كتبت هذه المقالة قبل ساعات من فرار الطاغية "زين العابدين بن علي"، وها هو أول آمال التونسيين والعرب ومطالبهم قد تحققت بعد أقل من شهر على بدء الانتفاضة الشعبية التي أشعل شرارتها الشاب "محمد البوعزيزي" بمحاولة انتحاره.

 

يبقى على الشعب التونسي وقياداته الحرة المعارضة الحقيقية في الداخل والخارج أن يحافظوا على المكاسب التي يجب أن تتوالى ولا تنقطع؛ ببناء نظام جديد بدستور جديد، يحقِّق آمال التونسيين في حياة حرة كريمة في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تحفظ هوية البلاد وتحقِّق كرامة العباد، ويكون مثالاً لبقية البلاد، وها هم فرضوا عزل الوزير الأول أيضًا من سدّة الرئاسة.

 

ترك الديكتاتور البلاد غارقة في فوضى دستورية وأمنية وحال اقتصادية مزرية، رغم كل عمليات التجميل الوردية، وهذا سلوك كل الطغاة المستبدين "نفسي ومن بعدي الطوفان".

 

ولم يُجدِ عنه شيئًا ما قاله في خطابه الأخير، ومثله كمثل فرعون الذي قال الله له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ (يونس)

 

هل يستفيد الطغاة؟

في الغالب الأعم لا يستفيدون، وإلا ما جرت سنة الله عليهم واحدًا بعد الآخر على مدار السنين والعقود الماضية.

 

هل تستفيد الشعوب؟

نعم، في الغالب الأعم تأخذ الشعوب دروسًا وعبرةً، وتتحرك في الوقت الذي يختاره الله، وقد تسبق الشعوب بعض المعارضات المنظمة التي لها حسابات معقدة، وهذا ما رأيناه في تونس التي تحولت من جديد إلى تونس الخضراء بعد الدماء الحمراء التي خضبت أرضها.

 

فقد ظلت أنظار العرب جميعًا متعلقة طوال الأيام الماضية بتونس، تتابع نشرات الأخبار على كل القنوات؛ لمعرفة التطورات المتلاحقة، وشكرًا لقناة (الجزيرة) التي حازت السبق بين الجميع كعادتها.

 

تونس؛ مثال التحديث والتغريب والدعم الغربي بلا نهاية، في مواجهة شعب تحرر من الخوف، وثار على الطغمة الحاكمة المستبدة الفاسدة، وصدقت توقعات المراقبين الذين طالما حذَّروا من انفجار الشعوب، فكان ذلك التحذير مثار تندُّر الحاكمين والمنافقين وأبواق الإعلام المخادع.

 

ظلت دعوات العرب الحالمين بمستقبل أفضل لأنفسهم وأولادهم تنطلق إلى عنان السماء كل صلاة وآناء الليل وأطراف النهار؛ أن يثبت الله شعب تونس، رجالاً ونساءً، وشيبًا وشبانًا، من كل الأطياف والاتجاهات، وأن يوحِّد صفهم ويجمع كلمتهم على رأيٍ واحد حتى لا ينقسموا، وأن تتلخص مطالبهم في مطلب واحد، هو إزاحة الرئيس "بن علي" الذي تراجع يومًا بعد يوم أمام زحف الشعب البطل الذي لم توقفه دماء الشهداء بل دفعته إلى مزيد من التضحيات، وعلو سقف مطالبهم إلى حد المطالبة بطرد الرئيس ومحاكمة عصابة اللصوص أمام محكمة شعبية حقيقية بعد أن أفسدوا القضاء، ومحاسبتهم على كل ما ارتكبوه في حق الشعب التونسي، وقد استجاب الله دعاءنا جميعًا.

 

السؤال الذي يتردد على ألسنه الكثيرين هو: هل تنتقل عدوى الاحتجاجات من تونس والجزائر إلى بقية البلاد العربية التي تعاني نفس المعاناة وتمر بنفس الظروف إن لم تكن أسوأ حالاً؟!

 

البطالة والفقر وغلاء الأسعار، والاستبداد السياسي والقهر البوليسي وكبت الآراء، والتعتيم الإعلامي، وتزوير الانتخابات، والأحزاب الموالية التي تلعب دور المعارضة، والرئاسة مدى الحياة، وعصابات المافيا التي تسيطر على كل مفاصل الحياة الاقتصادية، والتكتلات الاحتكارية، وعدم احترام أحكام القضاء وإفساد القضاة وانعدام العدالة.. هذه هي الوصفة السحرية التي تؤدي إلى الانفجار الشعبي الذي قد يتأخر إلى حين؛ بسبب القهر البوليسي، ولكنه حتمًا سيأتي في وقت يعلمه الله تعالى الذي وصف الحاكمين والملأ من القوم بأنهم ﴿نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحشر: من الآية 19)، وأنه تعالى ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ (الأعراف).

 

في حوار تليفزيوني أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر، والتي زوَّرها الحزب الحاكم بمساعدة البلطجية، وبإشراف وزارة الداخلية نفسها، واحتكر الحزب فيها مقاعد البرلمان بنسبة 97%، وكان أمامي ناطق باسم الحزب الذي أفسد كل شيء، وكانت المذيعة هي "ليلى الشايب" في قناة (الجزيرة) وهي تونسية، أشاد أ/ مجدي الدقاق بالتجربة التونسية، واعتبرها نموذجًا مثاليًّا للدول العربية، ولا أدري اليوم كيف قرأ الأحداث التي انفجرت منذ 17/12 أي بعد هذا اللقاء بأقل من ثلاثة أسابيع فقط؟ وهل ما زال أهل الحكم في بلدنا عند رأيهم أم بدءوا يراجعون أنفسهم؟

 

قبل أن أكتب هذا المقال وصلتني رسالة على التليفون من عميد شرطة متقاعد لا أعرفه يقول فيها: "لو لم أكن مصريًّا لوددت أن أكون تونسيًّا"، ونفس هذه المقولة ترددت مع توالي الأحداث في أكثر من بلد مع تغيير اسم البلد فقط، وإنني أتعجب لماذا لا يتعلم الحكام من تجارب الغير، فالعاقل من اتعظ بغيره؟، ولماذا لا نراجع أنفسنا ونقوم بما يمليه علينا الواجب الشرعي والوطني الذي يلزمنا على الأقل بدعم خطوات التغيير، وأن نبدأ بأنفسنا نحن وبمن نتولى رعايته، بإصلاح أنفسنا وبيوتنا والقيام بواجبنا تجاه مجتمعنا، وألا ننغلق على أنفسنا فقط، بل نضم جهودنا إلى جهود بقية المصريين جميعًا، وأن نلتقي على الحد الأدنى من المطالب المعقولة لبدء مسيرة جديدة في حياة مصر، نتنفس فيها الحرية الحقيقية، ونتعايش فيها عيشًا مشتركًا يحقق لنا الحقوق البسيطة كمواطنين؟

 

أقل هذه المطالب هي ما يتعلق بالحريات العامة، وفي مقدمتها إلغاء حالة الطوارئ التي قد تؤجل الانفجار الشعبي؛ ولكنها لن تقدر على منعه نهائيًّا، وأن تجرى انتخابات حرّة نزيهة، تعبِّر عن إرادة الشعب في تمثيل متوازن لكل التيارات والاتجاهات دون إقصاء أو إبعاد، وأن يكون القضاء المصري مستقلاًّ استقلالاً حقيقيًّا، بعيدًا عن تأثير السلطة الحاكمة عليه؛ ليكون حصن الأمن والأمان لكل المصريين.

 

تونس تعطينا مع الأمل الدرس الواقعي المتجسد أمامنا، الأمل في النجاح، فقد ثار الشعب وانفجر، بعيدًا عن الأحزاب والقوى التي حنّطها النظام في مقارها، وتلاعب بها في تحالفات وهمية تكرّس الاستبداد، وبعد أن هاجرت إلى المنافي قوى المعارضة الحقيقية التي يخشاها النظام.

 

لقد ثار الشعب في البداية من أجل البحث عن فرصة عمل أو لقمة عيش، ولكن سقف المطالب سرعان ما تصاعد إلى المطالبة برحيل الرئيس زين العابدين بن علي.

 

لقد حاول النظام بكل الطرق التعتيم على الغضب الشعبي، بمنع وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية من نقل الأحداث، ولكن التطور التكنولوجي في وسائل الاتصال؛ مكّن الشباب من نقل الوقائع ساعة حدوثها إلى قناة (الجزيرة) بالذات عبر الهواتف النقالة، وشبكة الإنترنت التي نقلتها إلى العالم كله، وتابعها التونسيون في كل المحافظات، فانطلقوا متضامنين مع الشاب الذي أشعل شرارة الأحداث بمحاولة الانتحار، ولعل الله عز وجل أمدّ في حياته ليتوب إليه ليلقى ربًّا غفورًا بعد أسبوعين، وهو يشعر على سرير المرض في الرعاية المركزة بأن ما فعله كان الشرارة التي أشعلت الغضب في صدور كل التونسيين، لقد جرّب النظام كل الوسائل القهرية لمنع المظاهرات الغاضبة الساخطة، حتى وصل إلى إطلاق الرصاص الحيّ على الشعب من البنادق والمدافع التي اشتراها النظام من الضرائب التي سرقها النظام من جيوب المواطنين، أو المعونات التي تلقاها باسم الشعب، أو من القروض التي أثقل بها كاهل الأجيال القادمة.

 

لم يفلح النظام وسقط أكثر من 90 شهيدًا، ماتوا دون حريتهم وقضوا نحبهم من أجل الحصول على فرصة عمل شريفة، ولقوا ربهم وهم يقفون ضد سلطان ظالم جائر، فكانت النتائج هي انفجار بركان الغضب المكتوم، وتخلِّي الغرب المنافق عن الرئيس الذي دعموه في سدة الحكم لمدة 23 سنة، وجمّلوا نظامه أمام العالم، ولم يجد ذلك العلماني إلا جوار مكة ليبقى فيه إلى حين غير مأسوف عليه من أحد.

 

ها هو الرئيس يخرج ثلاث مرات ليخاطب الشعب، وفي كل مرة يتراجع أمام الضغط الشعبي المتصاعد، في المرة الثالثة قال ليهدِّئ من غضب الشعب:

 

- أصدرت أمرًا بعدم إطلاق الرصاص.

- لن أترشح لولاية رئاسية جديدة (ضمنيًّا).

- لقد غالطوني وسأحاسبهم على ذلك.

- لقد فهمت مطالبكم وسأحقق مع المفسدين عن طريق لجنة مستقلة.

- سأخفض أسعار السلع الرئيسية.

ماذا كان رد فعل الشعب: المطالبة باستقالته شخصيًّا، ومحاكمة المفسدين الذين حماهم هو شخصيًّا، وكيف يحاسبهم وهم أقرب الناس إليه؟

 

هذا هو رد الفعل المتوقع، وها نحن نرى غضبة شعبية تونسية تكرر نفس ما حدث في دول أخرى كان من بينها إيران الشاه التي أطاحت بمن هو أقسى من "بن علي" وأشد عنفًا، فالمسئولية هي مسئولية الحاكم المستبد الذي أصمّ أذنيه عن صوت الشعب، وأحاط نفسه ببطانة السوء تزيِّن له كل ما يفعله.

 

كان المسلمون والعرب ينتظرون تكرار الغضب الشعبي، وكان الحكام يخشون من تصدير الثورة، وكانت تونس بالذات تحارب الدعوة الإسلامية، بل اجترأت على الإسلام نفسه، ووصل الأمر إلى تقييد حرية المساجد والدعاة، وإعلان الحرب على المحجبات، وكان مجرد السؤال عن الطريق إلى المسجد في الشارع من أحد الغرباء يعرضه للخطر والمساءلة والنصح والتحذير من المخلصين، ولا أنسى في زيارتي الوحيدة لتونس عقب انقلاب القصر في نوفمبر 1987م بعدها بسنتين تقريبًا أنني كنت مرَاقَبًا طوال 24 ساعة، ويرابط أمام غرفتي في الفندق مخبرون يتناوبون على متابعة كل تحركاتي حتى وصل إلى مرافقتي إلى باب الطائرة التي أقلتني إلى القاهرة.

 

ثورة الجياع والمحبطين والمهمشين هي آخر ما كان يتوقعه المراقبون، وهذه الثورة يخشى الناس فيها من الفوضى المدمرة، لكننا ها نحن نرى تحول الثورة إلى مطالب سياسية، وها هي القوى المعارضة سياسية ونقابية تنظِّم جهودها لضمان انتقال آمن للسلطة، بدأ بإعلان "بن علي" الخروج من السلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، ثم إجراء انتخابات حرة بعد إطلاق الحريات العامة.

 

قلوبنا تنفظر على الشهداء الذين سقطوا، ودعواتنا لهم بالرحمة والمغفرة، وآمالنا معلقة بأن ينجح الشعب في التخلص من بقية الطغمة الحاكمة بسلاسة، وأن يعيد بناء "تونس" من جديد.

------

* عضو مكتب الإرشاد.