كنت أتلقَّى إبان عملي وكيلاً للنائب العام- ككل الزملاء- يوميًّا محاضر عن الجرائم، ومع المحاضر يُعرَض المتَّهَمون المقبوض عليهم، وكنت لا أحقق عادةً في جرائم الضرب إلا بجسامة الإصابات، ولكن واقعةً غريبةً استوقفتني ذات يوم لسبب آخر تمامًا، رغم أن الإصابة الجسدية كانت مجرد كدمة بالوجه لصفعة نالها المجني عليه.
كان المجني عليه رجلاً فاضلاً حسن النية, وقد علم أن ابن أحد الوجهاء في قريته يتعاطى الموادَّ المخدِّرة ويهرب من المدرسة الثانوية، فوجد أن عليه واجب إبلاغ الأب ليتحرَّى الأمر، فذهب إليه وأخبره بما علم، ولم يهتمَّ الأب بسماع الرواية، ولم يترك الرجل حتى ليكمل ما لديه، وإنما هب واقفًا وهو في حالة سعار ليقول: كيف تتجرَّأ على ولدي وتتهمه بتعاطي المخدرات ورفع يده وصفعه على وجهه!.
ودارت عجلة الزمن لأرى نفس الموقف يتكرر، وإن كان الجاني هو نظام حكم السلب والنهب وسفك الدماء، وإهدار الحريات، بينما المجني عليه بعض شرفاء الوطن, وإن كان قد حِيل بين النظام وبين إيذائهم سببٌ خارج عن إرادته.
خلال حكم العار المخلوع ارتكب المجرمون- سواء من الدائرة المحيطة أو من صغار المنحرفين ومن وضعوا أنفسهم بروح العبيد في خدمة السيد الكبير وأذياله وزبانيته- كل أنواع الجرائم والموبقات في حق الشعب والوطن، وساروا على دين سيدهم, فسُفكت دماء الأبرياء، وسُرق مالهم جهارًا نهارًا في حماية قانون ديوث، يطارد بائع الفجل ويترك لص المليارات حرًّا طليقًا, بل شرع القانون للنهب والسلب وصار أداة بيد أكابر المجرمين, وتحوَّل جهاز أمن الدولة إلى كابوس رهيب يطارد الناس في اليقظة والمنام، ويحصي عليهم أنفاسهم؛ لا لأن أحدًا منهم يتجسس لحساب الصهاينة أو يسعى لتهريب الهيروين، وإنما حماية الحاكم العار وعائلته لا أكثر ولا أقل, رغم أن فساد نظامه الفاجر أوضح من أن يجهله أحد.
وهذا أمر يحتاج إلى مجلدات، ولكني أستأذن القارئ الكريم في الوقوف طويلاً أمام مشهد من مشاهد عجيبة تستعصي على الفهم, وقد سجلت موقفي مرارًا في مقالات منشورة وفي جمعيات القضاة العمومية دون أن يتحرك ساكن ودون أن ألقى أي صدى, وأعود اليوم إلى طرح ما بح صوتي إزاءه، مستندًا إلى أن الثورة العظيمة غيَّرت المعطيات، وصار القانون يتحرك بهمة بعد أن كان بعض القضايا يركب صاروخًا عابرًا للقارات، وبعضها يمتطي ظهر سلحفاة، والبعض يموت بالرقود الطويل حبيس الأدراج!.
أما المشهد العجيب فهو ما أُثير عن الانتخابات، وما قيل عن "تجاوزات"، وهو اسم التدليل للتزوير, جريًا وراء منطق تسمية الأشياء على نحو يلطِّف وقعها على الذهن تحايلاً ودجلاً وافتراءً على الحقيقة, كما يُقال "تحريك" الأسعار بديلاً عن المعنى الحقيقي، وهو التهابها وسعارها!.
ولست أعني هنا فضيحة الانتخابات الأخيرة، فهذه معدومة المعنى والأثر، وقد أطاحت ضمن أسباب كثيرة بزعيم الاستقرار والاستمرار والرخاء، كما أطاحت بعصابة الأربعين ألف حرامي لا الأربعين كما في رواية علي بابا, وإنما أعني ما جرى في انتخابات العام 2005م.
عندما جرت الانتخابات بإشراف قضائي، ونجح معارضون بأعداد فوق ما هو محتمل من جانب المخلوع والعصابة, أعدت العدة بكل الطرق بعد تلقّي الضوء الأخضر من جورج بوش بطلب شارون، كما نُشر دون تكذيب بل وباعتراف رئيس وزراء مصر وقتها صراحة بحدوث التزوير, وقيل إن بعض القضاة شاركوا في "التجاوزات" التي هي اسم التدليل، كما قلت للتزوير, وإلى هنا والأمر ممكن استيعابه, أما ما استغلق عليَّ فهمه لليوم؛ فهو أن الشاهد وضع في القفص وبقي من أشارت إليهم أصابع الاتهام لليوم طلقاء!!.
تكلم قاضيان بهدوء ولياقة عن ضرورة التحري؛ إبراءً لساحة القضاء والقضاة، ولم يزيدا فلُوحقا, ونشر أحد كبار القضاة مذكراته، وقال إنه أزمع فصلهما وصمَّم, وتبيَّن- لاحقًا- من حديث لوزير العدل السابق، محمود أبو الليل راشد، أن ضغوطًا مُورست عليه من قبل المخلوع بعد أن حفزه مجلس القضاء الأعلى على محاكمة القاضيين, وحُوكم القاضيان وأُعدت العدة لفصلهما، والشواهد متواترة، منها تسليم من حرَّض على المحاكمة، وتولى هو نفسه رئاسة هيئة المحكمة, ولولا وقفة الدنيا كلها لجرى فصلهما؛ ولكن أتت الرياح بما لم يشته المخلوع وزبانيته أيًّا كانت مناصبهم, ولُوحق الصحفيان اللذان نشرا الخبر أمام محكمة الجنايات, ولولا صدور تقرير "فاجع" من محكمة النقض عن الانتخابات في بعض الدوائر, ولولا غضب الشارع لاختلفت النتيجة إزاء الصحفيين؛ ولكن رُؤي أن من الحكمة إنهاء المحاكمة.
ولقد قال غيري وقلت مرارًا، واليوم أُعيد، ولن أكف بإذن الله حتى يأخذ العدل مجراه, إذ كيف يلاحق كل من تحدث عن التجاوز "التزوير"، بينما لم يفتح ملف التجاوزات نفسه، وتُعلن الحقائق بعد التحقيق على الملأ؟!
إن من وجَّهت إليهم الخطاب تصرفوا بـ"أذن من طين وأخرى من عجين"، وكأننا نقول كلامًا موجَّهًا إلى سكان "زحل".
وكما كنت مذهولاً حانقًا غاضبًا أمسك نفسي من الانفجار في وجه الأب الأحمق، وكيف يهين الشاهد ويدع ولده السيئ يعيث فسادًا؛ فإنني اليوم أبدي بنفس الغضب والحنق نفس السؤال للنائب العام والمجلس القضاء الأعلى في مصر؛ أقول لهم: أيها السادة الكرام.. كيف نقبل الشروع في قتل الشهود، بينما يبقى الجناة أحرارًا طلقاء، خاصةً مع ما نُشر من وثائق مخزية مفجعة تشير إلى بعض المؤتمنين على مال الناس وكرامتهم، بل وحياتهم بالخيانة والتواطؤ؟!
والآن وقد بدأت آلة القانون تتحرك بهمة في اتجاهها الصحيح؛ فإنني أعيد ما سبق أن طرحته, وأتقدَّم بالبلاغ التالي إلى النائب العام، وقد سبق لي نشر بلاغ سابق عن نفس الأمر.. وهذا نص البلاغ:
السيد القاضي.. النائب العام المصري..
تحية طيبة، وبعد..
نسب إليَّ بعض القضاة دورًا فيما سُمي تجاوزات في انتخابات مجلس الشعب العام 2005م، وقد صدرت تقارير عن محكمة النقض في هذا السياق، وبعضها مما يرشح إلى مسئولية البعض- قضاة وغير قضاة- عما وقع من تجاوزات قد تشكِّل جناية تزوير في أوراق رسمية.. لذلك أتقدَّم إليكم طالبًا التحقيق الجنائي واتخاذ الإجراءات القانونية وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام..
وتقبلوا التحية..
القاضي فؤاد راشد.. رئيس محكمة استئناف القاهرة
ألا هل أبلغت.. اللهم فاشهد!.