لقد مرَّ على وطننا في الأيام الماضية حدثان هزَّا كل وطني حر..

الحدث الأول: هو قضية الجاسوس، والحدث الثاني -الذي فُجعنا به جميعًا-: التفجير الذي حدث أمام كنيسة الإسكندرية، والذي راح ضحيته مواطنون مصريون، مسلمون ومسيحيون.

 

وإذا كان الجميع قد تكلموا وأدلَوا بدلوهم تقييمًا وعلاجًا لهذين الحدثين، فإن لنا كلمتنا.

 

أما عن الحدث الأول والذي ذكَّرني بمقطع نثري كنا نحفظه في مرحلة الثانوية يقول فيه الكاتب: "إن الدين هو الوعاء الشامل للوطنية وغير الوطنية، ولذلك نجد أن كل متدين وطني، وليس كل وطني متدينًا".

 

فهذا الشاب الذي ذهب بكامل إرادته لكي يجعل نفسه رهن إشارة أعداء الأمة، بل أعداء البشرية والإنسانية جمعاء؛ استطاع أن يتخفَّى عن أعين الجهات الأمنية والمخابرات، وإن كانوا قد استطاعوا متابعته ثم إلقاء القبض عليه بعد ذلك.

 

ولقد أثار هذا الحدث مخاوف كلِّ وطني على أمن الوطن وسلامته، واستغلال الصهاينة لحالة التردي الاقتصادي والبطالة المتفشية بين الشباب.

 

ويلحُّ على قلبي وعقلي قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الممتحنة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (1)) (الممتحنة).

 

نهيٌ من الله عزَّ وجلَّ لكل مسلم ومسلمة عن موالاة الأعداء؛ الذين يحاربون المسلمين، ويسعون للقضاء عليهم، وكذلك نهيٌ عن مجرد التودُّد إليهم، وهي مرحلة شعورية تسبق مرحلة الحب والموالاة التي تؤدِّي إلى التعاون.

 

ثم يذكِّر الله عزَّ وجلَّ كل مسلم ومسلمة بحقيقة عقائدية، هذه الحقيقة لو تربَّى عليها الشباب لكانت الحصن الحصين لهم وللأمة؛ ألا وهي: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ).. لو استطعت التخفي عن أعين المخابرات والأجهزة الأمنية، فلن تستطيع أن تستخفي من الله.. (وإنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ) (البقرة: 284)، حتى حديث النفس، ما لا يستطيع أن يطلع عليه أحد من البشر؛ الله مطلع عليه.. آية واحدة من كتاب الله تحل المشكلة، وتؤمِّن المجتمع، وتحصِّنه ضد اختراق الأعداء.

 

أما الحدث الثاني فكان هذا الفعل الإجرامي والتفجير الذي تمَّ أمام كنيسة القديسين في الإسكندرية، فإنني أقرأ في نفس السورة قول الله عزَّ وجلّ: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) (الممتحنة)، فانظر- رحمني الله وإياك- في قوله عزَّ وجلَّ: (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) القسط مع المخالف في العقيدة والبر إليه هو طريق المسلم لأعلى منزلة يشتاق إليها كل مسلم ومسلمة؛ ألا وهي منزلة حب الله للعبد: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

 

يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "مَن قتل معاهدًا لم يرَح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" (رواه البخاري).. "ألا مَن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (رواه أبو داود).

 

أول ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وضع أول دستور عرفته البشرية يحدِّد العلاقة بين نسيجي الأمة في المدينة، من المسلمين واليهود، يسمَّى (وثيقة المدينة) كانت بنود هذه الوثيقه تركِّز على احترام حقوق الإنسان، وتكريم الإنسان كإنسان، مسلمًا كان أو يهوديًّا، وحقه في الاعتقاد، وحقه في البقاء في وطنه آمنًا، وحقه في الخروج والسفر والتنقل وهو آمن، ما دام ملتزمًا بالقانون، فقد نصَّت الوثيقة على "مَن خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم".

 

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (105) (النساء).. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجلٍ من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث، سرق درعًا من جار له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يقال له زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فحلف: بالله ما أخذها وما له بها من علم، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه منه، فقال اليهودي دفعها إليَّ طعمة بن أبيرق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا له: إنك إن لم تفعل افتضح صاحبنا، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي.

 

ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى أن طعمة سرق الدرع في جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق، فجاء به إلى دار زيد السمين وتركه على بابه، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب الدرع جاء على أثر النخالة إلى دار زيد السمين فأخذه وحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يد زيد اليهودي، فأنزل الله هذه الآيات تطلب من النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله وتبرِّئ اليهودي من فوق سبع سماوات، وتجرِّم المسلم السارق الحقيقي.. (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (106) وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112) وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) (النساء)

 

إنها العدالة المطلقه للمنهج الإسلامي المستمدة من العدالة المطلقة لله عزَّ وجلَّ الذي أنزل هذا الكتاب الخاتم وبعث نبينا الخاتم صلى الله عليه وسلم، لذلك فإن حماية الآخر في العقيدة وحماية حريته في الاعتقاد وحماية عرضه وماله وبدنه.. كل هذا عند المسلم عقيدة يتقرب بها المسلم إلى الله.

 

يقول الله عزَّ وجلَّ: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 6).. إقرار بحرية الاعتقاد التي كفلها الإسلام، والتي هي أحد حقوق المواطنة، والتي قضى بها الإسلام على قانون فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: 38)، (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء: 29).

 

وعن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليًّا من حليِّ نسائهم فقالوا له: هذا لك وخفف عنَّا وتجاوز في القسم، فقال: عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود، والله لقد أتيتكم من عند أحب خلق الله إليَّ، وإنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.

 

هذه صورة من عدالة المسلمين الذين تربَّوا على مائدة القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).

 

الإسلام الذي يربِّي مَن يؤمن به ويلتزم بمنهجه على القيم الحضارية والإنسانية، ومنها الشفقة والعطف على كلِّ مخلوقات الله؛ ليس الإنسان وفقط، بل النبات والحيوان، فلا يقبل المسلم بحسّه وعاطفته الإسلامية أن يحمِّل حيوانًا ما لا يطيق أو يؤذيه، فقد تربى على هدْي النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".

 

لما دخل عمر بن الخطاب القدس وحضر وقت صلاة الظهر، دعا صفرونيوس عمر أن يصلي في كنيسة القيامة، لكنَّ الخليفة عمر رفض خوفًا من أن الموافقة على الصلاة فيها مخاطرة لحالة الكنيسة كمعبد للمسيحي، وبأن المسلمين قد يكسرون المعاهدة ويحوِّلون المعبد إلى مسجد في المستقبل اقتداءً بخليفة المسلمين، وبعد البقاء لمدة عشرة أيام في القدس عاد الفاروق إلى المدينة المنورة.

 

الإسلام الذي يأمر المسلمين في حالة الحرب والقتال بعدم الاعتداء على المدنيين العُزَّل من شيوخ ونساء وأطفال، هذا في الحرب؛ فما بالنا بنساء وأطفال وشيوخ قوم هم شركاء الوطن، لهم مالنا وعليهم ما علينا؟!

 

أما واقعنا الذي نعيشه فما من مسلم له جار مسيحي أو زميل في العمل أو في مرحلة من مراحل الدراسة المختلفة، الجامعة وما قبل الجامعة، أو في الخدمة  العسكرية، إلا ويتعامل المسلم مع المسيحي معاملةً طبيعيةً، معاملة الصديق للصديق، معاملة الجار للجار، معاملة فيها القسط والبر من كلا الطرفين.

 

فإذا كان هذا موقف قرآننا وسنة نبينا ومواقف وسلوك أسلافنا، وهذا واقعنا الذي نعيشه، إذًا فمَن وراء هذا الحدث الإجرامي؟!

 

إن هذا يدعونا إلى أن نشير بأصابع الاتهام إلى المستفيد من إحداث الفتنة بين نسيجي أمتنا؛ ألا وهم الصهاينة.

 

ولن نستطيع أن نتغافل عما جاء على لسان رئيس الاستخبارات الصهيوني الأسبق قبل شهرين من أن الموساد يسعى لتشتيت الوحدة الوطنية بمصر وزرع الفتنة الطائفية فيها.

 

ولعل هناك بُعدًا تاريخيًّا لهذا الأمر؛ حيث قام الإنجليز بتفجير كنيسة في مدينة الزقازيق عام 1948م وأخرى بمدينة السويس عام 1952م لكي يتهموا فيها المسلمين، فتحدث الوقيعة بين نسيجي الأمة فتتفرَّق وتضعف؛ ما يصب في مصلحة الاحتلال الإنجليزي، وقد ورد هذا في رسالة للدكتوراه بعنوان (الأقباط عبر التاريخ) للدكتور سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية.

 

ألا فليُفِق الجميع، ولنعلم جميعًا أن تحصين المجتمع وصمام أمنه هو العودة للدين وتربية الأجيال على الفهم الصحيح للإسلام.

 

وأخيرًا.. أعود فأذكِّر بهذه الحقيقة العقائدية (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) والتي تضمن حق الاعتقاد للجميع، ولكن هذا الحق يؤكد أنه ليس مطلوبًا من المسيحي أن يحمل الهلال ويدخل للصلاة بالمسجد لكي يثبت ولاءه للوطن وحفاظه على حق المواطنة، وكذلك ليس مطلوبًا من المسلم أن يحمل الصليب ويدخل الكنيسة لمشاركة المسيحيين في صلاتهم لكي يثبت ولاءه لوطن واحترامه لحقوق المواطنة، ولكن (لَكُمْ دِينُكُمْ) الذي تعتنقونه بحرية، وتؤدون شعائركم بحرية وأمان وسلام واطمئنان، (وَلِيَ دِينِ) الذي أعتقده وألتزم به وأتمسك به وأتميز به.

 

إذًا فلتسقط الدعاوى الباطلة التي تدعو إلى خلط الأمور وتحييد الدين؛ فهي دعاوى نابعة من أناس إما عن جهل منهم بالإسلام وطبيعته أو عن بغض له، وهؤلاء نسوق لهم ما بدأنا به.. "إن الدين هو الوعاء الشامل للوطنية وغير الوطنية"، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.