد إلا فتحه، شجاعًا مقدامًا، شديد الحذر، قليل الطمأنينة، لا يخلد إلى الراحة، ولا يستكين إلى دعة، ولا يكل الأمر إلى غيره، يعود المرضى ويشهد الجنائز، ويصلي بالناس في الجمع والأعياد، ويخطب بنفسه، ويجند الأجناد، ويعقد الرايات، وبلغت جنوده مائة ألف فارس لا يقوم لهم أحد ولا يقف أمامهم عدو".
وكان عبد الرحمن الداخل هذا قد خرج من بلده مطاردًا يؤم بلاد المغرب، ولم يكد يتجاوز العشرين من عمره، ليس لديه من المال إلا القليل، ولا من الأنصار إلا النذر اليسير، ولكن عزيمته كانت صلبة، وإرادته قاهرة، سهلت له العسير وقربت إليه ما كان صعب المنال وشبه المحال، فكان رجل زمانه، ووحيد عصره وأوانه، وغرة دهره وعنوانه.
قال أبو جعفر المنصور يومًا لأصحابه: مَن صقر قريش؟ قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك، وسكّن الزلازل وحسم الأدواء، قال: ما صنعتم شيئًا، قالوا: فمعاوية، قال: ولا هذا، قالوا: فعبد الملك بن مروان، قال: لا، قالوا: فمَن يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد الرحمن الداخل بن معاوية، الذي تخلص بعقله من سنن الأسنة وظبات السيوف، يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدًا أعجميًّا، فمصّر الأمصار، وجنّد الأجناد، وأقام ملكًا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة عزمه.
أما معاوية فنهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذللا صعبه، وعبد الملك ببيعة تقدمت له، وأمير المؤمنين "يقصد نفسه" بطلب عترته، وإجماع شيعته، أما عبد الرحمن الداخل، فمنفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه".
بطل البداوة لم يكن يغزو على تنك ولم يك يركب الأجواء
لكن أخو خيل على صهواتها وأدار من أعرافها الهيجاء
يا أيها السيف المجرد بالفلا يكسو السيوف على الزمان مضاء
تلك الصحاري غمد كل مهند أبلى فأحسن في العدو بلاء
لو لاذ بالجوزاء منهم معقل دخلوا على أبراجها الجوزاء
هؤلاء هم صقور الإسلام وأُسد الشرى وبناة الأمم وحداة الدرب الواعد.
أما البوم والغربان الذين ينعقون بالخراب كلَّ يوم، فليس لهم عزم ولا همة إلا رعاية شهواتهم وستر عجزهم وجهلهم وإهلاك أممهم.
يصفهم الإمام ابن القيم في مدارج السالكين، فيقول: "هم سفلة الأمة وجهلتها لا فرق بينهم وبين سائر الحيوانات، إلا في اعتدال القامة، ونطق اللسان، ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوات بأي طريق أفضت إليها.. فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها، فمنهم مَن نفسه كلبية، لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب، ونبح كل كلب يدنو منها.. وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق، ميتة أو مذكاة، خبيثًا أو طيبًا، ولا يستحي من قبيح، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمته تمسّح بك ودار حولك وإن منعته هرك ونبحك، ومنهم مَن نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف.
ومنهم من نفسه سبعية، همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته، ومنهم مَن نفسه فأرية، فاسق بطبعه، مفسد لِمَا جاوره، تسبيحه بلسان الحال، سبحان مَن خلق الفساد، ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحيات، ومنهم مَن طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمّه.
ومن الناس مَن يسمع منك ويرى المحاسن أضعاف المساوئ فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه، فإذا رأى كلمة عوراء، وجد بغيته وما يناسبه، فجعلها فاكهته وشهوته، ومنهم مَن على طبيعة الطاووس، ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك شيء، ومنهم مَن على طبيعة الجمل، أحقد الحيوان وأغلظه كبدًا، ومنهم مَن هو على طبيعة الدب، أبكم خبيث، ومنهم مَن على طبيعة القرد.. إلخ.. كما كان ابن القيم خبير نفوس وعالم طبائع يعرف الخبيث فيميزه من الطيب ويعرف لكلٍّ قدره.
علج يموت وآخر يتسكع وإلى الفتات على الموائد يسرع
هذا يمد على السحاب جناحه وسواه في حمئ الرذيلة يرتع
هل يستوي السيف الذي هتك الدجى والآخر المتزَلف المتصنع؟
هل يستوي البحران هذا ماؤه عذب وذاك الآسن المستنقع؟
ومن الغرابة أن هذا رائج تغدو به صحف الزمان وترجع
وله من العشَّاق ألف قبيلة وله من الأبواب جيش مفزع
إن شرَّقوا فالشرق أقدس قبلة أو غرَّبوا فالغرب نعم الموضع
وبعد: فهل ترى الأمة اليوم حبلى بالصقور أم أنها ستظل تلد الفاجر الغدار الذي يظل يذيق الناس البوار والعار ويجعل الدار مرتعًا للبوم والغربان؟!:
أترع الماجن كأسًا من دمانا وسقاها للبغي أرجوانا
وإذا الدار بنوها فرطوا لا تلوموا الذئب أن يرعى حمانا
وبعد.. فأنت وحدك يا أخي الذي ستجيب عن هذا السؤال! نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد آمين.