م. محمد كمال
الذين يرون أن كلَّ ما ينقص مصر لتخرج من وهدتها هي الديمقراطية، لا شك أنهم يعتبرون أن المرجعية العليا للوطن قد تمَّ التوافق عليها، وإلا فإن الأمر يبدو تبسيطًا مخلاًّ لوصفة الخروج من المأزق الراهن.

ولمزيد بيان نقول:
إن العالم الغربي اعتمد الديمقراطية باعتبارها (آلية) يصل من خلالها هؤلاء الذين يمتلكون (حلولاً واقعيةً) لمشكلات الوطن، بناء على (مرجعية الوطن)، كما أنها تضمن إبعادهم- دون خسائر- في حالة فشلهم وإفساح الطريق لغيرهم.
وقد حدث هذا في أوروبا وأمريكا؛ إذ بعد أن أجمع فرقاء الوطن على توصيف (أزمتهم)، والاتفاق على (مرجعيتهم)، بعدها تمَّ الاتفاق على (آليتهم).
والأوروبيون يا سادة اتفقوا- وما زالوا- على مذهب (الحقوق الطبيعية) باعتباره قدس أقداس الحياة، وهي النظرية الأم التي ينظر إليها كلُّ باحث أو سياسي، ويختزنها في عقله الواعي أو المستتر، إذا دعا إلى فعالية سياسية أو أقدم عليها.
وهذه النظرية المذكورة أفرزت مبادئ عامة- هي الأخرى مقدسة-، وذلك قبل أن تتفق على (آلية) الديمقراطية.
وهذه المبادئ هي:
- مبدأ سيادة الأمة.. والذي أسس له الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك" في كتابه (الحقوق المدنية سنة 1690م).
- مبدأ الشرعية.. والذي أسس له الفرنسي "مونتسكيو" في كتابه (روح القوانين سنة 1748م).
- مبدأ الفصل بين السلطات.. وصاحبه أيضًا هو "مونتسكيو" في نفس كتابه المذكور.
وعلى إثر استقرار هذه المرجعية العليا بمبادئها كانت الثورة الأمريكية سنة 1776م وبعدها الثورة الفرنسية سنة 1789م، وقد رأينا إعلان الاستقلال الأمريكي (4/7/1776م) كيف جاء مُعَبِّرًا عن إيمان واضعيه بمذهب الحقوق الطبيعية فقالوا: ""لقد خُلِقَ الناسُ جميعًا سواسية متمتعين بحقوق خالدة لا تنتزع، ومن هذه الحقوق: الحياة والحرية والسعي لبلوغ السعادة".
وجاء إعلان حقوق الإنسان الفرنسي في 27/8/1789م- أيضًا- معبِّرًا بأمانة عن ذات المذهب إذ قرر أن "الفرد هو الحقيقة الأولى في المجتمع"، ومن يومها وضع علماؤهم- بكل التخصصات- النظريات الفرعية للحياة في كلِّ أوجهها تأسيسًا على المذهب الرئيسي.
حينئذٍ بدأت الممارسات، وبدأت الديمقراطيات.. نعم الديمقراطيات.. فلم تكن هنالك ممارسة واحدة للديمقراطية؛ بل اتسع الاختلاف في التطبيق في كل تفصيلة من تفصيلاتها، وباتساع بلدان العالم وبعدد العقول المنفذة.. إذن فليس هنالك وصفة جامدة اسمها الديمقراطية، وليس هنالك ديمقراطية ما لم تكن هنالك مرجعية.
وهذا- بالضبط- هو ما تطرحه الحركة الإسلامية؛ إذ نرى أن سنوات السحق الإنساني التي مرَّت بديارنا، سواء على يد الاحتلال أو الاستبداد، ثم الانهزام العلمي والفكري لأبناء الأمة في مواجهة الآخر الغربي.. كل هذا شوَّه الحقائق الكبرى، وأصبحنا نتكلم بلسان واحد وعقول متعددة ومرجعيات متناقضة، بالرغم من كوننا أبناء وطن واحد.
ولهذا نرى أن الطرح الإسلامي الشامل هو البضاعة الوحيدة المطروحة، اليوم؛ لتكون أساسًا للنهضة، فضلاً عن كونها البضاعة المنطقية لالتصاقها بأبناء الوطن.
ونرى أيضًا أن التهمة العلمانية للإسلاميين بأنهم عموميون وغامضون هي تهمة مردودة إلى قائليها..
فإذا سألناهم: هل تقصدون بـ(الدولة المدنية) أن تكون المرجعية العليا غربية؟ قالوا: لا.. خشية اتهامهم بالانسلاخ من الإسلام.
وإذا سألنا: هل تريدون إقصاء الإسلام؟ قالوا: لا.
وإذا سألت: ماذا تريدون؟ قالوا الديمقراطية والدولة المدنية.
فإذا قلت: لا دولة بدون مرجعية، والمرجعية الإسلامية هي الأنسب لأمتنا، قالوا: فصل الدين عن الدولة أساس الدولة المدنية.
فإذا قلت: تعالوا نتفق- إذن- على مرجعية عليا تنبع من حضارة الوطن، قالوا: لا جلوس معكم قبل أن تنبذوا فكرة الإسلام دين ودولة.
فإذا قلت: فلنبدأ حوارًا دون شروط، ولنرى إلام يوصلنا الحوار؟ قالوا الحوار معكم يعطي شرعية للفكر الذي نرفضه، وهو خلط الدين والسياسة.
ثم تبدأ شروط، أعتبرها مهمة ولكن في غير وقتها، مثل: ضرورة فصل الدعوي عن السياسي، وتشكيل حزب مدني، ورغم تشبثنا بهذا الحق، ورغم علم الجميع أن الحكم المستبد لن يوافق على شيء من هذا: ورغم الدعوة الدائمة إلى الخروج من شرنقة المصطلحات إلى الوفاق على أرضية مبادئ ملزمة إلا أن الحوار "الإسلامي- العلماني" ينتهي دائمًا إلى لا شيء، والحال الآن يؤكد أن المنهج المختار هو (من الذي سيفرض "إرادته" على الآخر) وليس (هيَّا نتحاور لننشئ "إرادة" وطنية واحدة).
إذن: المطروح من أصحابنا الآن: إما تغييب لقضية المرجعية، أو مرجعية غربية تنسلخ عن هوية الأمة... لكنهم لا يفصحون.
لقد كان الفرقاء الغربيون يرفض بعضهم بعضًا ويتقاتلون (راجع الحرب الأهلية الأمريكية بعد إعلان الاستقلال)- ورغم ذلك استطاعوا أن يتحاوروا، وأن ينجزوا عهودًا وطنيةً... أما إصرار أصحابنا على الاحتكام لتجربة حضارة أخرى باعتبار التقدم والتحضر فقط فهذا ضرب من المغامرة لا يصلح في بناء الأمم، كما أنه تنازل طوعي عن الهوية والتاريخ لن يكتب له النجاح.
الحركة الإسلامية- في نظري- هي أشد الحركات إيمانًا بالديمقراطية بمعناها العميق، وليس عيبًا فيها- بل ميزة- أن تحافظ على أصولها، فتقدم ديمقراطية بأصول إسلامية، فلقد أحصى علماء النظم السياسية أكثر من 50 نظرية ديمقراطية حتى رأينا منها الديمقراطية المسيحية والديمقراطية الاشتراكية!!).
ولحسن الحظ فإن مبادئ الحفاظ على حقوق الإنسان وعلاقته بالحاكم، يتقارب فيها الإبداع الإنساني مع المضمون الإسلامي.... والخطوط قريبة إن أراد أبناء الأمة أن يسيروها... أما التسليم للرؤية الغربية يأسًا من سوء الأحوال وتردي الوطن، فإنه سينقلنا من حالة استبداد نرفضه إلى حالة احتلال نرضاه... ونستنجد به!.
إن الاجتهاد في علم نظم الحكم الإسلامية ينبغي أن يتوسع، وأن يتقدم بخطى ثابتة؛ ليطرح رؤيته الإصلاحية النهائية، وعلى العلماء- وهم كثر- أن يخرجوا من أروقة الجامعات، وليصلوا إلى ميادين النزال السياسي، حتى يحسموا المعركة الفكرية لصالح هوية الأمة... بدلاً من ترك العقول والأقلام الشابة نهبًا لمصطلحات بعضها مفرغ من مضمونه... وأغلبه منكسر ومهزوم.
-----------------