أصدرت المحكمة الدستورية العليا عددًا كبيرًا من الأحكام بمناسبة رقابتها على دستورية القوانين التي نظَّم بها المشرع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأرست المحكمة في هذه الأحكام عددًا من المبادئ التي قامت باستنباطها من نصوص الدستور، بناءً على تفسير هذه النصوص تفسيرًا واسعًا، والربط بينها في مجموعةٍ في إطار واحدة.

 

كما بسطت المحكمة رقابتها على السلطة التقديرية للمشروع في تنظيم الحقوق والحريات، ولم تعتبرها سلطة مطلقة، بل أخضعتها لضوابط عديدة، أهمها أن يقتصر تدخل المشروع في مجال تنظيم الحقوق والحريات التي كفلها الدستور على بيان الشروط والأوضاع اللازمة لممارسة هذه الحقوق والحريات، ولا يتجاوز نطاق التنظيم إلى درجة إهدار أي من هذه الحقوق والحريات، أو انتفاضة من أطرافه أو وضع شروط شديدة على ممارسة الأفراد له تجعل هذه الممارسة صعبة وعسيرة مما يفرغ هذا الحق من مضمونه.

 

ومن أهم الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية التي صدرت بشأنها أحكام من المحكمة الدستورية العليا: حق الملكية، الحق في العمل والأجر العادل، الحرية التعاقدية، العدالة الاجتماعية، الحريات النقابية، الحق في التأمينات والمعاشات.

 

وسوف نعرض بإيجاز أمثلة للمبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية في مجال حماية الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، ثم نعرض بعض المقترحات التي من شأنها أن تؤدي إلى تفعيل دور المحكمة الدستورية في مجال حماية الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من الحقوق والحريات، باعتبار أن الحقوق والحريات العامة ترتبط فيما بينها برباط وثيق وتشكل في مجموعها منظومة واحدة لا يمكن الفصل بين عناصرها المختلفة.

 

أولاً: أمثلة للمبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية:

قررت المحكمة الدستورية عددًا من المبادئ ذات القيمة الدستورية بمناسبة رقابتها على القوانين المنظمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، من بينها: حق الملكية، حق العمل، الحرية التعاقدية، العدالة الاجتماعية، الحرية النقابية، والتأمينات الاجتماعية والمعاشات.

 

وقد أرست المحكمة هذه المبادئ بفضل تفسيرها لنصوص الدستور تفسيرًا واسعًا في إطار وحدة عضوية واحدة، كما بسطت رقابتها على السلطة التقديرية للمشروع وأخضعتها لضوابط تكفل الحماية الكاملة لهذه الحقوق والحريات، وعدم إهدارها أو تفريغها من مضمونها عن طريق فرض شروط شديدة تجعل من ممارستها أمرًا شاقًّا.

 

ففي مجال حماية حق الملكية الخاصة قررت المحكمة الدستورية عدم دستورية وضع حد أقصى للتعويض الذي يستحقه أصحاب رءوس الأموال التي خضعت لإجراءات التأميم والحراسات بما يقل عن القيمة الحقيقية لهذه الأموال، وعدم دستورية خضوع أموال أقارب ملاك المشروعات التي تقرر تأميمها لإجراءات التأميم وعدم دستورية تأبيد العلاقة الإيجازية وتثبيت قيمة الأجرة وعدم دستورية تقييد حقوق المالك الذي يصدر قرار من الهيئة العامة للآثار باعتبار ملكه أثرًا بدون تعويض عادل له نظير تقييد حقوقه على ملكه.

 

وفي مجال حماية الحق في العمل قررت المحكمة الدستورية عدم دستورية منع الجمع بين البدلات الوظيفية، وعدم دستورية حظر الجمع بين المعاش والمرتب، وعدم دستورية تقرير حد أقصى للمقابل النقدي لرصيد الإجازات التي لم يحصل عليها العامل لسبب يرجع إلى ظروف العمل وبالمقابل فقد قضت المحكمة الدستورية برفض الدعوى بعدم دستورية تخصيص نسبة خمسة في المائة من الوظائف العامة والوظائف في القطاعين العام والخاص للمعوقين القادرين على العمل، والحاصلين على شهادة من مكاتب القوى العاملة تثبت قدرتهم على العمل.

 

وفيما يتعلق بالحرية التعاقدية أسبغت عليها المحكمة الدستورية قيمة دستورية على الرغم من أن الدستور المصري لم يشر صراحةً إلى هذه الحرية في أي نص من نصوصه، ولكن المحكمة أسندت هذه الحرية إلى نص المادة 40 من الدستور التي اعتبرت الحرية الشخصية حقًّا طبيعيًّا، وقضت المحكمة بناءً على ذلك بعدم دستورية نصوص تشريعية قيد بها المشرع الحرية التعاقدية، مثل نصوص قوانين الإيجار التي قررت تأبيد العلاقة التجارية وتثبيت قيمة الأجرة، ونص القانون الذي منح مؤسسة عامة وهي مؤسسة مصر للطيران حق احتكار الوكالة التجارية عن الشركات الأجنبية العاملة في مجال الطيران.

 

أما مبدأ العدالة الاجتماعية فقد استندت إليه المحكمة الدستورية، من ناحية باعتباره أساسًا لجميع الضرائب والرسوم والتكاليف العامة، ومن ناحية ثانية باعتباره أساسًا للحقوق الاجتماعية التي كفلها الدستور للأفراد، ومن ناحية ثالثة باعتباره قيدًا على بعض الحقوق الفردية مثل حق الملكية الخاصة الذي قررت المحكمة أن الدستور جعل له وظيفة اجتماعية وتطلب بشأنه التوفيق بين مصلحة المالك ومصلحة الجماعة.

 

وفي مجال حماية الحق في المعاش قررت المحكمة الدستورية: عدم دستورية التميز في سن الإحالة للتقاعد بين العاملين الذين ينتمون إلى مركز قانوني واحد، وعدم جواز قصر الحق في الإفادة من الزيادة في الراتب الذي يحسب على أساسه المعاش على مَن يبلغ سن التقاعد بعد تاريخٍ معين وحرمان كل مَن بلغ سن التقاعد قبل هذا التاريخ من الحق في الإفادة من هذه الزيادة، وعدم جواز اشتراط بلوغ المؤمن عليه سنًا معينةً، وهي من سن خمسين سنة في تاريخ تقديم طلب صرف معاشه للإفادة من ميزة معينة، وحرمان مَن لم يبلغ السن المحددة من هذه الميزة، حتى ولو كان قد سدد الاشتراكات عن المدة ذاتها لقرينه الذي يبلغ سن الخمسين، وعدم جواز حرمان مَن تنتهي خدمتهم بالاستقالة من زيادة المعاش عن الأجر المتغير، وقصر الحق في التمتع بهذه الزيادة على مَن تنتهي خدمتهم ببلوغ السن القانونية أو بالعجز أو الوفاة، وعدم جواز تخفيض المعاش عن الأجر المتغير والمستحق لمَن تنتهي خدمته بالاستقالة بنسبة لسنة معينة عن كل سنة من تاريخ استحقاق الصرف وحتى بلوغ المؤمن عليه سن الستين.

 

وفي مجال حماية الحرية النقابية قضت المحكمة الدستورية بتاريخ 11/6/1983م، بعدم دستورية القانون رقم 125 لسنة 1981م، الذي قرر به المشرع حل مجلس نقابة المحامين المنتخب ومنح لوزير العدل الحق في تعيين لجنة مؤقتة لإدارة النقابة إلى حين تشكيل مجلس جديد للنقابة، كما قضت المحكمة الدستورية بتاريخ 2/1/2011م بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1993 بشأن ضمانات ديمقراطية التنظيمات النقابية المهنية المعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1995؛ وذلك لعدم عرضه على مجلس الشورى باعتباره من القوانين المكملة للدستور ولنا على هذا الحكم الملاحظات الآتية.

 

1- على الرغم من أن المحكمة أسست حكمها بعدم دستورية القانون المشار إليه على سبب شكلي، وهو عدم عرضه على مجلس الشورى فإنها أشارت في حيثيات هذا الحكم إلى مبادئ دستورية واجبة التطبيق على موضوع القانون، وأهمها مبدأ الحرية النقابية وضرورة الالتزام بالأسلوب الديمقراطي في تشكيل المجالس المسئولة عن إدارة النقابات.

 

2- يترتب على هذا الحكم وجوب انتخاب مجالس جديدة للنقابات المهنية؛ نظرًا لانهيار الأساس الذي تم تشكيل المجالس الحالية عليه، وهذه هي النتيجة الحتمية للحجية المطلقة لحكم المحكمة الدستورية التي تسري في مواجهة الكافة وللأثر الذي يترتب على الحكم بعدم دستورية القانون الذي تم تشكيل هذه المجالس على أساسه؛ ولأن هذا القانون أصبح هو والعدم سواء، ولا شك في انتخاب المجالس الجديدة يجب أن يتم على قوانين النقابات التي كانت مطبقةً قبل صدور القانون الذي قضى بعدم دستوريته.

 

3- لا حاجةَ في اعتقادنا لإصدار قانون آخر لتنظيم انتخابات النقابات المهنية، وفي حالة إصدار قانون جديد فإنه ينبغي أن يراعي مبدأ لحرية النقابية وديمقراطية تشكيل مجالس إدارة النقابات ولا يفرض شروط تحد من حرية أعضاء النقابات في انتخاب مجالس هذه النقابات أو يشترط توافر نصابٍ معين للانتخاب، خاصةً بالنسبة للنقابات التي تضم عددًا من الأعضاء يبلغ مئات الألوف؛ حيث إن اشتراط توافر هذا النصاب من شأنه أن يجعل ممارسة الحرية النقابية أمرًا عسيرًا بما يخالف الدستور وينطوي على تجاوز من جانب المشرع لحدود سلطته التقديرية في تنظيم الحرية النقابية.

-----------------

* أستاذ القانون الدستوري- كلية الحقوق جامعة القاهرة