كلما تابعت الآلة الإعلامية الرهيبة التي تحاول الترويج بسذاجة مكشوفة، يسميها البعض "بجاحة"، لمسئولين وسياسات يعرف القاصي والداني فشلها، تذكرت هذه القصة المختزنة في ذاكرتي منذ سنوات لا أعرفها.. عن مصدر لا أعرفه.. وراحت تتداعى أمام ناظريّ وأنا أتابع إعلامنا الميمون.

 

يُحكى أنه في قديم الزمان ذهب ملك في زيارة لإحدى مدن مملكته، وذاع الخبر بين الرعية، فراحوا يحتشدون على طريق مرور الملك، مؤملين أن ينالوا شرف مشاهدة موكبه، أو أن يحظوا بنظرة عابرة منه، أو إيماءة يلقيها يمينًا ويسارًا دون هدف محدد، أو ابتسامة باردة ينحتها على وجهه كأنما يوزعها على لا أحد.. فيعود لأهله ومعارفه مقسمًا أنه قد نال هذا الشرف، وأن الملك قد خصَّه به وحده.

 

وكان من بين من خفوا للقاء الملك، رجل اصطحب ابنه معه، وراح يجد السير وهو قابض على كف الصغير بين راحته، يعتصر أنامله الغضة دون قصد، وهو يروي بحماسة بالغة مآثر الملك وفضائله التي يتغنَّى بها أهل المدينة جميعًا.

 

ومضى الطفل مع والده، مجتهدًا أن تلحق قدماه القصيرتان بخطواته الواسعة.. تحاصره من كل صوب وحدب روايات الجميع عن الملك ذي المآثر والمكارم والأفضال.. يجد الخطا وقد اتسعت عيناه... وراح يلهث بشدة انفعالاً مع كل خطوة تقربه أكثر فأكثر من الحدث الكبير... لقاء الملك.

 

وحانت اللحظة المرتقبة.. وأخذت الأجساد تتزاحم والأعناق تتطاول، لتحظى بنظرة للملك القادم في موكبه.. ورفع الوالد صغيره على كتفيه؛ ليتمكن من رؤية أفضل، بينما تشق الأصوات الحناجر هاتفة بحياة الملك.

 

وانفض السامر.. وفي طريق العودة لم يخفت حماس الوالد أنملة، وهو يصف لولده ما أحاط الملك من أبهة، وما كساه من لباس الملك الفاخر المهيب.. وإذا بقدمي الصغير تتسمران في مكانهما وأنامله الصغيرة تجذب كف والده ليلتفت إليه متسائلاً.. فيجيبه الطفل ببراءة وتلقائية: أبتاه.. لكني أرى الملك عاريًا!.

 

ترى.. هل رأى الأب بدوره الملك عاريًا؛ ولكنه يكذب على ابنه كجزء من منظومة الكذب التي كانت تقود المجتمع ككل، أم أن الزيف والتضليل وأبواق الدعاية الكاذبة التي حاصرت الوالد وغيره من أبناء تلك المدينة لسنوات قد قلبت الحقائق، وأغشت العيون، وغيبت العقول؟.

 

ربما يحول الإلحاح كذبة ما أمام البعض إلى حقيقة، تجعلهم يكذبون ما تراه أعينهم وتلمسه أيديهم، ويصدقون فقط ما يُملى عليهم.

 

وربما مع مرور الوقت وتقدم العمر يرتبط الكبار (الآباء) بشبكة من العلاقات والمصالح تجعلهم لا يرون الحقيقة، أو يغضون الطرف عنها عمدًا حتى لا يتحملوا عبء التغيير أو الإصلاح.

 

ربما.. وربما.. وربما.. لكن الأكيد، أنه مع كل يوم جديد ستُولد أجيال جديدة لم يرهبها كثرة الكذب، ولم تغش عقولها أبواق الدعاية المضللة، لم تصم أذنيها الأباطيل، فتجعلها تتوه في المساحات الرمادية...

 

ستُولد أجيال تفرِّق جيدًا بين الأبيض والأسود.. بين الحق والباطل.. بين العري والستر.. ترى بنعمة البصر ونور البصيرة... فتسقط بهرج الملك عن أصحابه، لترى حقيقة ما لدى كل منهم من قبح أو جمال...

 

فيا ملوك الأرض.. إنا نراكم عراة... رغم آلاتكم الإعلامية نراكم فاسدين... مستبدين... لا تسعون لتحقيق مصالحنا ولا تمثلوننا... ونسأل الله ألا يقيدنا بمصالح شخصية تمنع أعيننا من رؤيتكم على حقيقتكم... أو تلوي ألسنتنا لتروج لأكاذيبكم...

 

وإلى الكبار (سنًّا) الذين ارتبطت مصالحهم بالملوك العراة... لا تخدعوا أبناءكم وتلونوا لهم الحقائق... فلعلهم إذا سمعوها منكم واضحة جلية غفروا لكم عجزكم عن المواجهة، وقاموا هم بواجبها... وآنذاك يجني الجميع ثمرة الصدق مع النفس، بدلاً من أن تدفع الأجيال ثمن الكذب والخديعة التي ساهمتم في الترويج لها.

 

وختامًا... لمن يرون الملوك العراة على حقيقتهم... لا تهزن ثقتكم بصدق أحاسيسكم مكانة مروجي الأكاذيب أو كثرة عددهم، فما ذل صاحب حق ولو تكالبت عليه الدنيا، وما عز صاحب باطل ولو سطع من جبينه القمر.

------------------

* أمين صندوق نقابة صيادلة مصر