لا يدرك الطاغية وهو يظلم ويفتري ويتجبَّر أنه بتلك الأفعال يسرع ويعجل بنهايته ومصيره، وينسى في فورة الإحساس بالقوة ونشوتها، ودعم الأعوان، وبطانة السوء، والأجهزة الأمنية، و"ميديا" الإعلام المضللة المنافقة والتي تزين له السوء، فلا يحدث شيء ولا يجري أي حادث إلا بتعليمات السيد الطاغية، فهو العقل الوحيد ومَن حوله هم العضلات، ويظل يستمع للمنافقين حتى يصدق أنه فلتة من فلتات الزمان، وأن العناية الإلهية هي التي أرسلته لينقذ شعبه، ومَن يعترض أو يحتج أو ينصح فهو من القلة المندسة أو شرذمة قليلة من الحاقدين، ويتطور الأمر فلا يرى في الوطن إلا نفسه، ولا يسمع إلا رأيه، ويلتف حوله المطبلون والمزمرون والمزورون و"النفعجية" وأصحاب المصالح، ويختزل الوطن والشعب في شخص الحاكم الطاغية.
هكذا كان زين العابدين بن علي أحد هؤلاء، وأول طاغية من طغاة الحكام العرب يسقطه شعبه بثورة شعبية مباركة، افترى وتجبَّر وحارب أولياء الله الصالحين، وفرض العمل في أوقات الصلوات حتى صلاة الجمعة، وسمَّى هو وأجهزته الإسلاميين بالظلاميين، وألقى بهم في غياهب السجون، وأخرجهم من ديارهم وأموالهم، وحرمهم من حقوقهم السياسية وحتى من حقوق المواطنة، وسنَّ العديد من التشريعات سيئة السمعة، وظلَّ يهيم في طغيانه حتى حانت ساعة الخلاص، واشتعلت الأرض من تحت قدميه، وسقط العشرات من القتلى بل الشهداء؛ دفاعًا عن أمتهم وأوطانهم، ولكنَّ دماءهم لم تذهب سدًى، فخرج مذعورًا بعد أن ترك خلفه أعوانه وبطانة السوء يلقون مصيرهم المحتوم.
أما أصدقاؤه في فرنسا وأوروبا فقد باعوه بأبخس الأثمان، وتخلوا عنه، ورفض ساركوزي هبوط طائرته على الأراضي الفرنسية، مثلما فعلت أمريكا مع شاه إيران، بعد قيام الثورة الإيرانية حين تخلَّت عنه، ورفضت دخوله الأراضي الأمريكية وباعوه، فبات منبوذًا وغير مرغوب فيه، بعد أن كان الحليف والصديق الصدوق لهم.
ولم تفلح تنازلات بن علي أمام شعبه، ولم ينطلِ عليهم الكذب والخداع والتضليل، فقد
شبعوا منه، ولم يعودوا يصدقوا شيئًا منه.
إن رياح الخلاص والتغيير آتية في أوطاننا لا محالة، فتلك سنة الله في أرضه منذ أهلك فرعونَ موسى حتى هروب بن علي وحتى قيام الساعة، فهل يدرك بقية الطغاة في أمتنا ويعون الدرس، نأمل ذلك، وإلا فالبقية تأتي إن شاء الله ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)﴾ (الشعراء).
------------
* الأمين العام للجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين