- المياه الجوفية والرطوبة تهدده بالانهيار!

- المئذنة آيلة للسقوط وتهدد المنازل المحيطة!

- إهمال الترميم أَمَال الجدران تجاه الشارع!

كتبت: هند محسن

ومن صَحِبَ الدنيا طويلاً تقلبَتْ    ***     على عينهِ حتى يرى صِدْقَها كذبا

ربما تكون حكمة المتنبي تلك، هي لسان حال مسجد "قراقوجا الحسني" الذي تقلبت عليه نحو 600 عام منذ إنشائه، لقي خلالها الاهتمام اللائق كبيت من بيوت الله وأحد الآثار الإسلامية الشهيرة في مصر، حتى بلغ به العمر أن يعايش وزارة ثقافة "الفنان" فاروق حسني، التي لم ترع أهميته الثرية وفنه المعماري، وبالغت في إهماله حتى باتت القمامة هي ما تحيطه من جميع جوانبه، لا الرعاية والاهتمام.

 

 الصورة غير متاحة

 ضريح الأمير وقد تحول إلى مخزن للأشياء القديمة!!

في منطقة درب الجماميز بحي السيدة زينب حاليًّا، بنى الأمير "قراقوجا الحسني" أحد مماليك السلطان الظاهر برقوق في عام 845 هجريًّا 1441م مسجدًا سماه الناس باسمه، لما عرف عن الأمير المملوكي من صلاح الدين والخلق ورجاحة العقل وحبه للصدقات والتواضع وإكرام الفقهاء والصالحين، وقد تُوفي بالطاعون هو وولده عام 853 هجريًّا.

 

ويتكون اسم المسجد والأمير من كلمتين، الأولى "قرا"، والتي تعني اللون الأسود باللغة الفارسية، و"قوجا" التي تعني كلمة السيد أو الأستاذ.

 

وعلى مساحة 400 متر مربع، بنى الأمير المسجد في حي تزينه البساتين والمساحات الخضراء ومختلف أنواع الأشجار، بالقرب من خليج كبير يشق القاهرة حينئذٍ، وقد تمَّ ردمه فتحول إلى شارع بورسعيد، كما اختفت الحدائق المورقة بعد الزحف السكاني، فيما تكفلت "ثقافة" فاروق حسني- مع الحي- بإهمال المسجد تمامًا، لتحيطه أطنان القمامة من جميع الجوانب.

 

 الصورة غير متاحة

آثار الرطوبة على جدران المسجد والتي تمتد إلى 2م فوق سطح الأرض تجعله سينهار على رءوس المصلين!!!

وتزين مسجد "قراقوجا الحسني" بمئذنة منفصلةٍ عن جسده، تصله بها قنطرة عالية مبنية على قاعدة حجرية بحارة السادات، بلغ ارتفاعها 6.8 أمتار، وهي المئذنة المهددة بكارثة وشيكة الحدوث، فالشقوق والشروخ تمتد بطول ارتفاعها، وتنذر بسقوطها في أية لحظة على ما يلاصقها من منازل وبيوت المهمشين في ذلك الحي الفقير.

 

وترى إهمال المجلس الأعلى للآثار منذ الوهلة الأولى لدخول المسجد؛ حيث تشعر بأن أرضيته شديدة البرودة، وتبصر آثار المياه واضحة على جميع جدرانه، وعندما سألنا عن سبب ذلك، أكد حارس المسجد أن المياه الجوفية تنفجر باستمرار من فتحة كبيرة أسفل أحد أبواب المسجد؛ لتغرق السجاجيد والمفروشات، وتؤثر في جدرانه بشكلٍ خطير، والتي تتشبع بالرطوبة العميقة الممتدة لـ2م فوق سطح الأرض، كما أن الأرضية منخفضة بشكلٍ ملحوظ عن مستوى الشوارع المجاورة له، وتمتد الشقوق في الجدران رغم محاولات الترميم الواهية.

 

وفي جولتنا داخل المسجد شاهدنا آثارًا؛ كيف أثرت عمليات الترميم المزعومة سلبًا وبشكل خطير على جدرانه وإيواناته وسقفه، والأخير تملأه فروق واسعة غير مترابطة، تهدِّد بسقوطه على رءوس المصلين، وفي الجهة اليسرى لإيوان القبلة تم لصق السقف بقطع من خشب "الأبلاكاش"، في إهمالٍ واضح من جانب المرممين؛ الأمر الذي أثر على تحمله قطعًا خفيفة بهذا الشكل، ناهيك عن بشاعة التصميم الهندسي الذي آل إليه!، إضافةً إلى غرس قطع من الحديد في السقف مما أثر بشكل رديء على الزخارف المذهبة المرسومة به!!.

 

 الصورة غير متاحة

أطنان القمامة تحيط بالمسجد الأثري!

أما حائط إيوان القبلة بدا مائلاً إلى الخلف باتجاه الشارع بشكلٍ لافتٍ للنظر، بعدما ضغط المرممون على حوائط المسجد بالسقف الخرساني الذي تم إنشاؤه في تسرع بشع؛ لإتمام عملهم- بحسب قول الحارس- ما لم يُؤثر فقط على الجدران بل صدّع جزءًا من السقف معه!، وكان يمكن حماية هذه الحوائط وجدران المسجد من الميل والرطوبة بحقن الحجارة- حسب متخصصي الآثار- إلا أن هذا لم يحدث؛ ما دهور حالة المسجد!.

 

حارس المسجد كشف عن كارثة إضافية، حين نبه المهندسون أثناء الترميمات إلى أن ضريح الأمير وابنه أسفل صحن المسجد، وعليهم الحفر ليستخرجوه أولاً، إلا أنهم سخروا منه، فما كان منه إلا أن بعث بخطابات لوزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للآثار والثقافة ولمجلس الشئون الإسلامية، وهيئة الرقابة الإدارية وحتى ديوان رئاسة الوزراء، ليتم الحفر تحت صحن المسجد؛ حيث ظهرت حجارة الضريح وعمود رخامي كشاهد للقبر، إلا أن المقاول أصر على ردم الضريح وكان مبرره أنه سيعطل عمله!.

 

ويعود الحارس لإرسال خطابات إلى الهيئات المعنية، التي قررت الكشف فقط عن شاهد الضريح ووضعه بحجرة مهجورة قرب دورات المياه، امتلأت مع الوقت بأغراض المسجد القديمة كمخزنٍ لها، في تعمد واضح لانتهاك حرمة الضريح!!، ويضيف: كما أبلغت المسئولين عن وجود مجوهرات وعملات ذهبية تحت صحن المسجد، كان الأمير ينفق على المسجد منها، إلا أنهم لم يلتفتوا إليها قط، مبديًا مخاوفه الشديدة من تعرضها للسرقة من قِبل لصوص الآثار!.

 

 الصورة غير متاحة

الدرج الموصل لسطح المسجد متهالك للغاية!

ويتكون المسجد من صحن مستطيل الشكل به 4 إيونات، أكبرها إيوان القبلة، ويبدو المحراب كبناءٍ مجوف حوله عمودان من الرخام، وفوقه نافذة تأخذ شكل الاستدارة، فضلاً عن وجود رسومات بنقوش زيتية ومذهبة، وأيضًا آيات قرآنية من سورة "النور" مكتوبة بلون الذهب.

 

وصعدنا سطح المسجد من باب ضيق للغاية، وبالركن الشرقي للمسجد باب ضيق يفتح على درج متهالك، ويعاني إهمالاً شديدًا يوصل للسطح، ونظرًا لخطورة الصعود عليه تم بناء درجٍ حديدي ينقلك للسطح؛ حيث ترى قبة يعلوها هلال تزين سقف المسجد، وسطح المسجد لا يقل تدهورًا عن داخله، فحوافه سقط بعضها، والبعض الآخر في انتظار السقوط، ولم تطله أعمال الترميم مطلقًا، بل عاثت فيه يد الطبيعة والأحوال الجوية لتشوه زخرفاته كلها!!.

 

وتشاهد مئذنة متفردة في عمارتها ومنفصلة عن المسجد، وهي قائمة على قاعدة حجرية مربعة، وتتكون من طابقين الأول مُثمن الشكل، أما الطابق الثاني فذو شكل أسطواني.

 

ومن السطح انتقلنا إلى القنطرة التي تُوصلنا إلى هذه المئذنة، وهي تتكون من بضع درجات حجرية أخرى، كان المؤذن يصعدها ليصدح صوته بالآذان، إلا أنها الآن مُهملة وحالكة الظلمة ويتهددها السقوط!.

 الصورة غير متاحة  الصورة غير متاحة

المئذنة الأثرية تقف شامخة قبل أن تنهار

خشب الأبلاكاش يرقع سقف المسجد في إهمال ترميمي واضح!

 الصورة غير متاحة  الصورة غير متاحة

 الرطوبة أثرت على المئذنة بشكل كبير

 الشق الكبير الذي تتفجر منه المياه الجوفية في صحن المسجد وتغرقه!!

 الصورة غير متاحة  

فروق كبيرة في السقف تهدد بالسقوط في أية لحظة!

سطح المسجد لم يسلم أيضًا من تدهور حالته