جاءت جريمة الإسكندرية وضحاياها الكثر لتحمِّلنا جميعًا المسئولية في حماية مصر الدولة والشعب والمؤسسات، حمايتها من الاهتراء والخلل والفساد الداخلي، وأيضًا حمايتها من التربُّص والاستهداف الخارجي.

 

حدثت الجريمة وفور الحدوث خرجت التكهُّنات العشوائية حول المجرم الفاعل، تكهُّنات بخلفيات متباينة، غالبها مقبول ويأتي في السياق العام لوحدة الوطن، والنادر منها لا يقل خطورةً عن التفجيرات الآثمة في تفجير جديد وضحايا جدد.

 

حدثت الجريمة واستشعرتُ جملة تخوفات متكررة على الساحة المصرية التي تحكمها ثقافة الاستسهال، وعدم بذل الجهد، وتوظيف الأحداث لتصفية الحسابات، تصريحات متباينة، وأحداث متتالية، الإعلامي منها قد يكون معذورًا، والأمني أخطر ما يدور، تخوفات مشروعة وقد بدأت اعتقالات عشوائية وتحقيقات أمنية وانتهاكات حقوقية، وفي الأخير ضحايا جدد، واحتقان زائد، ومزيد من تمزيق النسيج الوطني، وإصرار للسير في الاتجاه المعاكس.

 

شواهد ودلالات

- اعتقال نشطاء 6 أبريل المتضامنين مع إخوانهم الأقباط "المسلمين منهم فقط" وإحالتهم إلى محاكمة عاجلة بسرعة غير معهودة في التقاضي المصري، وتحميلهم مسئولية إتلاف الممتلكات والعربات المصفَّحة والاعتداء على قوات الأمن، وفي المقابل تصريحات بأننا نتفهَّم غضب الشباب القبطي المتحمس وتجاوزاته ضد الممتلكات وكبار النافذين في الدولة، وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

 

- قُتل الشاب سيد بلال السكندري الذي أعلنت عنه عدة مؤسسات حقوقية، وتقدمت أسرته ببلاغ للنائب العام بأنه مات تحت التعذيب على خلفية أحداث الإسكندرية، ودُفِنَ رغمًا عن أهله.

 

- العديد من المعتقلين على خلفية الأحداث، ولا تتوفر لهم ضمانات التحقيق العادل والحقوق القانونية، فضلاً عن سلامة أجسادهم وأرواحهم.

 

- تضارب التصريحات حول شخصية الجاني، والإعلان عن صورة مرمَّمة، وعندما قيل إنه قبطي تغيَّر القول بأنه ليس الجاني، لكنه من الذين كانوا يؤدون الصلاة في الكنيسة، ثم تشابهت الصورة المتخيلة مع محامٍ على قيد الحياة.

 

التسرع في الإعلان دون تدقيق.. ضمانات ومتطلبات

من حقِّ الجهاز الأمني والأجهزة المعنية اتخاذ كلِّ الوسائل والإجراءات لكشف المجرم الفاعل ومَن خلفه؛ حماية للوطن، واستعادة لحقوق الضحايا، وتأمينًا للجبهة الداخلية المصرية بل وأمننا القومي، ومن حقِّنا كمصريين ألا ندفع الفاتورة الباهظة عدة مرات، على يد الجناة الفاعلين ثم على يد المرتبكين والمتسرعين، لذا أقترح عدة ضمانات ومتطلبات منها:

* تشكيل لجنة "إدارة أزمة" يحدد هدفها الإجرائي الحالي وهدفها الإستراتيجي في معالجة تداعيات الأحداث وما يرتبط بها.. لجنة تضمُّ أكفاء مصر، وهم كثر، يكون الجهاز الأمني جزءًا منها وجزءًا تحت السيطرة، لها مطلق الصلاحيات.

 

* الحذر من سرعة الإنجاز المخلُّ بدقة وقانونية الوسائل والإجراءات لإغلاق ملفات القضية.

 

* التعامل المهني في الحصول على المعلومات الدقيقة والصحيحة، وعدم الاعتماد على فبركة التحريات أو الضغط غير القانوني أو الحقوقي لانتزاع الاعترافات

 

* الالتزام بمعايير العدالة والشفافية في التعامل مع عموم المصريين الأطراف في هذه القضية؛ لأن الجميع في دوائر الظن والاشتباه.

 

* التخلص من ثقافة الدفاع والتبرير الدائم لمعظم التصرفات والتجاوزات القانونية والحقوقية، ومحاسبة المتجاوزين حماية للحقوق والنفوس بل والنسيج المجتمعي.

 

* وضع ضوابط للتعاطي الإعلامي مع الملف؛ خوفًا من نشر معلومات غير دقيقة بهدف السبق الصحفي، وقد يترتب عليها أزمات ومشكلات تضرُّ بحقوق الأطراف المعنية بل ووحدة الوطن.

 

وأخيرًا.. عندما تعلو الأصوات، وتغلب العاطفة، وتتقدم المشاعر وحدها؛ هنا يكمن الخطر والخطأ، لا بد ألا يغيب صوت العقل وميزان الضمير ومناخ الحكمة والرشد، برغم ما لهم من كلفة وتبعات يدفعها أكثر الناس حرصًا على الوطن؛ لذا نأمل ألا تعالج الجراح الحالية بجراح جديدة قادمة..

حفظك الله يا مصر.