- د. رضا حجاج: غياب التخطيط وعيوب التنفيذ أهم الأسباب
- د. علي بركات: إهمال تام لدراسة التربة والظروف المحيطة
- د. أسامة عقيل: فضيحة "صفط اللبن" تهدد حياة المارة
- سعد خليفة: المسئولية تتحملها هيئة الطرق والكباري
- الشركة المنفذة: نتهم زيادة الأحمال وتشققات التربة
تحقيق: أحمد الجندي ومالك عبد الرحمن
تصدعات وكسور تهدد محور صفط اللبن المزدوج، الذي استنزف 900 مليون جنيه ولم يمر على افتتاحه سوى 6 أشهر، وتبدو التشققات واضحةً، بدايةً من نقطة التقاء المحور مع كوبري بين السرايات، والتي شهدت عمليات ترميم، وتمتد على طول المحور البالغ 9.3 كيلو مترات، ليصل بين منطقتي بين السرايات وصفط اللبن بمحافظة الجيزة.
وتبرز التشققات في الوصلات الموجودة بالكوبري والتي يتسع بعضها بعدة نقاط ليشمل عرضه كله، وذلك غير الشروخ التي ظهرت بالأرصفة الجانبية، وخروج الأسلاك والكابلات الكهربائية العارية من أعمدة الإنارة؛ ما ينذر بحوادث قاتلة في أية لحظة، ويفتح من جديد ملف مستقبل الكباري في مصر، والأضرار التي قد تنجم عن مثل هذه التصدّعات وآثارها؟ وقبل ذلك كله تفتش عن المسئول عن فضيحة الفساد الجديدة وغيرها.
(إخوان أون لاين) يستطلع آراء الخبراء وإجاباتهم في سطور التحقيق التالي:
تخطيط وصيانة
يوضح الدكتور رضا حجاج، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، أن مخاطر تصدعات الكباري تختلف حسب درجة التصدع إذا كان بسيطًا أو متوسطًا أو كبيرًا، مشيرًا إلى أن التصدع البسيط يُشعر المارَّة بعدم الأمان ولا يوقف للحركة، أما المتوسط فهو يؤدي إلى توقف المرور على الكوبري مثل انهيار فاصل التمدد بين الوصلات، أما إذا حدث انهيار في جزء معين من الكوبري فيكون الخطر شديدًا؛ لأنه يعرِّض حياة المارِّين على الكوبري للخطر، ومن الممكن أن يتسبب في سقوط أشخاص أو سيارت من فوق الكوبري.
ويُرْجِع هذه التصدعات إلى حدوث أخطاء في تخطيط إنشاء الكوبري، وعدم التحقق من البناء على تربة صالحة، وأخطاء أخرى بالتصميم، مثل: أن يكون الكوبري لا يحتمل الأحمال الكبيرة من أوزان السيارات، أو تكون الأعمدة غير قابلة للتمدد والانكماش مع تغيُّر درجة الحرارة في الصيف والشتاء، أو تكون اللوحات الحاملة لا تتحمل الأوزان الثقيلة فتنهار كما حدث في كوبري بلبيس، مشيرًا إلى أن أخطاء تنفيذ المشروع قد تؤدي أيضًا إلى انهيار الكوبري في أي وقت.
ويبين أن من أهمِّ أسباب تصدُّع وانهيار الكباري في مصر هو غياب رؤية الصيانة الدورية للكباري، فيتحول الخطر البسيط إلى خطر كبير ويتسبَّب في الانهيار، مشيرًا إلى أن الذي تعرفه الحكومة المصرية فقط هو الإصلاح بعد "الخراب"، بالرغم من أن تكاليف الصيانة تكون بسيطة جدًّا إذا ما قورنت بتكاليف الإصلاح والترميم.
ويستطرد د. حجاج قائلاً: "أتحدى أن يكون هناك مستند واحد في أية محافظة من المحافظات أو بهيئة الطرق والكباري، يقول إن هناك خطةً لصيانة أي كوبري في مصر، أو يحدد ميزانية لصيانة الطرق والكباري!.
ويشير إلى أن هناك خلطًا في ملكيات وتبعية الكباري، يعيق عمليات الإشراف على الكباري، فالكوبري الذي يمرُّ فوق النيل مثلاً يتبع المحافظة وهيئة الطرق والكباري ووزارة الري، والكوبري الذي يخدم تجمع خاص يتبع لهيئة الاستثمار، وهيئة الطرق والكباري، مؤكدًا أن هذا الخلط يعطي لكلِّ جهة الحقَّ في أن تضع اشتراطات معينة للكوبري، تكون نتيجتها التضارب في الاشتراطات وعدم التوافق بين الجهات المسئولة عن التنفيذ.
ويضيف أن من أهم أسباب الفساد في هيئة الطرق والكباري هو احتكار بعض الشركات لتنفيذ المشروعات؛ حيث تحصل على حقِّ التنفيذ بالأمر المباشر، بالرغم من أن أدائها فيما قبل أظهر أخطاءً في كلِّ مراحل التنفيذ، منتقدًا التجاهل الحكومي لتقييم أداء هذه الشركات، واستبعاد الشركات التي ارتكبت أخطاءً بالمشروعات السابقة.
ويوضح أن إسناد المشروعات بالأمر المباشر جعل الشركات المنفذة للمشروعات الحكومية تتلاعب في الخامات المستخدمة؛ لتخفيض التكلفة من أجل تعظيم مكاسبها وتحقيق أرباح كبيرة.
وحول التصدعات التي ظهرت بمحور صفط اللبن، يقول: إن الأخطاء تواصلت قبل حتى تنفيذ هذا المشروع؛ حيث قدَّمت جامعة القاهرة لمحافظة الجيزة مقترحًا بحلٍّ بديل عن إنشاء المحور، إلا أن المحافظة ضربت به عرض الحائط، واعتمدت على رأي أحد مكاتب الاستشارات الهندسية، بالرغم من أن الجامعة ليس لها مصلحة خاصة، بعكس المكتب الاستشاري الذي اعتمدت عليه المحافظة.
ويرجع السبب الرئيسي بتصدعات محور صفط اللبن إلى الخطأ في تصميمه، مثل لحم كوبري حديد بخرسانة مسلحة، ووصل كوبري جديد لم يحدث له هبوط في التربة مع كوبري قديم حدث له هبوط واستقر منذ فترة؛ لأنه بعد فترة زمنية سيهبط الكوبري الجديد، ومن ثمَّ يحدث تصدُّع في منطقة اللحام، وهو ما حدث بالفعل في محور صفط اللبن.
ويحذر من أن التصدعات الخارجية التي حدثت وتمَّ علاجها من الممكن أن يكون بداخلها تصدعات داخلية أكبر وأشد أثرًا من التصدع الخارجي، مطالبًا بالكشف على المحور كله؛ للوقوف على المشكلات وعلاجها قبل تفاقمها.
دراسات التربة
د. علي بركات
ويتهم الدكتور علي بركات، أستاذ الهندسة المدنية بجامعة الإسكندرية، سوء تصميم الكباري بالتسبُّب في التشقُّقات والتصدُّعات؛ حيث لا يتمُّ مراعاة طبيعة التربة أو الظروف الجوية المحيطة بالمكان، لافتًا إلى أن الكباري التي تمرُّ فوق المياه يختلف تصميمها عن الكباري التي لا تمر فوق المياه، كذلك فإن الكباري الخرسانية تختلف عن الكباري المعدنية.

ويشدِّد على أهمية صيانة الكباري كل سنتين، وتحديد مناطق القوة والضعف فيه، والوقوف على مشكلات الكوبري لترميمه، مستنكرًا ما يحدث في مصر من القيام بعمليات الصيانة كل 50 عامًا، والانتظار حتى ينهار الكوبري أو تحدث به مشكلات لنقوم بعمليات الترميم.
ويؤكد أن حدوث تشقُّقات وتصدُّعات في كوبري بعد افتتاحه بـ6 أشهر يدل على وجود خطأ في التصميم، وعيوب في المواد المستخدمة، كأن تكون تالفةً أو النسب المستخدمة غير مطابقة للمواصفات.
ويوضح أن لكلِّ كوبري سعةً حمليةً، فلا يجوز أن تمرَّ عليه أحمال أعلى من سعته الحملية، فمثلاً إذا كان الكوبري سعته الحملية 20 طنًّا فلا يجب أن تمرَّ عليه شاحنات أكثر من 20 طنًّا، مشيرًا إلى أن زيادة السعة الحملية للشاحنات عن السعة الحملية للكوبري تتسبَّب في حدوث تصدعات وتشققات.
ويشير إلى أن عملية الترميم تتوقف على حجم التصدع وعمر الكوبري بعد أن تحدِّد لجنة هندسية مختصة متطلبات الترميم أو حتى تطلب إزالة الكوبري وإعادة بنائه، موضحًا أنه من المفترض أن يعود الكوبري بعد الترميم إلى حالته الأولى، لكن ما يحدث في أغلب عمليات الترميم أن يتم تحسين الكوبري بنسب معينة إلا أنه لا يعود إلى حالته الأولى؛ ما يؤدي إلى تكرار عمليات الترميم.
صفر في المائة
ويحذر الدكتورأسامة عقيل، أستاذ الطرق والمرور والمطارات بكلية الهندسة جامعة عين شمس، من المصائب التي تنجم عن تشققات وتصدعات الكباري؛ ما يعرِّض أرواح آلاف المواطنين للخطر، مشددًا على ضرورة التيقن من أن تكون نسبة الخطأ (صفر في المائة) عند إنشاء الكباري.
ويوضح أن ثمة خطأً ما حدث في تصميم محور صفط اللبن؛ حيث إن فترة الضمان لأي كوبري يجب ألا تقل عن عامين تبدأ بعدها عمليات الصيانة والتقييم، مشيرًا إلى أن الترميم يُحسِّن من أداء الكوبري لكنه لن يعيد الكوبري إلى حالته الأولى، كذلك عمليات الترميم هي الأخرى يحدث فيها الكثير من الأخطاء.
ويطالب بضرورة تشديد الرقابة على الشركات المسئولة عن هذه المشروعات وتشديد العقوبات على الشركات المخالفة، محذِّرًا من خطورة مثل هذه الأخطاء على أرواح المواطنين.
إهمال حكومي
![]() |
|
سعد خليفة |
ويشدِّد على ضرورة قيام استشاريي الهيئة الهندسيين بمهامهم في الإشراف على الدراسات الإنشائية لمشروعات الطرق والكباري، وعلى تنفيذها من قِبل الشركات المُسْند إليها العمل، مشيرًا إلى أن أسباب التصدعات، سواء كان سببها عدم دقة أبحاث التربة أو عدم مطابقة الخرسانات للمواصفات، بخلاف كونه مسئولية على الشركة المنفذة للمشروع، فالمسئولية السياسية في النهاية تقع على الحكومة.
ويطالب باستخدام دراسات فنية عالمية، واستقدام إستشاريين عالميين للإشراف على تنفيذ مشروعات الطرق والكباري في مصر؛ للوقوف على مواطن الخلل، وتحديد طريقة علاجها، منتقدًا عدم التخطيط الجيد للمشروعات قبل تنفيذها، والاهتمام بعمل دراسات متقنة قبل إهدار ملايين الجنيهات.
الأحمال وتشققات التربة
من جانبه، يرجع عبد الله أحمد السيد، المهندس بشركة النصر للمقاولات وأحد المشرفين على تنفيذ الإنشاءات بكوبري محور صفط اللبن، التصدعات إلى زيادة الأحمال على الكوبري، فضلاً عن تشققات التربة التي تمَّ دقُّ الخوازيق الحاملة للكوبري بها؛ ما يسبِّب التصدُّع والتشقق، مؤكدًا أنه تمَّ فحص المحور والتأكد من سلامته قبل تسليمه.
ويضيف أن الشركة ستنتدب لجنةً من المهندسين لمعاينة الكوبري، وتحديد ما فيه من تصدعات، وترميمها إذا استدعى الأمر، مشيرًا إلى أنه ليس هناك تقريرٌ يوضح أسباب التصدع وخطورته حتى الآن، فمن الصعب تحديد الأسباب الحقيقية لحدوث تلك التصدعات حاليًّا.
ويوضح أن عملية الترميم ستتوقف على حجم التشقق والتصدع، مستبعدًا أن تعيد عمليات الترميم الكوبري إلى حالته الأولى إلا أنها تحسِّن من حالته، وتمنع حدوث الانهيار.
