مصر تنادينا فهيا نلبي النداء.. نداء الوطنية والعروبة، مسلمين ومسيحيين، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالاً.

 

تخيل معي أن أعزَّ الناس وأحبَّهم إلى قلبك يناديك، لا شك أنك ستلبي النداء مسرعًا وأنت في كامل الشوق واللهفة إلى الاستجابة لهذا النداء؛ لأن الحبيب يناديك.. إن المحب لمن يحب مطيعُ.

 

فما بالك بمصر الوطن والتاريخ والجغرافيا، تستحث في كل واحد منا أن يتحرك لإنقاذها، والمساهمة في بنائها، كلٌّ في مكانه ومجاله!.

 

لا تقصير بعد اليوم، لا غش ولا سرقة، لا استغلال ولا نهب، لا رشوة ولا محسوبية، لا تقاعس ولا غفلة، بل بناء وازدهار وتقدم.

 

إن مصر في حاجة مُلحَّة إلينا، فهل نسكت ونتوارَى أم نتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟!

 

فالله تبارك وتعالى حباها بالخيرات والإمكانيات البشرية والمادية في كل ميادين ومجالات الحياة.

 

ومن ثمَّ وجب على كل فرد منا أن يضَعَ نفسه في الموقع المناسب له في البناء والتشييد، كلٌّ في تخصصه ومجاله بجدٍّ واجتهاد، وحبٍّ وتفانٍ، في العمل والإنجاز؛ حتى نضع النواة الأولى لمصرنا الحبيبة بعد نجاح الثورة العظيمة في 25 يناير التي أطلق شرارتها الشباب الذين أيقظوا الأمة، ودبَّ بهم الروح والأمل بعد سبات عميق ونوم متواصل، وبعد أن قتل فينا الحكام الفاسدون ومن حولهم كل نبتة للإصلاح والتغيير.

 

هيا بنا نصنع مستقبلنا بأيدينا، من خلال بعض الأفكار التي يمكن الاستفادة منها لبناء مصرنا الحبيبة،‏ مثل:

 

أولاً: التركيز في البناء على التحول الديمقراطي السلمي بلا عنف أو تعصب لرأي دون آخر؛ لأن الثورة ارتكزت على إطار سلمي، فلم يلجأ المتظاهرون إلى العنف ولم يستخدموا أيًّا من آلياته، فكسبوا احترام العالم، وكشفوا بعبقريتهم الفذَّة الموروث الحضاري لهذا الشعب العظيم؛ الذي ظلَّ رموز النظام الفاسد يشيعون عنه حتى اللحظة الأخيرة عدم استعداده للديمقراطية.

 

ثانيًا‏:‏ إعادة البناء على أسس صحيحة تقضي بعودة الحقوق إلى أصحابها‏,‏ ولذا بات ضروريًّا الآن بكل الوسائل القانونية المحلية والدولية إعادة ثروات مصر المنهوبة عبر عمليات سرقة منظمة طوال العقود الماضية، ومحاسبة هؤلاء الفاسدين على ما اقترفوه في حق الوطن، وإعلانه على الرأي العام.

 

ثالثًا: من الضروري أن تتجه كل منظمات ومؤسسات المجتمع إلى التحول الديمقراطي السليم، القائم على الكفاءة والتميز، فلم يعد مقبولاً أن يُعين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بقرارات فوقية تضرب عرض الحائط بتكافؤ الفرص والتاريخ العلمي والأقدميات، وآن الأوان أيضًا أن يكون شيخ الأزهر بالانتخاب، وأن يسري هذا على كل مجالس إدارات المنظمات والشركات والمؤسسات ووسائل الإعلام‏ والصحف القومية.

 

رابعًا‏:‏ آن الأوان أن يكون الإعلام الرسمي القومي في خدمة قضايا الأمة وليس لخدمة فرد بعينه، وقد انعكس هذا- فيما سبق- في ممارسة الكذب والوقوع في التناقض والاتجاه إلى تسفيه الآخر والسخرية منه، وممارسة الخداع والتضليل‏,‏ وغلبة المكون العاطفي واستخدامه لصالح طرف ضد طرف آخر على غرار استخدام مفاهيم الأبوَّة واحترام الكبير‏,‏ على حين اختفى من المشهد في الأيام الأولى من الثورة أي تعاطف مع الشهداء وهم بالمئات ومع الجرحى وعددهم بالآلاف.

 

خامسًا‏:‏ من الضروري أن نغلق الباب تمامًا أمام المساعدات الأجنبية؛ التي تُعد من أهم أسباب التدخل في شئوننا الداخلية، وقد تبيَّن من الأحداث الأخيرة أن مصر غنية بمواردها وثرواتها‏، بشرط أن يخضع استخدام الموارد وإدارتها لقيادة وطنية أمينة خبيرة بالواقع المصري، مع إتاحة الفرصة بصورة أوسع للاستثمار المحلي والعربي.

 

سادسًا: إتاحة فرصة أوسع للشباب الذي يتحلَّى بروح الانتماء والأمل‏، في كل قطاعات المجتمع ومرافقه‏؛ لأننا إذا نظرنا إلى كل مؤسسات الدولة نجد أن معظم القائمين على المسئولية أعمارهم تتعدَّى الستين,‏ وكلهم- بلا استثناء- تقلَّبوا في المناصب العليا عشرات السنين‏,‏ وكأن المجتمع لا يحوي غيرهم!.

 

سابعًا‏:‏ إذا أريد لتجربة الحكم المحلي أن تؤتي ثمارها‏,‏ فمن الضروري أن نضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وألا يستأثر قطاع واحد في المجتمع بنصيب الأسد، وأن ندقِّق في اختيار المحافظين‏,‏ وألا يتاح لمحافظين بعينهم أن يتنزَّهوا من محافظة إلى أخرى ثم إلى وزارة وأخرى، وكأن مصر لم تعرف نوابغ غيرهم!.

 

ثامنًا: من الضروري أن نأخذ بتجارب الدول المتحضرة في رعاية العاطلين عن العمل، من خلال ما يسمَّى إعانة البطالة، فمهما كانت ضآلتها فإنها تعدُّ صمام أمان من الانحراف وعصمةً من الزلل وتدبيرًا للحد الأدنى من النفقات حتى يتيسر للمواطن الحصول على فرصة عمل ملائمة.

 

--------

* مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية- nassareg2000@gmail.com