لم تمر أسابيع قليلة على سقوط أعتى "دكتاتورية" في المنطقة تحت طوفان انتفاضة الشعب
التونسي؛ حيث أصبح فيها الرئيس صاحب الصولجان والعنفوان- بين عشية وضحاها- لاجئًا في الشتات.. هذا المشهد كان كافيًا ليتعظ النظام الحاكم في مصر ليتدارك أمره، ويراجع حساباته وسياساته الجائرة مع الشعب المصري، لكن أحدًا لم يتعظ، ولم يعِرْ الرئيس أي اهتمام بما جرى في تونس، فمقارنة مصر بما جرى في تونس- وفق وزير خارجية النظام أحمد أبو الغيط- "لعب عيال"!.
وهكذا عاش الرئيس مخدرًا بفعل كل الجهات المحيطة به، من قيادات حزبية فاسدة، وآلة إعلامية جهنمية، ودعم دولي وصهيوني، لكنها لحظة "الجد"، تبخّرت وتلاشت، أصبحت أثرًا بعد عين، لقد اجتمعت هذه القوى الشيطانية على تضليل الرئيس، وهو في الحقيقة كان مستعدًّا لذلك، وعندما سقط تبخّروا جميعًا، بما فيهم جهازه الأمني وجحافله، ولم يُسمع لهم همسٌ، ليجد الرجل نفسه وحيدًا بين الجيش الذي انحاز لمطالب الشعب، معلنًا عدم الصدام مع المتظاهرين.
لقد هندس "جمال مبارك" و"أحمد عز" صناعة طبقة جديدة من قيادات الحزب الوطني، معظمها من الأساتذة الأكاديميين في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ضمَّتهم لجنة السياسات، وطبخت تلك اللجنة- بالتعاون مع أمين عام الحزب الوطني- كمًّا هائلاً من الأكاذيب حول نجاح سياسات الحزب، وارتفاع مستوى التنمية والتطور، وطبخت أكبر عملية لتزوير الانتخابات البرلمانية في تاريخ مصر، وخرجت على الشعب المصري تُخرج لسانها قائلةً: لقد نلنا ثقتك بنسبة 90% رغمًا عنك وعن جدودك، وأخرجت لسانها للناجحين الحقيقيين في الانتخابات، بأن الشعب لفظكم، وتباهى "صفوت الشريف" بأن حزبه هو الحزب الحقيقي، وأنه يضمُّ بين صفوفه ثلاثة ملايين ونصف المليون عضو، وتواصلت الأكاذيب، بينما كان الدم يغلي في عروق الشعب المصري، وقد خدَّمت على تلك الطبقة، وروَّجت لها على مدى واسع آلة إعلامية جهنمية، تمَّ تسخير كل الصحف المسمَّاة بالقومية وقنوات التلفزة المصرية والقنوات الخاصة، بل والفضائيات العربية لها، وهي آلة جهنمية بحق! وقف على رأسها فلول اليساريين وفاقدي الهوية، والذين حملوا أسماء منتفخة ومنفوشة، وظانِّين أنهم باستمرار ركوبهم على آذان الشعب المصري قد نجحوا في قلب الحقائق، وغسلوا مخه، لكن الحقيقة أنهم كانوا يزيدون من ارتفاع ضغط الدم عند الشعب المصري، وزادوا من احتقانه بحملات متواصلة على الشرفاء من أبناء الوطن، وتقديمهم لمحاكمات عسكرية ظالمة.
وظل النظام صامًّا آذانه في غطرسة عن الاستماع لصوت الجماهير وصوت الحق والعدل
والحرية، وظنَّ أن تحالفه مع الأمريكان والغرب والصهاينة سيكون حصنه الحصين، فلا أهمية للشعب طالما أن قوة أمريكا والصهاينة حاضرة، لكنَّ قوة الله أكبر، ثم قوة الشعب أبقى.. لقد أدار النظام ظهره لمواقف الشعب المتضامنة مع قضية الشعب الفلسطيني، وخاصةً حصار غزة، فأغلق معبر رفح، وسكت عن حرب الإبادة في غزة، وشرع في بناء جدار فولاذي لإحكام الحصار على غزة، واعتقل معظم من حاول تنظيم قوافل إغاثة لغزة، وصادر معظم شحنات الإغاثة القادمة من داخل مصر وخارجها، بينما كانت الآلة الإعلامية الجهنمية تبرِّر كل ذلك وتزيد من احتقان الشعب المصري.
لقد صنعت سياسات ومواقف الرئيس والتحركات المستفزة من قبل تلك الطبقة المحيطة به حالة من التحضير والتمهيد لتلك "الثورة"؛ باستفزازها المستمر للشعب، وبزيادة درجة غليانه، وبهذا تكون قد قدمت خدمةً مجانيةً- وهي لا تدري- لتلك "الثورة المباركة".
وعندما وقعت الواقعة؛ تبخّر الجميع من حوله ولم يبقَ إلا هو.. يواجه مصيرًا غامضًا! أليس في ذلك عبرة وعظة لمن يتعظ؟! (لّقّدً كّانّ فٌي قّصّصٌهٌمً عٌبًرّةِ لأٍوًلٌي الأّلًبّابٌ...) (يوسف: 111).
-------------
(*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية- Shaban1212@gmail.com