يرى المتابع للمشهد المصري قبل وبعد الثورة عجبًا, فقد كان القول الشهير إن عصابة تحكم مصر يحمل على معنى المجاز؛ فإذا بنا نكتشف يقينًا صدق المقولة بمعناها اللغوي الحرفي, ولما كان المكان الطبيعي اللائق بالعصابة هو السجن فإنه مع توافر الحد الأدنى من مفترضات تطبيق العدالة راح أفراد التشكيل العصابي يتساقطون مجرمًا مجرمًا وإان بقي الرأس الكبير (البيج بوس!!) حرًّا طليقًا ينعم بالطبيعة الخلابة في شرم الشيخ وبجيرة أحبائه الصهاينة الذين تواطؤا على دم أطفال غزة معتبرًا إياه قربان حبه وولائه لهم, كما ينعم بالمال السحت من دم المصريين وتنعم ذريته بما سفحوه من دمنا في أوروبا؛ حيث يرفلون في عز المليارات المنهوبة من جوع من جاعوا، وعري من تعروا، وتشرد من تشردوا، وموت من ماتوا؛ لتعذر ثمن الدواء ومن ماتوا في القطارات الحارقة والعبارات الغارقة مجهولة المالك!.
ولا أدري لماذا لم يمنع الرأس الكبير من السفر، ولماذا لم يلقَ القبض عليه ولا على أي من أفراد عائلته حتى اليوم بما يلقي في يقين الناس أن العدالة ما زالت خافتة الصوت مترددة باهتة متلعثمة ذات طابع انتقائي, ولن يقتنع الناس حقًّا أن العدل أخذ مجراه ما لم يُسَق رأس الإجرام إلى ساحة العدالة، شأنه شأن بقية المجرمين ليسأل عن دم المصريين الذي نسب إليه سفكه على يد كلابه المسعورة، ويسأل عن مالهم مسئولية جنائية فليس على رأسه ريشة ولا على رأس عائلته التي قادت مصر إلى الخراب وعاثت فيها فسادًا وتفننت في إهانة أهلها وإذلالهم والتصرف فيها كضيعة ورثوها عن الأسلاف ليورثوها إلى الأبناء رغم أنوف أهلها!.
على أن من أعجب عجائب المشهد المصري موقف المنافقين، بدءًا من صغارهم وجهالهم وسفهائهم، مرورًا بالأراجوزات، وصولاً إلى الصغار الجالسين على مقاعد جلس عليها من قبلهم سادة كبار, ولا أعني بالدهشة غياب حمرة الخجل من وجوههم فذلك أمر ما توقعته قط، ولا توقعه غيري من منافقين أذلاء دمغهم الهوان ورضوا دور العبيد، وباعوا في سوق النخاسة شرفهم المهني والإنساني، وصاروا خدمًا في بلاط من يدفع, وإن مما يثير الدهشة أنهم مصممون على أن يكونوا في صدارة المشهد، وأن يكونوا من رجال المرحلة بدعاوى فارغة تافهة بلهاء؛ كالحديث عن محاكم التفتيش في الضمائر، ومقولة أنه يجب أن تبدأ الثورة بتسامح يعمُّ الجميع، وأن تترفع عن الانتقام ليبدأ الجميع صفحة جديدة، وكأن شيئًا لم يقع، فلا مال نُهب، ولا آمنين رُوِّعوا، ولا وطن بيع أرضًا ودورًا وتاريخًا ومؤسسات، ولا أبرياء قتلوا، ولا شباب راحت زهرة شبابهم أسرى في سجون الطاغية، بينما المنافقون يطبِّلون ويزمِّرون ويحرضون ويمجِّدون الطغيان؛ لقاء ما تناله أيديهم من ملايين الجنيهات الحرام، فضلاً عن البقاء في أماكن وأدوار هم آخر من يصلح لها بمؤهل وحيد؛ هو انعدام الخلق والشرف والضمير، ومن المسلَّم أن المحرض على جريمة هو شريك في ارتكابها.
ما زلت تفتح التليفزيون فتطل عليك وجوه مسوخ بشرية تتلوَّى كالأفاعي، وتتلون كالحرباء لتشق لنفسها طريقًا لتبقى في مرتع يدر دخلاً فلكيًّا، وقد سمعنا عن رواتب خيالية يتقاضاها معدومو الموهبة والضمير، وتنال بركاتها بعض (الثورجية الأدعياء) ممن لا نعرف لهم ولاءً حقيقيًّا وإن كان بعضهم لاعبًا ماهرًا يجيد قراءة اتجاه الريح ويعلم على أي حصان يراهن, ومن العجب العجاب أن راتب بعضهم يعادل مجموع راتب أساتذة الجامعة في ثلاث أو أربع كليات!.
وتفتح الصحف المسماه بالقومية فترى نفس الوجوه التي تخصصت في الدفاع عن الطغيان وحكم اللصوص تدافع بل وتندفع في سرعة البرق لتتبنَّى مواقف الثورة وتتحدث عن النظافة والتطهير, فتضحك لشر البلايا المضحكات.
لقد تباينت تصرفات المنافقين لا بقدر حس وطني ولا موقف مبدئي أو أخلاقي، وإنما على أساس انتهازي صرف وتصرف كل بقدر ذكائه أو غبائه, كان هناك مهرة اللاعبين، وقد تصرفوا مثل بهلوانات السيرك، فهم مع الثورة والطغيان في نفس اللحظة لاعبين على كل الحبال, وإن كانت كفة مواقفهم قد راحت تميل قليلاً قليلاً باتجاه الثورة كلما تأكد نجاحها حتى رأينا من يعلن براءته من الحزب الوطني على الملأ قبيل سقوط رأس الإجرام بعد أن تحقق السقوط ليحجز لنفسه مكانًا في العهد الجديد، فقفز قفزةً واحدةً من السفينة الغارقة وتبرأ من ربانها وطاقهما!.
وهناك نموذج المنافق (الحنجرة) الذي يتكلم لساعة كاملة وأنت تتابع وتسمع بيانًا عربيًّا دون أن تفهم شيئًا إلا تنويعات صوتية تحاول أن تقول لكل طرف إنه معه بقلبه وروحه دون أن يلزم نفسه شيئًا أو يعلن انحيازه لطرف, فهذا هو كل ما تعلمه من خبرة السنين في حقل الأداء السياسي, وقد رأينا بعض هؤلاء الحنجرات يتحدث عن نيته الترشح لحكم مصر اعتمادًا على مؤازرته الثورة!.
ولكن أكثر المنافقين لعبوا بغباء فج فتباروا في الدفاع عما يوقنون أنه حكم اللصوص والقتلة, وكانت الدائرة تضيق حول رأس سيدهم، وهم في عمى عما يدور من حولهم, وحشد جهاز الإعلام كل طاقته لإثبات ولائه للطغيان, فلما جاءت لحظة سقوط الطاغية صاح هؤلاء تحيا الثورة! وراحوا يتصدَّرون المشهد، ويقدمون النصح، ويرسمون الخطط، ويدبجون المقالات عن العهد البائد وفساده، وكأنهم لم يعرفوا فساده الذي زكم أنوف الدنيا إلا بعد رحيله.
لقد أجرت الثورة فرزًا طبيعيًّا عظيمًا بين من يدافعون عن القيم والمبادئ وبين الآكلين على كل مائدة, ولسنا نطالب بمحاكم تفتيش ولا بانتقام من أحد، ولكننا نطالب بمحاسبة كل من طغى وبغى وسفك الدم الزكي ومن أعانه أيضًا من بطانة السوء من المنافقين وهم جيش جرَّار، ومن بدأ حسابه منهم لا يمثل أدنى نسبة مئوية من بقية العصابات الإجرامية فما زال أكابرهم طلقاء, ولعل من سوء طالع المنافقين أن كل المواقف مسجلة كتابة أو بالصوت والصورة, ولا مجال للتذاكي؛ فكل الأوراق مكشوفة.
ولكن قبل الحساب وفتح الملفات فإن على هؤلاء أن يرحلوا وبغير تردُّد ولا تلكؤ عن مقاعدهم؛ لأن بقاءهم إهانة لدم الشهداء، ولأنه لا أحد يطيقهم بعد أن سقط سيدهم وولي نعمتهم، ومن كانوا يسبحون بحمده وينشدون رضاه، وينتظرون عطاياه وغنائمه، مهما أسخطوا الشعب كله, ولا أطلب ذلك منهم باسم ما لا عهد لهم به من الكرامة والشرف والحياء وعزة النفس، وكلها توجب عليهم الانسحاب من مشهد سعوا إلى وأده، وأمل بذلوا طاقتهم للإجهاز عليه، فإن لم يرحلوا طائعين فإن على المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يزيحهم إراحةً للأحياء وإكرامًا لدم الشهداء, ولا بد بعد ذلك من الحساب بقدر ما جنت أيديهم, لا نطلب انتقامًا ولكننا نطلب تطبيق العدالة على نحو لا يفلت مجرمًا من العقاب!.