لم يدر بخلد أحد أن تنطلق أقوى انتفاضة شعبية في العالم العربي في الألفية الثالثة حتى الآن من تونس؛ لأنه البلد الذي قُمع ولا يزال يُقمع منذ عقود، وأسست النظم الديكتاتورية الفاسدة قاعدة القمع أساس الاستقرار.
حدثت انتفاضتان شعبيتان في عهد الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس منذ عام 1956م إلى أن أطاح به الرئيس الحالي زين العابدين بن علي في عام 1987م.
الانتفاضة الأولى كانت في 26 يناير 1978م، وقادها الاتحاد العام التونسي للشغل (الجهة النقابية الوحيدة في تونس، وهي توازي الاتحاد العام لعمال مصر في مصر).
الانتفاضة الثانية انتهت في 4 يناير عام 1984م وسُميت بانتفاضة الخبز.
أما في عهد الرئيس الحالي فقد حدثت انتفاضة شعبية في منطقة الحوض المنجمي في محافظة قفصة جنوب العاصمة التونسية تونس عام 2008م.
أما الانتفاضة الكبرى الأخيرة التي اندلعت شرارتها الأولى في محافظة سيدي بوزيد (280 كم جنوب غرب العاصمة التونسية) في مطلع العام الحالي 2011م، فقد اكتست طابعًا مختلفًا عن الانتفاضات السابقة للأسباب التالية:
1- تعدت حدود سيدي بوزيد لتشمل كل محافظات تونس حتى تونس العاصمة، بل إلى القرى الصغرى والمدن التي تعد مرفهة من الناحيتين الخدمية والتنموية مثل: صفاقس، وبنزرت، وسوسة.
2- قادها الشباب، وكانوا شرارة البدء فيها، ولم تقدها فئة معينة كالنقابات أو الأحزاب.
3- استخدام وسائل الاتصالات الحديثة كالـ(فيس بوك)، والـ(تويتر)، والهاتف المحمول، والإنترنت عمومًا.
4- اتسع نطاقها بشكل يهدد حكم بن علي بعد أن أصبحت خارج السيطرة الأمنية.
بدأت الشرارة الأولى لأكبر الانتفاضات الشعبية التونسية، بعد أن أقدم شاب تونسي- يُدعى محمد بوعزيزي (26 سنة)- على الانتحار في 17 ديسمبر 2010م بسبب بطالته وسوء الأوضاع المعيشية؛ حيث كان يعمل على عربة متنقلة لبيع الخضراوات والفاكهة أمام مبنى محافظة سيدي بوزيد؛ لكن أمن البلدية منعه بالقوة، واستولى على عربته تطبيقًا للقوانين الصارمة للبلدية، فما كان من هذا الشاب إلا أن ذهب إلى محافظ سيدي بوزيد يشكو له من سوء الأوضاع، وأنه العائل الوحيد لأسرته؛ لكن على باب المحافظ صفعته شرطية تونسية، وأهانت كرامته ومنعته من مقابلة المحافظ، فاضطر بعد انسداد كل السبل أمامه لحرق نفسه أمام مبنى المحافظة، ومات متأثرًا بجروحه في المستشفى بعد أسبوعين.
فاندلعت مظاهرات عارمة في سيدي بو زيد احتجاجًا على البطالة وسوء الأحوال الاقتصادية، بعدها أقدم شاب آخر هو حسين الفالحي (25 عامًا) على تسلق عمود كهرباء للضغط العالي، وأمسك بالأسلاك فتفحم على الفور؛ احتجاجًا على تردي الأحوال المعيشية.
الإحصائيات في تونس تقول إن 1000 شخص معظمهم من الشباب يقدمون على الانتحار كل عام، أغلبهم بسبب سوء الأحوال المعيشية، ولو أدركنا أن تونس تعداد سكانها 10 ملايين نسمة نعرف أن كل 10 آلاف شخص ينتحر منهم فرد كل عام، وهي تعد نسبة كبيرة في بلد إسلامي بالمقارنة بالبلاد غير الإسلامية.
ولكن ما الرسائل الخطيرة والتحذيرية التي يمكن أن نلتقطها في ظل هذه الأحداث العارمة، وبخاصة في مصر والوطن العربي:
1- إن الاحتجاجات تبدأ فئوية واجتماعية، ولكنها تنتشر بسرعة، وتصبح سياسية اجتماعية بامتياز.
ولعل القمع الذي عاشه الشعب التونسي في العهد الحالي والماضي لم ينجح في إثناء الشعب على الانتفاضة والتعبير بشدة وأحيانًا بعنف عن رأيه، وتوجهه في التغيير، وعليه فإن الذين يراهنون على أن آلاف الاحتجاجات الاجتماعية في مصر هي جزر منعزلة لا تؤثر، وليس لها دور في التغيير مخطئون؛ لأن الاحتجاجات الكبيرة تبدأ لأسباب اجتماعية واقتصادية، وسرعان ما تأخذ طابعًا سياسيًّا يهدد أنظمة الحكم.
2- إن القبضة الأمنية لا تفلح في قمع الشعب وحماية الحكام المستبدين، وفي النهاية تنتصر إرادة الشعب، ورأينا في مظاهرات تونس الجماهير بمئات الآلاف تردد أبيات أبو القاسم الشابي الشهيرة:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر
فقد خرجت الانتفاضة التونسية عن السيطرة الأمنية، على الرغم من سقوط عشرات الضحايا ومئات المصابين برصاص الشرطة، وعلى الرغم من نزول الجيش التونسي؛ لمحاولة فرض السيطرة على العاصمة التونسية، وحماية المنشآت الحيوية للدولة كمبنى الإذاعة والتليفزيون.
3- إن قبضة الحكام على الأجهزة الأمنية يمكن أن تضعف أو تنهار بانتشار انتفاضة الشعب، وإراقة الدماء، وهذا ما رأيناه في تونس؛ حيث أشارت الأنباء إلى رفض نائب رئيس أركان الجيش التونسي إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين؛ مما جعل زين العابدين الرئيس الحالي يقوم بعزله، وهذا يعني أن هذه الأجهزة الأمنية (الجيش والشرطة) لن تكون في كل الأحوال في ولاء كامل للحكام المستبدين، فهذا يعد رهانًا خاسرًا.
4- إن انسداد العملية السياسية واكتساح الحزب الحاكم للانتخابات بكل السبل بما فيها التزوير وإقصاء المعارضة الشريفة لن يخدم مستقبل الحكم لهؤلاء المستبدين الذين ظنوا أنهم يمسكون بكل الخيوط لبقائهم في الحكم، وهذا ما فعله الحزب الحاكم في تونس وفي مصر.
5- إن شيوع العلمانية وإقصاء التيارات الإسلامية الوسطية هو ضد الشعب وضد استقرار الحكم بامتياز، وهو ما حدث في تونس من قمع لحركة النهضة الإسلامية ومنع الحجاب وتجريم تعدد الزوجات.. إلى غيرها من مظاهر العلمانية الفجة، واستبعاد الدين، وهو ما يخطط له النظام في مصر، وهو ما أدَّى إلى زيادة نسبة الانتحار في تونس بين الشباب وانتشار الفساد والإباحية.
6- إن اهتمام الحكام المستبدين بما يعلنون عنه من الجنة الموعودة في الارتقاء بالمستوى الاقتصادي للشعوب دون المسار السياسي وإطلاق الحريات هو الوهم بعينه، وهذا ما روج له النظام التونسي، وتروِّج له الأنظمة العربية المستبدة، فالإصلاح لا بد أن يكون شاملاً.
7- إن الاعتماد على الغرب في دعم الأنظمة الديكتاتورية التي تقمع شعوبها لن يجدي نفعًا، ورأينا تخلي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والاتحاد الأوروبي عن النظام المستبد في تونس بعد اندلاع الانتفاضة الأخيرة، وهناك عبرة وعظة من نظام شاه إيران الذي أطاح الشعب به؛ بسبب القمع ووأد الحريات، على الرغم من الوضع الاقتصادي الجيد للدولة آنذاك والمساندة القوية للدول الغربية لهذا النظام.
8- لا يزال هناك وقت أمام الحكام المستبدين في العالم العربي لتصحيح الأوضاع وإطلاق الحريات وإجراء انتخابات حرة؛ ليختار الشعب ممثليه بحرية، وهم بدورهم يتحملون تبعات توفير العيش الكريم له، وألا يكابر الحكام ويتعالوا ويتوهموا أن الوضع في تونس غير الوضع في مصر أو أي دولة أخرى.