لا بد أن نلفت النظر إلى أن مواقف الدكتور أحمد الطيب الإمام الأكبر يمكن أن تعيد الأزهر إلى دوره التاريخي الذي أدَّى اهتزازه مع عوامل أخرى إلى ما نعانيه الآن على أساس أن استهداف الكنائس فصلٌ من فصول مرحلة ضرب العمود الفقري لهذا الوطن، فلا شك عندي في أن اهتزاز دور المؤسسات الدينية الرسمية قد خلَّف الكثيرَ من الآثار المدمرة للمجتمع، فضلاً عن أن الأزهر كان عاصمًا لكلِّ المصريين، كما كان ورقةً في مكانة مصر الإسلامية.

 

وكان المسيحيون في مصر ينظرون إلى الأزهر باطمئنان؛ ولذلك فإن اهتزازَ دوره ترك الساحةَ للهوام التي تلتحف بالدين، وتسد الفراغ الذي تركه الأزهر.

 

كانت الخطوة الأولى في اتجاه شيخ الأزهر أنه استقال من الحزب الوطني رغم أن الحزب يريد أن يتحكَّم في الدنيا والآخرة، ثم لفت الرجل الأنظار عندما قال ما لم تقله الحكومات العربية بإدانته لاعتقال السلطة الفلسطينية للمجاهدين وتمكين الكيان الصهيوني منهم، وهذا العمل في ظني من الكبائر السياسية والدينية والوطنية الساكت عنه شيطانٌ أخرس.

 

ثم اختلف الإمام الأكبر بكل الود مع الدعوة التي أطلقها وزير الأوقاف المصري والهبَّاش الفلسطيني لكي يزور المسلمون القدس؛ إيمانًا من شيخ الأزهر بأن الزيارة عبر تأشيرة صهيونية ضررٌ محضٌ وخطيئة سياسية قاتلة، تلوث جواز السفر قبل أن تلوث صفحةَ حامله يوم الدين.

 

وأخيرًا لفت نظري موقف الإمام الأكبر في الجريمة النكراء، وهي الاعتداء على مصر في كنيسة القديسين، ويمكن أن نلخص موقفه لأهميته في النقاط الآتية:

أولاً: أن حياة الإنسان أيًّا كانت ديانته لها قدسية خاصة، فمن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا.

 

ثانيًا: أنه استدلَّ بالقرآن الكريم على حرمة دور العبادة دون تمييز، بل أكد أن حماية المسلمين للكنائس فريضة دينية، وبذلك أسقط عن المعتدي كل صلةٍ بالإسلام حتى يتأكد المسيحيون أنه حتى لو كان المعتدي مسلمًا فإن الإسلام منه بريء، ولا يُحسب على الإسلام والمسلمين.

 

ثالثًا: أن هذه الحالة هي نتيجة لأوضاع متراكمة؛ ولذلك فإني أُبارك دعوته إلى تشكيل لجنةٍ من عقلاء الأمة؛ لوضع برنامج للتنشئة والثقافة والإعلام والتعليم حتى ينزع الشك والغل من النفوس.

 

رابعًا: تصدَّى الإمام الأكبر بشجاعةٍ لمطالبة بابا الفاتيكان بحماية المسيحيين في مصر، رافضًا رفضًا قاطعًا الادعاء بأن المسيحيين بحاجةٍ إلى حمايةٍ خارجيةٍ؛ لأنه لا يمكن الفصل بين المسيحيين والمسلمين، ولأن دعوة البابا تنطوي على أحد أمرين خطيرين، الأول هو تقصير الدولة في حماية المسيحيين؛ لأنها دولة إسلامية.

 

الأمر الثاني أن المسلمين هم الذين اعتدوا على المسيحيين؛ ولذلك وجب حمايتهم منهم عن طريق الخارج، ووصف الإمام الأكبر هذه الدعوة بأنها تدخلٌ مرفوضٌ في شئون مصر الداخلية.

 

هذا الموقف له فضلان، الأول أنه صدر عن شيخ الأزهر في هذا الظرف الدقيق، وهو مرجعية دينية معتبرة، وهي شجاعة تُحسب له.

 

والفضل الثاني أن هذا الموقف يصدر في وقتٍ تقاعست فيه الدولة، وهي الأَوْلى خاصةً أن المسئولين المصريين ملئوا الدنيا طنينًا بقصة الشئون الداخلية في غير موضعها؛ حماية لسلوكهم في تزوير الانتخابات وانتهاكات حقوق الإنسان.

 

خامسًا: كشف الإمام الأكبر في رده على الفاتيكان تحيز البابا لدماء المسيحيين دون المسلمين، وأشار إلى الملايين الذين راحوا ضحية الاحتلال والأعمال الإرهابية من المسلمين، ومن واجب رجل الدين- في أي دين- أن يدين كل اعتداءٍ على أي نفسٍ بشرية إذا كان رجل دين حقًّا.

 

كذلك نوَّه شيخ الأزهر في شجاعةٍ إلى زيارة البابا لإسرائيل دون الأراضي الفلسطينية، مؤكدًا أن سكوت البابا عن مأساة الفلسطينيين تُثير الألم والشك.

 

وقد أزعجت ملاحظات الإمام الأكبر بابا الفاتيكان الذي حاول أن يبرر موقفه بأن شيخ الأزهر قد أساء فهمها، والحق أن الذي أزعج الفاتيكان هو هذه الصراحة والشجاعة التي أبداها شيخ الأزهر.

 

هذه المواقف المستقلة التي تعكس الإسلام الصحيح هي استعادة للأزهر الذي عرفناه سيفًا للحق وقبلةً للفكر الديني المستنير وحافظةً لقيم الأمة التي يطمئن في ساحتها المسيحي قبل المسلم.. فتحيةً للإمام الأكبر.