تابعنا ما جرى ويجري على مستوى المراكز الرئيسية لقطاع مباحث أمن الدولة في مصر، وقياسًا على رد فعل الشارع المصري نرى الكثيرين تغمرهم الفرحة العارمة، وكأن ما يحدث هو نصر وفتح مبين.

 

اسمح لي أخي القارئ قراءة الموقف الحالي بصورة مغايرة قليلاً عن ظاهرها؛ لأن الحدث لا يمكن أن يمر بهذه البساطة على ضخامته واتساع رقعته، وخطورة الأطراف المشاركة فيه.

 

وسأطرح الموضوع على هيئة تساؤلات، وأرجو ألا يظن القارئ أن نظرية المؤامرة هي التي تسيطر على أدوات التحليل لأحداث الشارع المصري، بل نريد القراءة الواعية التي تلم بجوانب الموضوع، وتضع النقاط على الحروف:

 

1- منذ اليوم الأول لنجاح الثورة وتنحي حسني مبارك والكل يعلم- وخصوصًا قيادات أمن الدولة- أن العجلة قد دارت، وأن الأيام ستأتي بما لا تشتهي السفن؛ فهل من المعقول أن تنتظر قيادات أمن الدولة كل هذه الفترة لكي تبدأ عملية الخلاص من الملفات والأوراق؟

 

2- لقد ذكر شهود عيان أنه من اليوم الأول لنجاح الثورة وهناك جهازان رئيسيان يعملان ليلاً ونهارًا؛ للتخلص من جميع المستندات والوثائق التي تدين كبراءهما، جهاز رئاسة الجمهورية وجهاز أمن الدولة، والكل تحدَّث عن سيارات تنقل أوراقًا من وإلى..

 

3- هل دار في ذهن القارئ أن تدبير حرق المقر الرئيسي للحزب الوطني تمَّ على يد بلطجية رجال الحزب أنفسهم، وأخرجت التمثيلية؛ لكي تتم على أساس أن جماهير الغاضبين هي التي أحرقت بيدها الوثائق التي تدين كل العصابة التي تدير وتتحكم في الحزب، وبالأخص صفوت الشريف وعز وزكريا عزمي؟

 

4- ألم يكن هناك من الوقت الكافي لجهاز مباحث أمن الدولة لنقل وحرق كل المستندات طوال الفترة السابقة أثناء تولي أحمد شفيق رئاسة الوزارة، بدلاً من هذه التمثيلية الساذجة والتي يظهر فيها الشعب المصري وكأنه قد اقتحم فعلاً هذه المعاقل، وعندما تبحث فيما أعلن عنه من وثائق تجدها تقارير متابعة هزيلة لا تغني ولا تثمن من جوع؟

 

5- الكل يعلم أن الوزارات في مصر لها أرشيف إلكتروني، يتم فيه الحفاظ على المستندات المهمة، فما بالكم بأكبر جهاز أمني في مصر؟ أليس من السذاجة أن نتمسك ببعض الأوراق وقصاصات تقارير المخبرين ونترك الأرشيف الإلكتروني الذي يتحدث عن تنفيذ سياسات ومتابعة وزراء ونواب مجلس شعب؟.. هذا الأرشيف لجهاز مباحث أمن الدولة الآن في يد مجهولة، لا نعلم ماذا حدث له وما تبقى منه؟ والكل يعلم أن أغلب المستندات المهمة تم تخزينها على أفلام الميكروفيش والميكروفيلم وأسطوانات الليزر؟

 

6- لقد تركوا المتظاهرين يقتحمون المقر الرئيسي لأمن الدولة، وقل لي بالله عليك؛ هل يعقل لضباط أمن الدولة الذين تمَّ تدريبهم على أعلى مستوى من الحرفية أن يشعلوا نارًا وتتصاعد أدخنة اللهب وكأنها دعوة لجموع الناس: أيها الناس نحن مباحث أمن الدولة، وقد بدأنا حرق الأوراق، فمن أراد أن ينضم إلينا فمرحبًا به!!.. ما هذه السذاجة وهذا الضحك على العقول؟!.

 

7- لماذا لم يتول الجيش المصري التحفظ على مقار أمن الدولة على مستوى الجمهورية باستخدام الشرطة العسكرية منذ اليوم الأول لتوليه المسئولية والتحفظ على محتوياتها وملفاتها؟.. هذا هو الإجراء المنطقي لمن يريد أن يحاسب نظامًا ويقتلع فسادًا؛ أما وإن الأمر تُرك إلى الآن فإن الشكوك تساورني من مصداقية الكثير من التصرفات والتي في أغلبها دغدغة مشاعر الناس، وكأنهم قد اقتحموا مقار أمن الدولة وأنزلوا أنوفهم في التراب.

 

8- بلال فضل في "العاشرة مساءً" يتحدث مع منى الشاذلي، وكأنه يعلن أسرارًا عسكريةً، وكل ورقة يقرأها يقول إن التي بعدها أقوى وأشد.. ووجدت ما عرضه هو من الشأن العادي جدًّا لأمن الدولة ومكاتبات هزيلة لا ترقى إلى مستوى الخطورة التي كان يدعيها.

 

هذه بعض الخواطر عن حدث اقتحام مقار أمن الدولة الرئيسية، قد يكون رأيي صوابًا يحتمل الخطأ.

 

ولكني أتمنى وأنا أكتب للنخبة، ولمن أرى فيهم رجاحة العقل والفكر أن يُعاد تقييم ما حدث بشكل صحيح.

 

مع خالص تحياتي وتقديري.