- مفهوم كلمة قبطي:
من الأهمية بمكان أن نؤكد أن كلمة قبطي تعني مصري، فمن المعروف تاريخيًّا أن المسيحية دخلت مصر في منتصف القرن الأول الميلادي، وكانت مصر وقتئذٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ تابعةً للإمبراطورية الرومانية، واتسمت هذه الفترة باضطهاد أباطرة الرومان للمسيحيين لأسباب مختلفة، فعانوا من اضطهاد ديني من قِبل الحكام الرومان الذين أذاقوهم ألوانًا وصنوفًا مختلفة من العذاب، خاصةً زمن حكم الإمبراطور ماركوس أورليوس في الفترة من سنة 161: 180م، فكان على كل من يعتنق هذا الدين الجديد يفر بعيدًا ناجيًا بنفسه ودينه إلى الصحراء يسكنها ويتعبد في كهوفها.
وما قام به الإمبراطور داكسيوس من حركة اضطهاد دينية كبيرة في منتصف القرن الثالث الميلادي، وبلغت قمة الاضطهاد الديني للمسيحيين في مصر ذروتها زمن حكم الإمبراطور دقلديانوس الذي حكم من عام 284م وحتى عام 305م، فقتل وشرَّد الآلاف، وقام بقتل جماعة كبيرة من مدينة الإسكندرية عام 284م، وهي الحادثة التي عرفت بحادثة الشهداء، والتي كانت في الوقت نفسه بمثابة نقطة تحول كبيرة في تاريخ الحركة الدينية المسيحية، فقد ركَّز البعض على أن مسيحيي مصر يجب أن يستحوذوا وحدهم على وصف "الأقباط"؛ ليميزهم عن سائر المسيحيين في العالم، ولم يشاركهم أحد من مسيحيي العالم في هذه التسمية، وظهر ما عرف بعد ذلك بنظام وحياة الرهبنة في مصر، بل في العالم كله، وكان لهذه الأسباب أثرها في عدم ظهور منشآت دينية أو أعمال فنية خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد.
- لماذا الإصرار على تخصيص اللفظ على المسيحيين المصريين؟
بعيدًا عن مفهوم كلمة القبطي، فواجب علينا أن نرسِّخ أنه لم يكن هناك عصر قبطي، وأن أية دراسة متأنية بعيدة عن الأغراض والمجاملات وبعيدًا عن العقيدة؛ فإن الأمر يحتم تعديل مسميات العصر القبطي بالعصر البيزنطي، تمشيًا مع فترات التاريخ المصري، ولست أدرى لماذا اقتصرت دراسة الفترة التاريخية الممتدة ما بين نهاية العصر الفرعوني وبداية العصر الإسلامي على الفترة اليونانية والرومانية، وأغفلت الفترة البيزنطية التي عاش فيها مسيحيو مصر، والتي سبقت فتح الإسلام لمصر، ويبدو أن المستهدف من هذا الإغفال ترسيخ مزاعم أن المسيحيين المصريين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الأقباط هم وحدهم أصحاب البلاد، وأنهم استمرار للفراعنة، وهذا خلل منهجي خطير يناقض المنهج العلمي السليم.
فلم ينعتهم القرآن الكريم إلا بالنصارى، كما أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا" (أخرجه البيهقي)، كان المقصود المودة والرحمة تجاه شعب مصر كله بكل أطيافه دون تخصيص، على اعتبار أن كلمة قبط تطلق على كل من سكن مصر، وتحاول بعض الجهات، خاصة أقباط المهجر، ترديد مزاعم أن كلمة قبطي التي تحمل وجهين أولهما أنها تعني المسيحيون المصريون، وحقيقة أمرهم أنهم يحاولون تأكيد أنهم هم المصريون أصحاب البلاد التي غزاها واستعمرها العرب المسلمين، وهذا ينافي الحقائق التاريخية التي تؤكد أن اللفظ يشمل كل من سكن مصر.
هذا وإذا سلمنا بما هو قائم من أن الآثار القبطية تعني الآثار المسيحية للأرثوذكس، فإن الأمر سيخرج آثار الكاثوليك، ومنها دير سانت كاترين وغيره وآثار الطوائف المسيحية الأخرى القبطية.
كنائس المسيحيين وأحوالها:
لقد مرَّ تاريخ العمائر ودور العبادة المسيحية بمراحل من التدهور والتخريب عبر عصور مختلفة، ولم ينقذها من عثرتها إلا الفتح الإسلامي والمسلمون، وهذه حقيقة يعلمها القاصي والداني؛ وهو ما نحاول أن نوضِّحه من خلال هذه السطور.
وقبل الحديث في هذا الموضوع يجب أن نلقي نظرة على أوضاع مسيحيي مصر وأوضاع كنائسهم قبل الفتح الإسلامي، فقد عاش معتنقو الديانة المسيحية من المصريين في فترتين من الحكم الروماني؛ فترة الوثنية والتي ذاقوا فيها أهوالاً من العذاب من حكام وولاة الإمبراطورية الرومانية، وقد ألقى هذا الصراع المرير بين المسيحية والوثنية الرومانية خلال القرون الثلاثة الأولى من الميلاد على كنائس مسيحيي مصر من قتل للكثير منهم، وتدمير أماكن عبادتهم، فقد قام الإمبراطور دقلديانوس في إطار حركة التطهير التي قادها ضد المسيحية في مصر بحرق الكنائس المصرية وتدميرها حيثما وجدت.
أما الفترة الثانية: وهي الفترة التي صدر فيها مرسوم ميلان في عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر في سنة 313م، باعتبار المسيحية دينًا معترفًا به بين أديان الدولة، واعتبارها إحدى الشرائع المسموح باعتناقها، وفي عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الذي حكم في الفترة من سنة 379: 359م، أصبحت المسيحية الديانة الرسمية في الإمبراطورية الرومانية، وفي هذه المرحلة قام مسيحيو مصر بتحويل المعابد والمباني الفرعونية القديمة إلى كنائس، كما في معبد إدفو بأسوان، فطمسوا الرسومات على الجدران، وأحلوا محلها الرموز والصلبان المسيحية، وأصبح الطابع العام لمصر في نهاية القرن الرابع الميلادي مسيحيًّا بحتًا، وتمكنوا من تشييد الكنائس والأديرة.
ورغم هذه الفترة من التسامح الديني مع المسيحيين المصرين إلا أنه سرعان ما تعرضوا ومنشآتهم ودور عبادتهم لتدمير قاده الصراع المذهبي الذي حدث في صفوفهم أنفسهم، هذا الصراع المذهبي العنيف الذي حدث بين كنيسة الإسكندرية وكنيسة القسطنطينية حول طبيعة السيد المسيح عليه السلام، وما أعقبه من اضطهادات مختلفة بين طائفة "اليعاقبة"، وهم عامة الشعب المصري، ويمثلون الكنيسة المصرية، والملكانيين وهم يمثلون مذهب الحاكم وكنيسة القسطنطينية، وأدَّى هذا لانفصال الكنيسة المصرية عن الكنيسة المسيحية في العالم في منتصف القرن الخامس الميلادي، وألقى هذا الصراع بظلاله على حركة الإنشاء والتعمير للكنائس والأديرة في مصر، وارتبط ذلك بمذهب البطريرك الذي يعتلي الكرسي المرقسي بالإسكندرية، فإذا كان يعقوبي المذهب قام بإنشاء وتعمير وتجديد الكنائس والأديرة لطائفته، وفي نفس الوقت يعطِّل كنائس الطائفة الملكانية، ويستولي عليها ويمنحها للمسيحيين "اليعاقبة".
- الفرس وتخريب دور عبادة مسيحيي مصر
ثم حدث وأن غزا الفرس مصر، واستولوا عليها سنة 616م، وفي خلال فترة احتلالهم أتى الخراب على معظم الأديرة المصرية وكنائسهم، فيذكر مؤرخو هذه الفترة أنهم دمروا وخرَّبوا الأديرة والكنائس، فدمروا بالإسكندرية وحدها ما يقرب من 600 دير وكنيسة، كما خربوا كنائس وأديرة الريف المصري.
- اليهود والكنائس
خلال احتلال الفرس لمصر وفي أثناء تدميرهم لتراث المسيحيين ودور عبادتهم، يذكر المؤرخ "بتلر" أن اليهود ساعدوا الفرس مساعدة كبيرة في تخريب الكنائس والأديرة المصرية، وسلب ونهب ما كان فيها من ممتلكات الكنيسة، وقتل رهبانها كما فعلوا في بلاد الشام.
- البيزنطيون ودور العبادة المسيحية في مصر
رغم إجبار الإمبراطور البيزنطي هرقل الفرس عن الرحيل عن مصر سنة 629م، إلا أن كنائس المسيحيين ودور عبادتهم ظلت خرابًا، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد بعث بقيرس واليًا على مصر، وكان ملكاني المذهب فبدأ حكمه في مصر باضطهاد شديد للمسيحيين وبقايا كنائسهم، ويصف بتلر فترة ولاية قيرس، ومدتها عشر سنوات من عام 631م : 641م، بعصر الاضطهاد الأعظم للمسيحيين في مصر، ولم ينقذهم من ذلك إلا الفتح الإسلامي.
- المسلمون وإجلال دور العبادة المسيحية في مصر
باب بالكنيسة المعلقة مزخرف بالأطباق النجمية الذي يعتبر ابتكارًا إسلاميًّا
كان الفتح الإسلامي لمصر سنة 641م/ 20هـ بمثابة عهد جديد للمسيحيين في مصر، اختلف تمامًا عن العهد السابق؛ حيث تخلصت الكنيسة المصرية من أعمال الظلم والعدوان الذي تعرضت له، وتمتعوا بكامل حريتهم الدينية التي سلبها منهم حكام بيزنطة؛ وذلك انطلاقًا من تعاليم الإسلام الحنيف الذي أعطى أهل الذمة من اليهود والنصارى الأمان، فيذكر رهبان دير سانت كاترين أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لهم عهدًا في السنة الثانية للهجرة، أمانًا لهم وللنصارى كلهم على أرواحهم وأموالهم وبيعهم، وما زالوا محتفظين به، وهو العهد الذي جاء فيه: "لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا بيت من بيوت كنائسهم، ولا يدخل شيء من مال كنائسهم في مسجد ولا منازل المسلمين".

كما أن سيدنا عمرو بن العاص بعد فتحه مصر أعطى المسيحيين بها أمانًا جاء فيه: "هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليه شيء ولا ينتقص"، وكان دائمًا يوصي في خطبة المسلمين بمراعاة مسيحيي مصر، والمحافظة على حسن جوارهم قائلاً: "استوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرًا".
كما أن موقفه من بطريرك المسيحيين اليعاقبة، بنيامين، واضحًا، وهو الذي كان هاربًا من وجه الحاكم البيزنطي قيرس، فقد بعث له سيدنا عمرو بن العاص بأمان بعث به إلى سائر البلاد المصرية يقول فيه: "فليظهر الشيخ البطريرك مُطمئنًا على نفسه، وعلى طائفة القبط جميعهم التي بالديار المصرية وغيرها آمنين على أنفسهم من كل مكروه"، وحين عاد البطريرك بنيامين أكرمه سيدنا عمرو، وأمر له أن يتسلم الكنائس وأملاكها؛ ما جعل المسيحيين يشعرون منذ البداية بأن المسلمين لا يحملون لهم كرهًا أو يخفون لهم اضطهادًا جديدًا، بل كان معظم إدارة الدولة وعمالها من المسيحيين.
وقد أورد المؤرخ الكنسي ساويرس بن المقفع في كتابه تاريخ البطاركة بأن عمرو بن العاص لم يرتكب أعمال السرقة والنهب التي كانت تحدث زمن الرومان على الكنائس والأديرة المسيحية في مصر؛ وهو ما أكده بتلر في كتابه فتح العرب لمصر، فيذكر بأن: "حكم العرب كان خيرًا وبركة على أقباط مصر"، وبدأت حركة التعمير والبناء للكنائس واسترد اليعاقبة كنائسهم، بل شيدت كنيسة في مدينة الفسطاط عاصمة المسلمين الأولى، وهو ما يقرره أبو صالح الأرمني في كتابه كنائس وأديرة مصر أثناء ولاية مسلمة بن مخلد الأنصاري، وشيدت مجموعة من الكنائس في ولاية عبد العزيز بن مروان وتعهدت الدولة برعايتها، وفي خلافة هشام بن عبد الملك أولى رعاية كبيرة للكنائس المصرية وأديرتها لكل الطوائف سواء يعاقبة أو ملكانيين، فقد بعث لصاحب خارج مصر عبد الله بن الحبحاب يأمره بأن يسلم للملكانيين كنائسهم على إثر الاتفاق الذي تمَّ بين الخليفة هشام بن عبد الملك والإمبراطور البيزنطي.
المشربيات بكنيسة قصر الريحانة بمصر القديمة وهي من معالم العمارة الإسلامية
واستمرت رعاية الخلفاء والولاة للكنائس المصرية خلال الخلافة العباسية، وظلت حركة التعمير والبناء مستمرة في مباني المسيحيين الدينية، وكان الخلفاء العباسيون يكرمون الأساقفة ويجالسونهم، وأكثر من ذلك فقد توافد على الخلافة العباسية في بغداد كثير من المسيحيين ومن أهل الذمة كافة، شاركوا في أمور وأحوال الدولة الإسلامية، وفي ذلك يقول جورجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن الإسلامي: "إنهم خدموا العباسيين بعقولهم وأقلامهم بما آنسوه من تسامحهم وإطلاق حرية الدين لهم، بل وصل الأمر بهم أن تولوا مناصب قيادية إذ تقلد بعض منهم ديوان الجيش"، ويذكر أن الخليفة المأمون حين قدم مصر جعل على مدينة بورة وما حولها قبطيًّا، فتمكن من أن يبني كثيرًا من الكنائس في المدينة وما حولها.

ولما تمكن أحمد بن طولون من تأسيس الدولة الطولونية محققًا استقلالاً ذاتيًّا عن الخلافة العباسية، تمتعت الكنيسة المصرية بالرعاية والاهتمام، بل كان هو نفسه ابن طولون ابنه خماروية من بعده يقومان بزيارة أديرة الصحراء؛ ليتفقد أحوالها ويرعى الأساقفة والرهبان، على حد قول ساويرس بن المقفع والمؤرخ الشابشتي صاحب كتاب الديارات.
واستمرت الكنيسة المصرية ورجالها يتمتعون بمزيد من الرعاية والاهتمام خلال العصر الفاطمي، فقد قرر خلفاء الدولة الفاطمية أرزاقًا ثابتة لأديرة الصحراء لإصلاحها، كما كانوا يقومون بزيارات لأديرة الصحراء لتفقدها ورعاية رهبانها ومشاركتهم أعيادهم، وبلغت حركة التعمير والبناء للكنائس والأديرة ذروتها في هذا العصر ولكل الطوائف المسيحية بلا استثناء، وأورد لنا أبو صالح الأرمني قائمة بالكنائس والأديرة المسيحية حتى عام 1200م؛ حيث بلغت 2084 كنيسة، و834 ديرًا موزعة على أبروشيات مصر لمختلفة.
استمرت رعاية الحكام المسلمين لتلك الآثار، كما سمحوا ببناء الكثير منها، ومما سبق يتضح مدى الرعاية والاهتمام الذي لحق بدور العبادة المسيحية في مصر من رعاية.
- الكنائس والأديرة المسيحية تحت ظلال لجنة حفظ الآثار العربية
زخارف مدخل الكنيسة المعلقة إسلامية الطراز
سأحاول هنا أن ألقي نظرة سريعة عن تاريخ الاهتمام بالآثار المسيحية في التاريخ الحديث لمصر، ففي أواخر القرن التاسع عشر صدر مرسوم خديوي من الخديوي توفيق في 18 ديسمبر 1881م بإنشاء لجنة حفظ الآثار العربية، وكانت هذه اللجنة تابعة في ذلك الوقت لوزارة الأوقاف إلى أن تمَّ ضمها إلى وزارة المعارف سنة 1936م، وقد أسهمت تلك اللجنة بدور كبير في الحفاظ على تراثنا الإسلامي من الضياع، فقد ظلت تعمل على ترميم الآثار والحفاظ عليها والنشر عنها حتى ثورة يوليو 1952م؛ حيث ضمت اللجنة سنة 1954م مع الأجهزة الخاصة بالآثار في جهاز واحد أطلق عليه مصلحة الآثار الذي تمَّ تغيير اسمه بعد ذلك إلى هيئة الآثار المصرية، ثم المجلس الأعلى للآثار حاليًّا، ولولا وجود هذه اللجنة لما بقيت لنا آثار إسلامية.. فَتَحِيَّة منا لها.

وفي سنة 1893م بدأ الحديث عن ضرورة الاهتمام بالآثار القبطية؛ حيث طلبت أقطاب مسيحية إشراف لجنة حفظ الآثار العربية على الآثار القبطية، وبعد التداول بين اللجنة والبطريركية انتهت إلى وضع الآثار القبطية تحت ظلال اللجنة، وصدر القرار على الرغم من اعتراض الشعب المسيحي، وبدأ الاهتمام الفعلي عام 1897م؛ حيث تم تعيين نخلة بك الباراتي عضوًا باللجنة لمتابعة شئون الآثار القبطية، وقامت البطريركية من جانبها بتخصيص مبلغ 200 جنيه سنويًّا؛ للمساهمة في الحفاظ على الآثار القبطية، وكلفت لجنة حفظ الآثار العربية المهندس. حسن محمد توفيق بترميم الآثار المسيحية، فقام سيادته بعمله على أحسن وجه، وانتهى من ترميم الكنائس المسجلة، وبدأ في تجميل المناطق حول الكنائس، وكانت علاقته بالمسيحيين علاقة وطيدة، حتى إنهم كانوا يداعبونه باسم حنا توفيق.
![]() |
|
منظر عام داخل الدير الأحمر بسوهاج |
كما اهتمت اللجنة بالتحف الباقية من تراث المسيحيين، وفي سنة 1898م خصصت قاعة في الكنيسة المعلقة لجمع التحف، ثم بدأ بعد ذلك إنشاء المتحف القبطي، الذي أهداه مرقص سميكة باشا للملك فؤاد، ورغم كل ذلك ثار الشعب المسيحي، فكتب مرقص سميكة باشا في مقدمة كتابه عن المتحف القبطي يُطمئن الشعب المسيحي بأن ما حدث هو لصالح المتحف، كما سبق من ضم الآثار القبطية إلى لجنة حفظ الآثار العربية، ولولا ذلك لرُممت على غير أصولها القديمة، ويطيب لي أن أُسجل هنا أن ما حظيت به الآثار القبطية من رعاية لجنة حفظ الآثار من الإشادة من ميريت غالي بك أحد زعماء الأقباط، ومن الدكتور. لبيب حبشي المتخصص في الآثار المصرية، ومن كبار العارفين بالآثار القبطية.
وبعد ثورة يوليو تَبِعت الآثار القبطية للمناطق الأثرية الموجودة بها، وقامت تلك المناطق بترميم الآثار المُسجلة بها ورعايتها.
وهناك محاولة لفصل الآثار القبطية عن قطاع الآثار الإسلامية والقبطية المسئول عن رعايتها وإنشاء الإدارة العامة لتوثيق الآثار وتسجيلها، وأود أن أنوه بأن الإدارة الجديدة لن تكون في مصلحة الآثار القبطية، بل إنها ستُطلق أيدي المسئولين عن الكنائس في الترميم حسب أهوائهم.
ومن خلال هذا العرض نستطيع أن نقرر حقيقة تاريخية تدعمها الشواهد المعمارية والزخرفية بأن التراث المعماري المسيحي بمصر تمَّ تشكيله من مدرسة الفن البيزنطي قبل فتح العرب لمصر في التخطيط، ومدرسة الطراز الإسلامي للزخارف بعد فتح العرب لمصر، فمعظم الكنائس والأديرة القائمة بما تشمله من زخارف والمواد المستعملة في مبانيها وطريقة البناء وزخارف الأخشاب؛ فكلها على الطراز الإسلامي، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
--------------
المراجع:
- مصطفى عبد الله شيحة: دراسات في العمارة والفنون القبطية، مشروع المائة كتاب، وزارة الثقافة، هيئة الآثار المصرية 1988م.
- رءوف حبيب: كنائس القاهرة القبطية القديمة، القاهرة 1959م.
- ألفريد.ج بتلر: الكنائس القبطية القديمة في مصر، ترجمة إبراهيم سلامة إبراهيم، مراجعة وتقديم الأنبا غريغوريوس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993م.
- أحمد عيسى أحمد: عمارة الكنيسة في مصر الإسلامية، مطبعة الخليفة، الطبعة الأولى 1427هـ- 2006م.
- ك. ك. والترز: الأديرة الأثرية في مصر، ترجمة إبراهيم سلامة إبراهيم، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2005م.
-----------
* دكتوراه في الآثار الإسلامية
