بين الحين والحين تنتاب قلبي هموم كثيرة أن الفجر لم يحن وقته، ومع شدة الظلام أجد همس الفاسدين يعلو ويزداد صوته ضجيجًا حتى يصبح في وقت من الأوقات شيئًا مألوفًا متبعًا لا مفرَّ منه، ويُصدم الفرد أحيانًا ويتساءل: ألم يحن موعد التغيير؟ ألا يكفي ما يحدث من فُجر وفساد وطغيان؟، أليس النور ظاهرًا طاهرًا ينادي علينا أن الوقت قد أزف، واستعدوا لمثل هذا اليوم؟!

 

لكن يبدو أن الاختلاف هنا فيمن ينادي؟ وعلى مَن ينادي؟ ومتى وقت النداء؟.. الاستلهام الذي حدث في ثورة تونس ومن بعدها ثورة مصر الأبيتين الكفيلتين على أننا نحن الخطأ وأن الأنظمة المستبدة هي الصحيحة! حتى إنها تقف مثل الأسد الصهور على الجبل، لا تستطيع أن تلامسها أو تضع عينك في عينها، وتقف مزهوًّا مزهولاً لِمَ؟!! أليس هذا باطلاً ونحن الأحق؟!، أليس هذا الفساد ونحن الأصلح؟!، تُرى ماذا يصنع بنا ونحن على الطريق المستقيم؟!

 

وإذا فتشت وجدت أن الإنسان بكامل قوته وريعانه ضعيف أضعف ما يكون، ومهما بلغ من مراتب القوة فإنه يعود كما لو كان طفلاً، لا يستطيع أن يطعم نفسه إلا بمساعدة قرين.

 

قلت: أنحن في هزل ولا نقدر على التغيير ولا يكتب لنا دقيقةً من الحرية والنقاء؟ ورويدًا رويدًا يتحقق الأمل ويأتي اليوم الموعود وكأننا في حلم بتفجر ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.

 

بين الثورات عبر ودروس

عجبًا لأوطاننا الجرداء من الرجال التي تحولت إلى ملهى كبير وبطون ثقيلة ممتلئة، لا تقوى على النهوض من مكانها حتى ثملت، فأتت ثورة الشباب في الأوطان تقول لِمَن كرشت بطونهم: استعدوا ليوم الحساب، إنه لآت، فلقد كرهنا صمتكم ورضوخكم، إنه يوم الحساب الأليم الذي أذقتم فيه شعوبكم كل أصناف العذاب الأليم، إنه يوم الامتحان!.

 

وبرغم الإفاقة التي حدثت لشباب الأمم المقهورة فإن البعض منهم ما زال يمصمص شفتيه على ضياع المرتع المريح المجاني الثري، الذي كان يغتنم منه الكثير دون رقيب أو حسيب، وترى حكامًا ما زالوا لا يألون جهدًا في سؤال شعوبهم؛ ما المرض الذي أصبتم به؟ وما علاجه ودواؤه؟، ولكن بعد فوات الأوان يعودون إلى أحاديث قبل النوم بأنهم (فهموا) ويا ليتهم منذ 30 عامًا قد فهموا!.

 

فاصل ونواصل

إنه التغيير ولا حديث إلا عنه.. إنه المستقبل للشباب ولا مستقبل لهم غيره، حدثني صديقي وقال: لقد ترك الحكام في دول العالم الثالث الشباب إلى التراقص والتعاطي واللعب بين أقدام الكرة، وظنوا أنه المتنفس الوحيد لهم وأعطوهم مساحات، ثم أضافوا لهم الخدمة الإلكترونية علهم يتلهون أكثر فأكثر، وتركوا لهم مساحة الشات والإيميل، يتقابلون ويمرحون، ويتناقشون عن الفنانات والفنانين واللاعبين والمحترفين ومن أطلق تلك؟ ومتى احترف هذا حتى ناموا ووضعوا في بطونهم الاطمئنان بأنهم لا خوف منهم؟! ولكن يأبى الصانع أن يذوق من الكأس التي صنعها وجهَّزها وألقاها على غيره بأن يشرب منها، فأصبح الشاب الذي كان يلهو ويلعب هو الحائط ضدَّه، ولا يقوى على كسره ولا مقاومته هو الذي أعطاه مفاتيح كل شيء وهو لا يملك أي شيء! فانقلب عليه ودهسه تحت قدميه، وهو الذي اعتبره في يوم من الأيام نكرة!.

 

عدنا من الثورة الصغرى إلى الثورة الكبرى

يقول قائل: ألم نحقق ما لم يحققه الأب والجد؟، وما لنا لا نفرح بما حققناه فلنعد إلى مقاعدنا وأكوابنا الممتلئة بالقهوة خلف الشاشات؟!

 

أقول إن ما حُقق ليس إلا جزءًا من كلٍّ، وهو قليل بما تناسب حجم الثورات، فلنكمل المشوار ونستمر في الثورات؛ حتى يتحقق الأمل المنشود، وهو الغاية الكبرى بتحقيق الحرية للشعوب المقهورة.

 

أنسينا الشهداء الذين ضحوا من أجلنا؛ حتى يصير هذا النصر الكبير؟! أنسينا دماءهم التي خضبت الأرض وتركت ألمًا في قلوب ذويهم.

 

نحن لم نكمل الحلم ولم نكمل المشوار، فقد عدنا من الثورة الصغرى إلى الكبرى، وبقي علينا مشوار كبير لا بدَّ أن نستكمله.