كالنار المحرقة، أو كالصاعقة الماحقة، أو كالزلزال المدمر، انقض الشعب التونسي العربي الأبي على جلاديه الظلمة وحكامه الطغاة ينتزع من بين أنيابهم حريته، ويسترد كرامته في غضبة ثوريه مليونية، وهو يردد كلمات شاعرهم الخالد الذكر "أبو القاسم الشابي":
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـد لليـل أن ينجلــي ولا بد للقيد أن ينكسـر
أحسست كأن روح الشاعر تحلق فوق مواكب الثوار، وهي تقول بلسان الحال: ها هي كلماتي الثائرة تتحقق اليوم على أرض الواقع، وأنتم تهبون في وجه الطاغية التونسي، كما تحققت من قبل على أيدي آبائكم حين هبوا في وجه الاحتلال الفرنسي.
قلت في نفسي: إن كلمات الحق- شعرًا كانت أو نثرًا- بمثابة حراب مشهورة في وجوه الطاغين، وألغام مزروعة في طريق الظالمين، وتذكرتُ قول أحد دعاة الإصلاح في القرن الماضي، وهو عبد الرحمن الكواكبي: "هذه كلمات إن ذهبت اليوم مع الريح، فستذهب غدًا بالأوتاد"؛ وازددت يقينًا بأن عروش الظالمين أوهن من بيت العنكبوت، بل هي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، مهما استكثر الطغاة من الجنود الحارسة، والحصون المانعة، والواقع خير شاهد، والأحداث أوضح برهان، فإن النظام الديكتاتوري في تونس الخضراء المدجج بالسلاح الفاتك لم يستطع مجابهة شعب أعزل من السلاح المادي، ولكنه يمتلك أقوى وأعتى سلاح معنوي.. إنه سلاح الإرادة.
كم هو عجيب أمر طغاة الشرق العربي، لقد شربوا من كأس واحدة، وقد غاب عنهم أمران جليلان:
الأول: أن العدل أساس الملك، وضمانة ديمومته واستمراريته، وفي هذا المعنى يقول الإمام "ابن خلدون"- مؤسس علم الاجتماع: "إن العدل أساس العمران، والظلم مؤذن بالخراب"، وفي صفحات التاريخ الإسلامي المشرقة أجلى دليل، وأبين شاهد على ذلك؛ فقد رُوي أن والي خرسان (الجراح بن عبد الله) كتب إلى خامس الراشدين وأمير المؤمنين "عمر بن عبد العزيز" يشكو إليه رعيته قائلاً في كتابه: "إن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك"، فكتب إليه الخليفة الراشد: "... أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فأبسط ذلك فيهم، والسلام".
ورضي الله عن سيدنا علي بن أبي طالب، وكرم وجهه، فقد قال: "إن في جهنم عقارب كالتلال، وحيات كالجبال تلدغ كل راعٍ لا يعدل في رعيته".
![]() |
|
محمد رجب سالم |
1- الرحيل بالإقصاء عن الكرسي، وانتزاع الملك، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ (آل عمران: 26).
ولو تدبروا الحكمة المتداولة: "لو دامت لغيرك ما وصلت إليك" لما تشبثوا بالمنصب، وظنوه شجرة الخلد وملكًا لا يبلى، ولما سفكوا في سبيله الدماء، وملأ فسادهم الأرض والفضاء؛ ومزابل التاريخ مليئة بالصرعى من عشاق العروش ومالئي الكروش في الشرق وفي الغرب، فأين فاروق الأول ملك مصر، وشاوشيسكو رئيس رومانيا، وموسوليني جلاد إيطاليا، وهتلر نازي ألمانيا، ومحمد رضا بهلوي شاه إيران، وغيرهم وغيرهم، بل أين من سبقوهم عبر حقب التاريخ من الأكاسرة والقياصرة والأباطرة، وصدق الله العظيم القائل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾ (الفجر).
ولكن ترى من يعتبر؟!، إنهم من قال الحق سبحانه وتعالى فيهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ (ق).
2- الرحيل كليةً عن دنيا الناس، وهذا أمرٌ غير وارد في قاموس الطغاة، وفي ثقافة الظلمة- إن كان عندهم ثقافة سوى ثقافة العنف والقهر والعدوان- ولسان حالهم يؤكد ذلك، فكم من قادة وساسة في الشرق المقهور يُدعون بأسماء إسلامية، ويُحسبون على المسلمين، وهم أعدى الناس للإسلام وشريعته ومنهجه، بل إن كثيرًا منهم لا يؤدي العبادات المعتادة للمسلمين، والفرائض العينية من صلاة وصيام وزكاة، وغيرها، بل لا يكادون يذكرون الموت وما بعده من بعث وحشر وعرض على الله تعالى، ولو ذكروا ذلك ما كان هذا حالهم مع شعوبهم.
إنه مما يؤسف له، بل ويكاد يدمي القلوب، ويفتت الأكباد أن ساسة العرب وقادتهم قد ظفروا بنصيب الأسد من "الفرعونية" السارية في كيان الظالمين، والجارية في دماء الطاغين، فمخطئ مَن يظن أن "الفرعونية" قد انتهت بهلاك فرعون موسى الذي قال للناس: "أنا ربكم الأعلى"، بل هي روح سارية وسنة ماضية لدى كل ظالم شديد، وعند كل جبار عنيد.
إن ظلم الساسة، وبغي القادة في المشرق العربي جعل الشعوب تكاد تتنكر لعروبتها، وتخجل من شرقيتها، وهذا ما عبَّر عنه الشاعر السورى "نزار قباني" بقوله:
أنا يا صديقي متعـب بعروبتـي فهل العروبة لعنة وعقاب
أمشى على ورق الخريطة خائفًا فعلى الخريطة كلنا أغراب
وخريطة الوطن الكبير فضيحـة فحواجز ومخافر وكـلاب
والعالم العـربي إمـا نعجــة مذبوحة أو حاكم قصَّـاب
ورغم أن هذا الشعر يقطر مرارةً، ويفيض أسًى، إلا أنه تعبير عن مرحلة المخاض بما فيها من آلام ومشاق وتضحيات، والتي تسبق ميلاد الفجر الجديد والمستقبل السعيد؛ وإذا كانت شرارة التغيير قد انطلقت من المغرب العربي، فإنها زاحفة- ولا ريب- على مشرق الوطن العربي وشماله وجنوبه، ولكن الرجاء كل الرجاء، بل الواجب كل الواجب أن يكون التغيير الثوري وسيلة نحو الإصلاح كهدفٍ أسمى وغاية أبقى، وإلا كان التغيير المجرد من الغاية الشريفة تكريسًا للظلم، وإتيِِانًا بظالمين جدد خلفًا لظالمين قدامى، وعندئذٍ يكون الأمر تعاقبًا بين شر خلف وشر سلف.
وأعنى بالإصلاح- بجلاء وبلا مواربة- الإصلاح وفق منهج الله، وتطبيقًا لشريعة السماء، أي أننا كمسلمين وكعرب- ننادي بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية في تونس، وفي كل بلدٍ عربي ينشد التغيير، ويسعى إلى الإصلاح؛ ولست أقصد دولة دينية يحكم فيها بالأهواء الشخصية مَنْ يُسمون "برجال الدين"، أو طبقة الإكليروس" التي عرفها الغرب في عصوره الوسطى، فأنكرها ولفظها، لما أوقعته من ظلم، ولما أحدثته من طغيان؛ وإنما البغية والمقصد هو الدولة المدنية التي تستقي أحكامها ومنهجها وأخلاقها من شريعة الإسلام، فإن التحاكم إلى منهج الله وتطبيق شريعته أمر واجب، وليس أمرًا اختياريًّا، ودليل ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل، آمرًا خاتم النبيين، وآمرًا من خلاله- صلى الله عليه وسلم- كل ولى أمر مسلم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (المائدة).
ولا يهم عندئذ أن تأخذ الدولة المنشودة بالنظام الرئاسي، أو النظام البرلماني، أو غيرهما من الأنماط السياسية التي يعرفها العام في عصرنا الحديث، ما دامت المبادئ الإسلامية من شورى، وعدالة، ومساواة... وغيرها ستوضع موضع التنفيذ والتطبيق.
وها هو النظام الصهيوني الغاصب لفلسطين يأخذ بالنظام البرلماني على النمط البريطاني، ولكنه يتخذ من اليهودية المشوهة، ومن التوراة المحرفة مرجعًا له، بل الأدهى من ذلك والأمر أن رئيس حكومته "بنيامين نتنياهو" لا يكف عن مطالبة العالم بوجه عام والعرب بوجه خاص بالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية الغاصبة.
فهل تراها حرامًا علينا، وحلالاً لهم؟!!
ألا فليتق الحكام ربهم في شعوبهم ورعاياهم، وليكف المنافقون عن نفاقهم، وليتوقف الطبالون عن قرع طبولهم، وليطفئ حملة المباخر نيران مباخرهم قبل أن تعصف بهم جميعًا رياح التغيير، ويلقون أسوأ مصير.
فهل من سميع بصير، وبالاعتبار جدير؟!!!
----------
* داعية إسلامي
