نوجِّه الشكر والتحية والتهنئة إليكم أيها الشعب التونسي البطل، فقد تصورنا- لبشاعة ما تعرَّضتم له من إرهاب الحكم البوليسي- أنكم آخر الشعوب التي يمكن أن تنتفض مطالبة بحريتها وكرامتها، فإذا بكم تفاجئون العالم ببطولاتكم الرائعة، فأصبحتم قدوة للشعوب المستذلة.

 

لقد أريتمونا بطريقة عملية إمكانية تطبيق أبيات شاعركم أبي القاسم الشابي التي ما دمنا رددناها:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة       فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي          ولا بد للقيد أن ينكسر!

 

لقد تعلمنا منكم أيها الأبطال أن من أراد الحرية والكرامة والعيش الكريم، فلا بد له من دفع ثمن الحرية الغالي من نفس ونفيس:

وللحرية الحمراء باب          بكل يد مضرجة يدق

 

لقد تعلمنا منكم أيها الأبطال أن الصدور العارية المطالبة بحقها أقوى من الهراوات والعصي المكهربة، أقوى من القنابل المسيلة للدموع، أقوى من الرصاص المطاطي والرصاص الحي، بل وأقوى من الدبابات.

 

لقد تعلمنا منكم أيها الأبطال أن الثبات والاستمرار في الصمود، والإصرار على المطالب؛ هو السبيل الوحيد لتحقيقها، فما ضاع حق وراءه مطالب.

 

لقد تعلمنا منكم أيها الأبطال عدم الانخداع بحيل الطغاة الذين يحاولون تسكين الشعب الغاضب بشتى السبل في خطابات متتالية وإقالات شكلية لأدوات الاستبداد، وأنه لا بد من قطع رأس الأفعى سبب كل شر.

 

وقد تأكدنا أن الطغاة يبدءون حكمهم بوعود كاذبة، وكلمات معسولة تخدر الناس، ثم يبدءون في ارتكاب الصغائر، فإذا سكت الناس بدءوا في ارتكاب الكبائر، ثم الجرائم، ولا يتوقفون إلا عندما تكشر لهم الشعوب عن أنيابها.

 

وفي سبيل الحفاظ على الكرسي لا يتورع الطغاة عن ارتكاب أبشع الجرائم في حق شعوبهم، فقد رأيناهم يشكلون فرقًا للمخربين، تحطم الممتلكات العامة والخاصة لتخيف الناس، كما رأيناهم يأمرون بقتل المتظاهرين بالقنص المباشر.

 

وهؤلاء الطغاة على الرغم من أنهم يبدون جبارين شرسين، ومتمسكين بالبقاء في السلطة إلى آخر نفس في حياتهم، إلا إنهم جبناء، وسيهربون في أول طائرة إذا رأوا إصرار الشعب على مطالبه، وهم قد أعدوا العدة لهذا اليوم بشراء القصور والضياع في الخارج؛ لكنها لن تسعدهم بعد أن أتعسوا شعوبهم.

 

وسيحاول أشياع الطغاة ومنافقوهم والمنتفعون من وجودهم اللحاق بهم في الطائرة الثانية، ولكن قد يكون أوان الرحيل قد فات؛ فيقبض عليهم، ليدفعوا ثمن نهبهم وامتصاصهم خيرات الشعوب.

 

وقد ثبت لنا زيف الدعوات المطالبة بالنصرة من خارج الحدود، فأعداء أمتنا هم الذين يدعمون الطغاة؛ لأنهم لا يريدون شعوبًا حرة بل أبقارًا حلوبة، وقد رأينا ماذا فعلوا في العراق!!، وماذا يفعلون في أفغانستان وباكستان وغيرها!!، فالتغيير لا يقوم به إلا أصحاب المصلحة فيه بعد أن يدفعوا ثمنه الغالي.

 

ولقد أثلج صدورنا بعض علماء الأمة الأجلاء حين جهروا بكلمة الحق في وجه الظالمين، وناصروا الشعب المناضل، ودافعوا عن مطالبه العادلة، وطالبوا بالقصاص من قتلته وجلاديه.

 

وكان للإعلام الحر ووسائل الاتصال الحديثة المفتوحة الخارجة عن السيطرة أثرٌ كبيرٌ ملموسٌ في تفعيل وتفاعل الشعب في المدن كافة وحتى خارج الوطن، واستمرار الفعاليات.

 

يا أبطال تونس الحبيبة.. لقد فتحتم لنا باب الأمل، الأمل في إمكانية استيقاظ شعوبنا، فتحتم لنا باب الأمل في إمكانية نيلها لحريتها وكرامتها.. هنيئًا لكم.. وشكرًا لكم، و...