إن هذه الخواطر والمشاهد السريعة لن توفي هؤلاء الرجال القدوة حقَّهم، ولكن لعلها تفي لنا ببعض الزاد التربوي الذي يزيدنا ولاءً وثباتًا وحبًّا لهذه الدعوة المباركة، أو تُوضِّح لنا بعض معالم طريق الدعوة والجهاد في سبيل إقامة هذا الدين أو تزيدنا يقينًا بحتمية التمكين لدين الله في الأرض، أو لعل هذه الخواطر تكون دافعًا للإخوة لأن يكتبوا عمن عايشوهم من إخوانهم فتكون زادًا لنا ولِمَن بعدنا على طريق الدعوة إن شاء الله.

حنين (5)

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله عبادًا يفزع الناس إليهم في حوائجهم، هم الآمنون يوم القيامة" (ورد في كنز العمال، وفي كشف الخفاء ومزيل الإلباس).

 

أستاذنا الكبير المهندس محمد سليم مصطفى- عليه رحمة الله- حركة لا تتوقف منذ أن تعرَّف على دعوة الإخوان؛ ساند بجهده المبارك المقاومة الإسلامية في فلسطين وعلى ضفاف قناة السويس حتى اعتقل عام (1954م) مع إخوانه المجاهدين من الإخوان المسلمين، فكان في خدمة إخوانه في السجون فأطلق عليه لقب "الريس".

 

يقول الأستاذ إبراهيم منير في الموسوعة الإخوانية الإلكترونية وموقع (إخوان ويكلي) عن شهادة المهندس محمد سليم في حادث المنشية (تمثيلية محاولة قتل جمال عبد الناصر):

فقد كان يقين الجميع وبلا استثناء أن الجماعة بريئة تمامًا من تدبير حادث المنشية في الإسكندرية، وأنه لو كانت رواية هؤلاء الضباط صحيحة، فإن الأمر لا يعدو عن كونه تصرفًا فرديًّا من الأخ "هنداوي دوير" خروجًا عن الالتزام وبعيدًا عن الجماعة، دُفع إليه بطريقةٍ غير معروفة، وتمَّت متابعته عن طريق عناصر متصلة بجمال عبد الناصر، وتُرك ليأخذ مجراه المرسوم، والقبض على محمود عبد اللطيف وسط جماهير الحضور في الميدان، ثم تتكفل السجون التي كانت مُعدّة مع قوائم المعتقلين، والتي بدأت بعد الحادث بساعات، وإجراءات التعذيب والمحاكمات الهزلية بإتمام بقية الصورة لتحقيق الهدف المطلوب، ومع ذلك فقد كان هذا احتمال تولد لدى البعض دون يقين بسبب ما قاله "هنداوي دوير" لهم في لقاءات خاطفة في السجن الحربي قبل إعدامه، وكذلك عدم معرفة أي مسئول في النظام الخاص بهذا الحادث (حادث المنشية)، ومنهم المهندس محمد سليم مصطفى- يرحمه الله- الذي كان مسئول النظام الخاص في الإسكندرية، والذي أكد أنه وإخوانه كانوا كفيلين بتنفيذ أي أمرٍ لا يتعارض مع شرع الله الواضح البين يصدر إليهم، وأنهم أيضًا فوجئوا بهذا الحادث بأدائه الهزلي تمثيلاً وإخراجًا، المخالف لتوجُّهات الجماعة، التي يعرفها كل العاملين، وبقي ثابتًا لدى الجميع أن هذا الحادث قد استبق وأجهض تحرُّكًا شعبيًّا كانت الجماعة تستعد له على غرار ما حدث في فبراير 1954م؛ للضغط على الضباط للعودة إلى ثكناتهم وإعطاء الشعب حريته.

 

عطاء لا يتوقف:

بعد أن أطلق سراحه في أوئل السبعينيات من القرن الماضي الميلادي سار على نهجه في خدمة الدعوة والإخوان والناس أجمعين؛ فأسس دار الطباعة والنشر الإسلامية بالعاشر من رمضان ومكتباتها، واشترك في تأسيس دار النشر والتوزيع الإسلامية، وذلك لطبع ونشر الكتاب والفكر الإسلامي الوسطي الصحيح، ثم أنشأ الجمعية الإسلامية للخدمات؛ لخدمة المجتمع وتلبية احتياجات الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وأصحاب الحاجات، وأنشأ-عليه رحمة الله- مسجد الرضوان؛ ليكون منبرًا للدعوة الإسلامية والفكر الإسلامي الرشيد.

 

وأسس كذلك مدرسة الرضوان الإسلامية للتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي؛ ليتخرج منها أجيال على خلق وعلم ودين.

 

أسلوبه التربوي:

أسلوب عملي يعتمد على احتضان الشباب، ودفعهم إلى مشاركته في إنشاء وإدارة المشروعات ذات الفائدة على بلدنا، ومن خلال هذه المشاركة يربي الشباب على البذل والعطاء لدينهم ووطنهم وأمتهم، واضعًا أقدامهم على طريق الدعوة، موضحًا لهم معالم الطريق.

 

يتحدث الحاج عباس السيسي عن المهندس محمد سليم- عليهما رحمة الله- في كتابه "الطريق إلى القلوب- الجزء الأول":

"عرف الطريق إلى القلوب بأسلوب متفرد يختص الله تعالى به أولي العزم من الرجال، فطريقه إلى القلوب ليست الخطابة ولا الكتابة، بل (وقل اعملوا) في صبر وصمود وتجمل وتجرد".

 

من مواقفه التربوية

العبوديه لله عزَّ وجلَّ:

 الصورة غير متاحة

 م. محمد سليم- أ. عمر التلمساني- أ. إبراهيم شرف عليهم رحمة الله

سأله شاب يومًا كيف استطعتم أن تثبتوا في السجون مدة عشرين سنة متواصلة؟ فأجاب: ما دام الأخ يعتقد أن حياته كلها عبودية لله، فلا فرقَ بين السجن وخارجه، ففي كليهما يؤدي حق العبودية لله سبحانه وتعالى، وإن كنَّا نسأل الله العافية.. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (162)﴾ (الأنعام).

 

الصبر والاحتساب عند الابتلاء:

يحدثنا أحد الإخوان أن حياة الحاج محمد لم تخل من الفتن حتى بعد خروجه من السجن، فقد اتصل به ظهر يوم من الأيام مَن يخبره بوفاة ابنته الوحيدة المقيمة بالكويت، وظلَّ إلى المساء وهو لا يعلم حقيقة الأمر، وأصبح الصباح فانطلق يؤدِّي واجباته المعتادة ولم يشعر أحدٌ بما يعانيه حتى انتهى اليوم، وجاءه حقيقة الخبر أن وفاة ابنته خبر كيدي، حفظ الله أختنا، وأطال الله عمرها.

 

عَنْ ‏‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ‏‏عَنْ ‏‏أَبِيهِ ‏قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدّ بَلاءً قَالَ: "‏الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا ‏يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ". (صحيح الترمذي).

 

يقضي يومه في قضاء حاجات الناس (البركة في البكور):

يحدثنا أحد الإخوان أنه كان إذا أراد زيارة الحاج محمد سليم في بيته يذهب إليه إما قبل السابعة صباحًا أو بعد صلاة العشاء، فقد كان- عليه رحمة الله- يبدأ يومه قبل صلاة الفجر فإذا أشرقت الشمس تجده مشرق الروح منطلقًا بسيارته البيضاء في حركةٍ دائبةٍ لا تتوقف، ساعيًا في قضاء حوائج الدعوة وحوائج أحبابه والناس أجمعين، حتى يعود إلى بيته في المساء قرير العين مرتاح البال، يرعى زوجته وأولاده وأحفاده.

 

عن صخر بن وداعة رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‏"اللَّهُمَّ بَارِكْ لأمَّتِي فِي بُكُورِهَا‏"‏‏.. قَالَ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أو جَيْشًا بَعَثَهُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْر رَجُلاً تَاجِرًا فَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ‏". (رواه أبو داود والترمذي).

 

الرعاية الاجتماعية للشباب:

فمما يذكره أحد الإخوان أن بعد زواجه حملت زوجته، وأتى عليهما أول عيد، ولم يتمكنا من السفر إلى بلدتهما لقضاء أيام العيد بين الأهل، وعند عودتهما إلى منزلهما في مساء ليلة العيد، وجدا الحاج محمد سليم تاركًا لهما "كرتونة" بها كعك العيد والترمس وما إلى ذلك مما اعتاد الناس تناوله في صباح يوم العيد.. فيعلمنا كيف تكون رعاية الأخ الكبير لإخوانه وشعوره باحتياجاتهم وتلبيتها.

 

وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‏"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلاَلِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي". (صحيح مسلم).

 

يعلمنا التكافل:

يُذكر أن مصر في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي كانت تمر بأزمة في المواد الغذائية فكان- عليه رحمة الله- إذا وجد مواد غذائية في أحد المجمعات الاستهلاكية، اشترى كمية منها ليوزعها على بيوت الإخوان بنفسه، فيحمل الزيت والسكر والدقيق وغير ذلك إلى بيت الأخ، فينمي فيه مشاعر الحب في الله والأخوة والإيثار والتكافل والولاء لهذا الدين العظيم الذى علَّم المسلمين هذه القيم العظيمة.

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‏"لاَ يؤمن أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ- أَوْ قَالَ لِجَارِهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ‏"‏ (صحيح مسلم‏).

 

عاش محبًّا لإخوانه ودعوته ووطنه وأمته محتضنًا الشباب:

 الصورة غير متاحة

المهندس محمد سليم (الثاني من يمين الجالسين)

وهكذا عاش محبًّا لإخوانه ودعوته ووطنه وأمته محتضنًا الشباب يوجههم ويرعاهم، باذلاً لهم جميعًا عطاءً لا يتوقف، فما زال ينشر تلامذته الخير في آفاق أمتهم، وما زالت مشاريعه صدقةً جاريةً إلى يومنا هذا، رحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه عنا خير الجزاء.

 

قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". (صحيح مسلم).

 

أخي الحبيب:

لقد كانت حياة المهندس محمد سليم درسًا لنا في العطاء؛ فقد كان- عليه رحمة الله- حين يعرف احتياجات أمته ووطنه ودعوته كان أول الباذلين جهدهم في تلبية هذه الاحتياجات، لا يشغله ذلك عن تربية الشباب على منهج الإسلام القويم، وظلَّ كذلك حتى كان في طريقه لأداء واجب اجتماعي مع زوجته في سيارته، فيوقف السيارة ليلقى ربه على عجلة القيادة عام (1986) الميلادي.. تقبَّله الله في الصالحين.

 

أسأل الله أن ينير بصائرنا للعمل الصالح المتقبل، وأن يلحقنا به مع الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين اللهم آمين.

يا طرازًا يبعث اللهُ به                 في نواحي مُلكه آنًا فآنا

من رجالٍ خلقوا ألويةً                ونجومًا، وغيوثًا، ورعانا

هل ترى أنتَ؟ فإني لم أجدْ           كجميل الصنع بالشكر اقترانا

وإذا الدنيا خَلت من خير            وَخَلْت من شاكر هانت هَوانا

 أمير الشعراء. أحمد شوقي عليه رحمة الله

----------

* هذه المقالات كتبت خلف الأسوار منذ ما يقارب العام، وقدَّر الله عز وجل أن ترى النور بعد أن فرَّج الله عن صاحبها، وأسأل الله العظيم أن يفرج عن الأخوين م/ خيرت الشاطر وأ/ حسن مالك؛ لتنتهي هذه المأساة الوطنية المسماة بالقضية العسكرية رقم 2 لسنة 2007م والمستمرة للعام الخامس.. ألا إن فرج الله قريب بفضله وجوده وكرمه، ووالله ليتمن الله أمر هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، فلينتبه الغافل عن سنن الله عز وجل.. ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)﴾ (طه).