تحياتنا وشكرنا وقبلاتنا ومشاعرنا لكل تونسي حر أصيل انتفض في وجه الطغيان.

 

خرج الشعب عن بكرةِ أبيه بلا أوامر ولا توجيه ولا قيادة ولا معارضة ديكورية خانعة، خرج بعفويةٍ وإيمانٍ بقوته، لا يمكن لأي عربي حر إلا أن يشعر بفرحةٍ غامرة بل بنشوةٍ لا توصف، وهو يشاهد سقوط أحد طغاة المنطقة وأكثرهم شموليةً وفسادًا، وهذا ما ترجمته التهاني والتبريكات من المحيط للخليج ومظاهرات التأييد في القاهرة وغيرها، ربما هي بداية انتشار الشرارة، شرارة الحرية والكرامة.

 

ما أجمل منظر الطاغية وهو يرتعد خوفًا ويقدم التنازلات المتتالية عبر شاشات التلفاز، وما أروع ردة فعل الشعب التونسي البطل الذي قابل كل تنازل موهوم برفع سقف مطالبه.

 

لمَن لا يعرف فإن النظام التونسي هو الأشرس بوليسيًّا والأكثر فسادًا ضمن منظومة عائلات وأقارب أكلت الأخضر واليابس.

 

حتى اللحظة سقط الطاغية، ولم يسقط النظام، وهناك محاولات لسرقة إنجاز الشعب التونسي البطل، ولا نعتقد أن الشعب التونسي سينخدع بالإجراءات الأخيرة، والتي لم يستقل أو يتنح فيها بن علي، بل هي محاولة للالتفاف على مطالب الشعب لأنه لم يترك منصبه قانونيًّا.

 

ما حدث أعاد بارقة الأمل بالتغيير وبأن الشعوب ورغم القمع والاضطهاد، ورغم طول الصمت والصبر؛ إلا أنها قادرة على قلب الطاولة على رءوس الطغاة.

 

أظهر الشعب التونسي وعيًا يستحق التقدير، لم تخدعه الوعود والتنازلات ولا الإغراءات التي قدَّمها طاغية تونس.

 

كما أنه كشف محاولات أجهزة الاستخبارات في تشويه ثورتهم بافتعال الحرائق وحالات النهب والسرقة، وقام بحماية الممتلكات.

 

كذلك لم يفت في عضدهم الإرهاب والقمع؛ حيث كسروا حاجز الخوف، وتوحَّد شعارهم ضد النظام.

 

من الظلم اعتبار ما جرى حركة اجتماعية، بل هي ثورة شعبية عارمة بمطالب سياسية ليس أقلها التخلص من نظام القمع والفساد وهيمنة أسر بعينها، ولا توجد مطالب اجتماعية دون مطالب سياسية إصلاحية، لا يمكن الفصل بينهما.

 

ما جرى ويجري في تونس هو بداية شرارة عربية لن تتوقف- إن شاء الله- حتى تتحرر الشعوب من بقية الطغاة.

 

تضحيات الشعب التونسي البطل هي درس، مفاده أن طريق التحرر والكرامة تعبده التضحيات وفقط التضحيات.

 

موقف الجيش التونسي كان موقفًا مشرفًا منذ اللحظة الأولى، ولم يشارك في إطلاق النار على الشعب الثائر، وهو ما حذا بالمواطنين للتعامل معها بوطنية وذكاء منقطع النظير.

 

حتى اللحظة- وباستثناء قطر- يلف صمت القبور كل المسئولين العرب؛ لا تصريح ولا بيان ولا أي نفس! ربما يتحسسون كراسيهم أو رقابهم.

 

للتذكير فإن قناة (الجزيرة) كان لها أكبر الأثر في إسقاط هذا الطاغية؛ لمدة أسبوعين كانت سيدي بوزيد تقاوم وحدها وسط تعتيمٍ إعلامي مخزٍ، لكن إصرار (الجزيرة) على تغطية ما يجري، وتحملها اتهامات النظام التونسي أوصل صوت سيدي بوزيد للجميع.

 

كما كان مصير الطغاة فيمن سبقوه- شاه إيران وماركوس الفلبين وسيلاسيلاسي الحبشة- ها هو بن علي يجوب الجو، يستجدي استقباله في أي بلد، وترفضه الدول التي كانت تدعمه وتتغاضى عن ممارساته، وأولها فرنسا.

 

الغرب أثبت مرةً أخرى أنه يكيل بمكيالين- شهر وتونس تثور والإعلام الغربي يتجاهل ما يجري- في بريطانيا لم تبدأ وسائل الإعلام بالحديث عن تونس إلا ليلة أمس بعدما حُسم الأمر.

 

اليوم فقط تذكَّر أوباما أن هناك شعبًا تونسيًّا ليحيي حرية وكرامة التونسيين (بدري!).

 

من المفارقات أن آخر مَن اتصل بالطاغية المخلوع كان محمود عباس بالأمس، تذكرت المثل المصري وحورته (أقرصو في ركبتو تلحقوا في جمعتو) قولوا يا رب!.

 

أخيرًا.. لا نملك إلا أن ندعو للشاب محمد البوعزيزي، فإن ما قام به أحيا ليس تونس وحدها، بل كل عربي أينما كان.

 

ما أحلى طعم الحرية، وهنيئاً لتونس وشعبها، وعقبال عندنا وعند الباقين.

 

لا نامت أعين الجبناء

-------------

* DrHamami@Hotmail.com