- د. رفعت العوضي: تقسيم السودان خسارة اقتصادية وكارثة سياسية

- د. جمال صيام: المخطط الصهيوأمريكي يستهدف أراضي السودان الخصبة

- د. أحمد جويلي: 72 مليون طن حجم استيراد غذاء العرب والفجوة تتسع

 

تحقيق: الزهراء عامر

سلة غذاء العالم.. لقب قديم استحقه السودان الذي يملك ما يزيد عن 200 مليون فدان صالحة للزراعة، ولا يستغل منها سوى 16% فقط، برغم توافر الموارد المائية التي تكفي- بل وتفيض عن- حاجة هذه المساحة، خاصةً في ظل استخدام تكنولوجيا الري الحديثة.

 

كما يمتلك ثروةً حيوانيةً هائلةً تزيد عن 132 مليون رأس من الماشية والأغنام والماعز والإبل، يمكن أن تتضاعف باستغلال مساحة السودان التي تصل إلى 2.5 مليون كيلو متر مربع، ويمتلك السودان مزايا كبيرةً في زراعة القمح والقطن وصناعة السكر من محصول قصب السكر.

 

ورغم هذه الإمكانيات الضخمة التي يمتلكها السودان فإن الوطن العربي لم يلتفت إلى هذا الكنز، ولم يهتم به إلا أخيرًا في ظل أزمة الغذاء، التي ضربت بتأثيراتها كثيرًا من الدول العربية.

 

ورغم الاتفاقات المكتوبة في السنوات القليلة الماضية بين السودان ومصر على زراعة آلاف الأفدنة بالقمح وطلب السعودية الزراعة في السودان، فإن هذه المشروعات لم تدخل حيِّز التنفيذ حتى الآن، فيما تستثمر قطر والإمارات فعليًّا بمجالات الزراعة.

 

ويكشف واقع الأمن الغذائي العربي عن عجز غذائي متنامٍ، فحجم الإنتاج العربي من المواد الغذائية لا يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي العربي، وهو ما يستدعي اللجوء إلى الاستيراد لتغطية هذا العجز ويعكس ذلك قيمة الواردات العربية من مجموعات السلع الغذائية الرئيسية.

 

وتوقعت دراسة حديثة أن تصل الفجوة الغذائية في الوطن العربي- خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة- إلى 44 مليار دولار؛ ما يضاعف أهمية استخدام السودان كسلة غذاء عربية، ويزيد من مخاطر انفصال جنوبه المحتمل في الاستفتاء الجاري هناك.

 

فجوة الغذاء العربي

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد جويلي

يقول د. أحمد جويلي، أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية سابقًا، إن السودان مرشح دوليًّا من قبل منظمة الأغذية والزراعة العالمية "فاو" منذ ما يقرب من 37 عامًا مضت ضمن ثلاث دول لتكون سلة غذاء العالم، إلى جانب كلٍّ من كندا وأستراليا، وذلك لأنها تحتل موقعًا إستراتيجيًّا في قلب القارة الإفريقية وتجاريًّا بين دول شمال القارة ووسطها وجنوبها، وتعدُّ حلقة وصل بين إفريقيا والعالمين العربي والإسلامي، وهي أكبر بلدان الوطن العربي وتاسع دولة بالعالم في المساحة بنحو 2.5 مليون كيلو متر مربع.

 

ويؤكد أن مؤامرة تقسيم السودان إلى دولتين ستؤثر بشكل كبير في الأمن الغذائي العربي؛ لأن الجنوب يعدُّ الجزء الأكثر خصوبة في السودان؛ نظرًا لما يتمتع به من إمكانيات وموارد خاصة كثافة الأمطار، وتشعب نهر النيل بداخله، فضلاً عن احتواء الجنوب على جزء كبير من الثروة الحيوانية في السودان بفضل مساحات المراعي الطبيعية التي تنتشر على أرضه.

 

ويشير إلى أن هناك مشروعاتٍ طُرحت لتنمية الزراعة والثروة الحيوانية تحت مظلة مشروع الغذاء العالمي، تحمل شعار "كيف يمكن أن تحول الدول العربية السودان إلى سلة غذاء العالم العربي"، ولكن التمويل وقف عائقًا في وجه هذه المشروعات.

 

ويحذر من اتساع الفجوة الغذائية بالوطن العربي بسبب استيراد الدول العربية 75 مليون طن من الغذاء بقيمة إجمالية تصل إلى ‏20 مليار دولار سنويًّا، موضحًا أن تضييق تلك الفجوة يتطلَّب التعاون والتكامل العربي ودفع المستثمرين للاتجاه بقوة نحو الاستثمار الزراعي في ظل قلة الاستثمارات الموجهة إلى الزراعة وتركيزها على القطاع الخدمي، خاصةً أن الدول العربية تعاني من عجز في محاصيل الحبوب ينتظر سدَّه عبر المزيد من الاستثمارات الزراعية في السودان.

 

ويبين أن الفجوة نجمت عن النقص في ثلاث سلع غذائية رئيسية، هي الحبوب النباتية، والسكر، والزيوت، موضحًا أن السودان هو المرشح الأول لتحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الرئيسية الثلاث.

 

ويؤكد الدكتور رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، أن مخططات تقسيم السودان تهدف أولاً إلى تقسيم هذه القوة الاقتصادية الكبيرة التي تمتلك مساحةً كبيرةً من الأراضي الصالحة للزراعة؛ بما يهيئه لأن يكون سلة غذاء للوطن العربي.

 

 ويقول: إن الجميع يعرف المخطط الغربي لتقسيم السودان إلى 4 دويلات، تكون السيطرة عليها غربية، ومن ثم لا تستطيع الدول العربية أن تتحكَّم في سلة الغذاء السودانية، موضحًا أن الدول العربية ستخسر اقتصاديًّا حال الانفصال قبل الخسارة سياسيًّا؛ لأن السودان يعدُّ بوابة الوطن العربي إلى إفريقيا، وهذه الخسارة قد تمتد عسكريًّا وحضاريًّا لتؤثر في جميع  الجهات.

 

 الصورة غير متاحة

د. رفعت العوضي

ويشير إلى أن هناك أجندةً دوليةً خفيةً؛ تهدف إلى حرمان الدول الفقيرة من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وجعلها تعتمد اعتمادًا كليًّا أو شبه كلي على استيراد ما تحتاجه من سلع غذائية، من الدول الكبرى المحتكرة لإنتاجها، وهذه السياسة ظهرت تداعياتها خلال أزمة ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأخيرة على مستوى العالم.

 

ويوضح أن الوطن العربي لا يملك المخزون الإستراتيجي الكافي القابل للتخزين من الغذاء، والذي يجنبه الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية والضغوط السياسية، الناجمة عن استخدام بعض القوى الكبرى للغذاء كسلاح لتحقيق بعض أهدافها في العالم العربي، مضيفًا: فمن لا يملك غذاءه لا يملك قراره، ومن لا يملك قراره لا يملك مصيره، ويجد نفسه ضحية لعبة الأمم.

 

ويطالب الجامعة العربية بأن تدعو إلى اجتماع للنظر في كيفية تحقيق الأمن الغذائي في العالم العربي، والذي من الممكن أن يتحول إلى سلاح موجَّه ضد الدول العربية لإجبارها على اتخاذ مواقف سياسية معينة.

 

ويحذر من تداعيات تقسيم السودان على الاستثمارات العربية هناك، مشيرًا إلى أن مصير هذه الاستثمارات أصبح مجهولاً، ولا يمكن التنبُّؤ بما سيحدث في ظل تنفيذ مؤامرة التقسيم، وهو ما سيزيد من حدة أزمة الغذاء في الوطن العربي.

 

غياب الإرادة السياسية

ويؤكد د. جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي ومدير مركز الدراسات الزراعية والاقتصادية بكية الزراعة جامعة القاهرة سابقًا، أن قطاع الزراعة في شمال السودان سيتأثر كثيرًا بمؤامرة التقسيم؛ بسبب نقص العنصر البشري واعتماد الزراعة في الشمال بشكل كبير على الأيدي العاملة من الجنوب، ولهذا فإن الشمال سيحتاج إلى استقطاب أيدي عاملة من الخارج.

 

ويوضح أن دولة السودان بإمكانها أن تنتج غذاءً يكفي الوطن العربي كله، وتحلُّ على أثره أزمة الغذاء الموجودة إذا تمَّ استغلال الـ200 مليون فدان التي تمتلكها دولة السودان، ولكن هذا الحلم يفتقد إلى عنصر الاستثمارات.

 

ويشير إلى أن هناك عوامل عديدة وقفت أمام تحقيق شعار "السودان سلة غذاء العرب" منذ السبعينيات، أهمها عدم توفر الإرادة السياسية، وغياب السياسات الكلية والقطاعية الفعالة والمستقرة لدى الدول العربية، بجانب ضعف الاستثمارات؛ لأن رأس مال القطاع الخاص "جبان"، في ظل عدم تأمين الحكومات هذه الاستثمارات، فضلاً عن عدم السماح للعمالة بالانتقال.

 

ويكشف أن هناك مخططًا أمريكيًّا يهدف إلى الاستفادة من خصوبة أراضي جنوب السودان، في توفير الغذاء بأنواعه لكل الدول الاستعمارية، مع إبقاء الوضع في شمال السودان على ما هو عليه، من عدم الاستفادة بأراضيه بالصورة التي تخدم السودان والعالم الإسلامي، وذلك من خلال إبقائه في دوَّامة الصراع، بالإضافة إلى الضغوط الأمريكية على السودان للحصول على هذه الموارد.

 

ويضيف أن هناك احتمالاً لاستخدام الغرب أراضي السودان في زراعة مساحات هائلة من نبات "الكسافي" الذي يصنع منه الوقود الحيوي كبديل للبترول، لافتًا النظر إلى أنه منذ الثمانينيات تمَّ طرح 140 مشروع برنامج للأمن الغذائي العربي للتنمية الزراعية، بُنيت على أساس التكامل بين الدول، وتعتمد كلها في المقام الأول على استغلال المساحة الهائلة للسودان.

 

ويرى أنه جاء الوقت المناسب لتوظيف كل إمكانيات السودان والدول العربية التي تتمتع بوفرة في الموارد؛ لزيادة معدلات النمو، وإحداث تنمية متوازنة مستدامة على المستويين الوطني والقطري والزراعة العربية المشتركة.